حماتي وضرتي
حماتي كانت كل ما نروح عندها تحط ضرتي جنب جوزي على السفرة، وتقولي أنا إنتِ اقعدي بعيد عشان توسعي.
أول مرة حصلت، افتكرتها صدفة.
كنا معزومين على الغدا عند حماتي، والسفرة كانت كبيرة وفيها مكان يكفي الكل. أول ما وصلنا، لقيتها بتقول لضرتي بابتسامة
تعالي يا حبيبتي اقعدي هنا جنب أخوكي.
وبعدين بصتلي وقالت
وإنتِ اقعدي هناك آخر السفرة عشان توسعي.
ابتسمت وسكت.
قولت يمكن المكان جه كده.
لكن المرة اللي بعدها حصل نفس الكلام.
وبعدها اللي بعدها.
بقت كل زيارة نفس المشهد يتكرر بالحرف.
ضرتي قاعدة جنب جوزي، تضحك معاه، تناوله الأكل، وهو مش واخد باله أصلًا إن المكان بيتكرر بنفس الطريقة.
وأنا
دايمًا في آخر السفرة.
لدرجة إن مرة ابني الصغير سألني قدام الكل
يا ماما هو إنتِ مش بتحبي تقعدي جنب بابا؟
الكل ضحك.
أما أنا، حسيت إن السؤال وجعني
أكتر من أي كلمة.
بعدها بدأت ألاحظ إن الموضوع أكبر من مجرد كرسي.
لو جوزي طلب حاجة، حماتي تبص لضرتي وتقول
ناوليه.
ولو الكوباية فضيت، هي اللي تملاها.
ولو قام من مكانه، تسيب له الكرسي فاضي لحد ما يرجع.
كأنها بتتعمد ترسم صورة قدام الناس إن اللي قاعدة جنبه هي الأقرب ليه.
وفي كل مرة أحاول أقعد جنب جوزي، تقوم تقول بسرعة
لا لا سيبي المكان ده. إنتِ اقعدي هناك عشان يبقى في وسع.
الغريب إن الوسع ده كان دايمًا يطلع جنب جوزي بس.
وفي مرة، قبل ما نروح عندها، قلت لجوزي بهدوء
خلي بالك النهارده من أماكن القعدة.
استغرب وقال
يعني إيه؟
قلت
ولا حاجة بس ركز.
لما وصلنا، حصل اللي كنت متوقعاه.
حماتي قامت شدّت الكرسي اللي جنبه وقالت لضرتي
اقعدي هنا يا حبيبتي.
وبصتلي وقالت وهي بتضحك
إنتِ اقعدي آخر السفرة عشان توسعي.
المرة دي، جوزي بصلي.
واضح إنه افتكر كلامي.
قال لأمه
لا يا أمي مراتي هتقعد جنبي.
ابتسمت حماتي ابتسامة مصطنعة وقالت
يا ابني هي قعدة وخلاص إيه يعني؟
قال
طالما قعدة وخلاص يبقى أي حد يقعد في أي مكان.
وشد الكرسي اللي جنبه ليا.
أول مرة أشوف ملامحها تتغير بالشكل ده.
لكنها سكتت.
افتكرت إن الموضوع خلص.
لحد ما بعد الغدا دخلت أجيب حاجة من المطبخ، وسمعتها بتتكلم مع ضرتي وهي فاكراني مش سامعة.
قالتلها
أنا بسيبك تقعدي جنبه عشان مرات أخوه تعرف إن مكانها عمره ما هيبقى الأول عنده الست لازم تتحط في حجمها من الأول.
اتجمدت مكاني.
لكن الصدمة الحقيقية
إن جوزي كان راجع يدور على مفاتيحه، ووقف عند باب المطبخ قبل ما أدخل بثواني.
وسمع الجملة كلها
لكن بدل ما يدخل يواجهها، طلع موبايله في هدوء، وضغط على زر التسجيل
لأنها كملت كلامها باعتراف، قلب حياتنا كلها في لحظة.
كملت حماتي كلامها بصوتٍ مليء بالحقد والتحكم، وكأنها تروي خطّةً أعدّتها منذ زمنٍ طويلٍ لا تُحاسب عليه وأنا مش بس اللي هعمل كده أنا اللي أخفيت عنه الحقيقة من يوم ما كان صغير، عشان يظلّ تحت عينيّ وما يخرج من طوعي أبدًا. تفتكري لما أخترت له البنت دي من بلدٍ بعيد، وقلت له إنها بنت ناس وأصلها طيّب كنت عايزاه يأخذها؟ لا كنت عايزة واحدة أقدر أسيطر عليها، واحدة ما لها أهل ولا سند هنا، تفضلّ تخاف منّي وتسمع كلامي في كلّ كبيرة وصغيرة. ونجحت فيّ! جابها، وسكتّت، ورضيت بكلّ اللي أقوله لها لحد ما بدأت تحسّ بنفسها وتطلب مكانًا جنبه. فما كان منّي إلّا أخلّي مكانكِ أنتِِ جنبه، عشان تظلّ تعرف إنّها غريبة هنا، وإنّ المكان الحقيقيّ اللي تُقعد فيه هو آخر السفرة حيث لا أحد يراها ولا يُعطيها قيمةً تُذكر!
سمعتُ الكلام وكأنّ صاعقةً نزلت على رأسي. كلّ تلك السنوات التي صبرتُ فيها، كلّ تلك الكلمات التي
لمحة نيوز