في المطار
في المطار، أبويا ساب جدتي اللي عندها 76 سنة ورا ضهرنا ومشيت، بعد ما كانت دافعة أكتر من 520 ألف دولار عشان رحلة العيلة الحلم. لما بص لها وقال لها يا أمي، وأنتِ في سنك ده، بقيتِ عبء علينا أكتر من كونك مساعدة، أنا قطعت تذكرة الطيران بتاعتي. وقبل ما الليلة دي تخلص، كنت هكتشف ورق بيكشف خيانة ألعن بكثير من مجرد تذكرة ملغية.
بصراحة يا أمي، الأحسن تقعدي في البيت.
الكلمات دي طلعت من أبويا، ريموند كروفورد، وإحنا واقفين في الطابور في مطار لوس أنجلوس الدولي.
قالها بكل برود، وقدام العيلة كلها.
كأن جدتي دي شيء يعطلهم، مش الست اللي ربته لوحدها، وطحنت نفسها في الشغل لساعات ما بتنتهيش، وضحت بكل حاجة عشان تأمّن له مستقبله.
جدتي، إيلين كروفورد، كان عندها 76 سنة.
قعدت سنين تحوش عشان حلم واحد تاخد العيلة كلها إسبانيا. مدريد بالذات كان ليها مكانة خاصة في قلبها، لأن جدي الله يرحمه كان دايماً بيوعدها إنهم هييجوا يوم ويمشوا في شوارعها سوا.
لكن لما وصلنا عند موظف شركة الطيران، الموظف بَص للشاشة وهو مكشر.
أنا آسف يا فندم، بس مش ملاقي أي حجز باسم حضرتك.
جدتي على طول فتحت شنطتها وبكل حرص طلعت ورقة مطبوعة فيها تفاصيل الرحلة.
قالت له ابني هو اللي أداني دي، يمكن تساعدك.
الموظف دقق فيها لحظة، وبعدين بص ل أبويا.
ده مش حجز مؤكد.
أبويا تقريباً مظهرش عليه أي رد فعل.
لا اتفاجئ.
ولا اعتذر.
كل اللي عمله إنه تنهد بزهق.
يا أمي، أكيد حصل غلطة تلاقيكِ مش فاهمة. إحنا مش هنضيع الرحلة عشان الموضوع ده. ارجعي أنتِ البيت ارتاحي، وإحنا هنبعت لك صور.
السكوت اللي حصل بعد كلامه كان يخنق.
عمتي بقت تبص في الأرض.
مرت أبويا عدلت نظارتها الشمس.
ولاد عمي فجأة بقوا مهتمين جداً بموبايلاتهم.
محدش دافع عنها.
عشان كده أنا اللي وقفت لها.
أنا اسمي ناتالي كروفورد. عندي 32 سنة، وبشتغل محاسبة جنائية. بقضي أيامي في كشف النصب والتلاعب المالي.
عمر ما جه في بالي إن أصعب وأوسخ قضية هقابلها هتبقى تخص عيلتي أنا.
قلت ب هدوء وحذر يا بابا، تيتا هي اللي دافعة ثمن الرحلة دي.
عينه ضيقت وبصلي ب حدة خليكِ برة الموضوع ده.
بعدها بصيت ل جدتي.
مكونتش بتعيط.
وده في حد ذاته كان بيوجع أكتر.
كانت واقفه وبس، حاضنة شنطة إيدها ب قهر على صدرها، بتحاول تحافظ على الشوية الصغيرين اللي فاضلين من كرامتها.
ومن غير ما أنطق بكلمة تانية، طلعت تذكرة الطيران بتاعتي.
وقطعتها نصين.
صوت قطع الورق سمع في الصالة كلها.
أبويا بحلق فيا أنتِ بتعملي إيه؟
أنا ماشية مع تيتا.
مرت أبويا لوت بوزها يعني هتضيعي رحلة تجنن عشان سوء تفاهم؟
شلت شنطة تيتا.
ده مش سوء تفاهم.
ودرت وشي ومشيت معاها.
محدش حصلنا. ولا بني آدم.
طول الطريق وإحنا راجعين البيت، تيتا فضلت ساكتة.
وفي الآخر همست يمكن أبوكِ فعلاً غلط من غير ما يقصد.
كنت عايزة أصدق ده.
بس كان في حاجة في الموقف كله بتقول إن الموضوع مقصود ومتخطط له.
لما وصلنا بيتها في بورتلاند بالليل، فهمت لأي درجة الموضوع كان خربان.
البيت الصغير كان باين عليه الإهمال.
الدهان كان بيقشر.
الثلاجة مفيش فيها غير حاجات أساسية جداً تكاد تذكر، والعلاج بتاعها كانت بتاخده ب قطارة وبتوفر فيه عشان يكفيها أكتر من المدة المحددة.
وفي نفس الوقت، أبويا راكب عربية ربع نقل جديدة زيرو، ومرت أبويا شايلة شنط ماركات غالية، وولاد عمي طول الوقت بينزلوا صور لحاجات رفاهية بيشتروها على النت.
التناقض ده مكنش يدخل العقل.
بعدها بالليل، جارة تيتا عدت علينا ومعاها شوربة عاملاها في البيت.
وإحنا بنتكلم، قالت حاجة غريبة.
قالت بصوت واطي أبوكِ بييجي هنا كل أسبوعين تقريباً.. بس مبيقعدش خالص. بيدخل يلم الجوابات اللي جاية من البنك ويمشي.
حسيت ب كبشة في معدتي.
بعد ما تيتا دخلت تنام، قعدت أدور في الأوراق القديمة اللي متشالة في أوضة جدي.
أغلب الورق كان عادي.
لحد ما لقيت دوسيه.
جواه كان في وثيقة رسمية متوثقة في الشهر العقاري.
توكيل عام رسمي.
اسم أبويا كان مكتوب فيه بصفته الوكيل المفوض.
يعني كان معاه سلطة كاملة على حسابات جدتي، وأملاكها، والسحب، وكل قراراتها المالية.
تاني يوم الصبح، خدت تيتا ورحنا البنك بتاعها.
مدير البنك طبع لنا كشف حساب لحركة الحسابات على مدار سنين.
وكل ما الورق يكتر ويترص فوق بعضه، الحقيقة البشعة كانت بتوضح أكتر ومبقاش ينفع تتدارى.
تيتا كان معاها في وقت من الأوقات قريب من 4 مليون دولار، من تحويش عمرها، واستثماراتها، ومعاشها، وبيعت أرض.
دلوقتي، مكنش فاضل حتى نص المبلغ.
كشوف الحسابات كانت مبينة تحويلات ورا تحويلات.
سحوبات بمبالغ ضخمة.
مصاريف رفاهية.
تذاكر وسفريات.
ومبلغ واحد ضخم جداً مدفوع ل رحلة العيلة لإسبانيا.
أكتر من نص مليون دولار.
تيتا قرت كل صفحة من غير ما تنطق.
وفي الآخر بصت لي.
كان في حزن كبير في عينيها، بس مكنش فيه غضب.
قالت بصوت هادي أنا مش عايزة انتقام يا ناتالي.. أنا بس عايزة ابني يفتكر إنني لسه عايشة.
وقبل ما أرد عليها، موبايلي اتهز.
رسالة جديدة ظهرت في جروب العيلة.
الصورة كانت ليهم كلهم وهم قاعدين في الدرجة الأولى في الطائرة، بيضحكوا ورافعين كاساتهم.
وأبويا كان كاتب تحت الصورة
أخيراً مسافرين من غير حمولة زيادة.
تيتا شافت الرسالة هي كمان.
الوجع ظهر على وشها لثانية واحدة بس قبل ما تدير وشها الناحية التانية.
دي كانت اللحظة اللي عرفت فيها إن الحكاية دي مابقتش مجرد حكاية فسحة ورحلة اتلغت.
وإن الورق اللي لقيتُه ده.. كان مجرد البداية.
قعدت جنبها على الكنبة في الصالة، وأنا حاسة بنار بتاكل في صدري. كنت شايفة الكسرة اللي في عينيها، الكسرة اللي جاتلها من أكتر بني آدم ضحت عشانه. في اللحظة دي، مهنتي كمحاسبة جنائية اختفت، ومبقاش فيه غير حفيدة عايزة تجيب حق جدتها لحمها ودمها.
بصيت ل تيتا وقلت لها وأنا بضغط على إيدها تيتا، أنتِ مش عايزة تنتقمي، وأنا مش هخليكِ تنتقمي.. بس الحق لازم يرجع، واللي أخد حاجة مش بتاعته هيردها، ورجله فوق رقبته.
طلعت موبايلي وخرجت برة الجروب بتاع العيلة من غير ما أرد على قرفهم. فتحت اللاب توب بتاعي وبدأت أشتغل. الليلة دي مكنش فيها نوم. نزلت كشوف الحسابات كلها اللي طبعناها من البنك، وبدأت أعمل اللي أنا شاطرة فيه تتبع الفلوس.
كل تحويل كان بيكشف مصيبة. أبويا مكنش بس بيصرف من فلوسها على الفسح والعربيات، ده كان بيمضي شيكات لشركته اللي كانت بتفلس من سنتين، وكان بياخد قروض بضمان أرض كانت باسم جدي الله يرحمه وتيتا ورثتها. الغباء بتاعه إنه كان فاكر إن تيتا عمرها ما هتفهم ولا هتدور وراه، ومكنش عامل حساب إن فيه محاسبة جنائية في العيلة.
على الساعة 4 الفجر، لقيت القنبلة الكبيرة.
ال 520 ألف دولار اللي اتسحبوا عشان رحلة إسبانيا الحلم، مكنوش رايحين لشركة سياحة ولا طيران. الفلوس دي اتحولت لحساب بنكي برة البلد، حساب شخصي باسم مرت أبويا، والتحويل ده حصل قبل الفسحة بأسبوع واحد بس! يعني هما خططوا لكل حاجة؛ ياخدوا الفلوس، ويحجزوا لنفسهم تذاكر الدرجة الأولى، ويسيبوا الست الغلبانة في المطار بحجة إن الحجز مش مؤكد وبمنتهى البجاحة يقولوا لها أنتِ عبء.
الدم غلي في عروقي. طبعت كل التقارير دي، وحطيتها
لمحة نيوز
في دوسيه أحمر، وبعتها في إيميل رسمي ل محامي متخصص في قضايا النصب العقاري والمالي، وكنت أعرفه بحكم شغلي في المحاكم.
الصبح طلع، وتيتا صحيت لقتني قاعدة قدام اللاب توب وعيني حمرا من قلة النوم. بصت لي بقلق وقالت يا بنتي، بلاش مشاكل.. أنا مش عايزة أخسر ابني.
قلت لها بمرارة يا تيتا، أنتِ خسرتيه من زمان.. من يوم ما مد إيده على شقا عمرك وسابك تاكلي لقمة ناشفة وتوفري في علاجك وهو عايش في العز. فوقي يا حبيبتي، ده ميبقاش ابن، ده مريض.
بعد أسبوع، رحلة إسبانيا خلصت، والعصابة رجعت المطار.
أبويا مكنش يعرف إيه اللي مستنيه. أول ما حط رجله في صالة الوصول بشنطه اللوي فيتون والنظارات الشمس، لقى اتنين مأمورين تنفيذ أحكام واقفين ومعاهم المحامي بتاعي.. وأنا.
وشه اتخطف أول ما شافني. مشي ناحيتي وهو بيزعق ناتالي! إيه المسخرة دي؟ وإيه الناس اللي واقفة دي؟
المحامي خطى خطوة لقدام وسلمه إعلان رسمي السيد ريموند كروفورد، تم رفع دعوى قضائية عاجلة ضدك بتهمة خيانة الأمانة، واختلاس أموال قاصر بحكم السن والتوكيل، والتزوير المالي. وتم تجميد جميع حساباتك البنكية وحسابات زوجتك، والحجز التحفظي على السيارة والشركة بموجب أمر قضائي.
مرت أبويا بدأت تصوت في وسط المطار أنتِ اتجننتي يا بت؟ عايزة تحبسي أبوكِ عشان حتة فسحة؟
بصيت لها بكل برود وقلت الفسحة دي هتدفعوا ثمنها غالي أوي.. الفلوس اللي في حسابك برة البلد اتجمدت يا شاطرة، والعربية الجديدة اللي ورا المطار دي هتتسحب منكوا دلوقتي حالا.
أبويا بصلي وعينه فيها رعب عمري ما شفته فيه قبل كده. قرب مني وقال بصوت واطي بيموت من الخوف ناتالي.. أنا أبوكِ.. دي أمي، هي مش ممكن تعمل فيا كده، خليني أكلمها.
طلعت موبايلي وفتحت السبيكر، وكنت مرتبة مع تيتا إنها تكون سامعة كل حاجة.
أبويا قال بسرعة أمي! أنا أسف.. كانت غباوة مني، أنا هصلح كل حاجة، بلاش الفضايح دي أرجوكِ، أنا ابنك الوحيد!
جه صوت تيتا من السماعة.. بس مكنش الصوت الضعيف المكسور بتاع المطار. كان صوت ست رجعت لها كرامتها.
قالت له يا ريموند.. أنا عشت عمري كله أصلح في غلطاتك وأدادي عليك. بس أنت نسيت إنني لسه عايشة، وبعتني عشان شوية ورق وفلوس. دلوقتي بقى، القانون هو اللي هيعلمك الأدب اللي أنا معرفتش أعلمهولك. متكلمنيش تاني.
الخط قطع.
أبويا انهار على ركبه في وسط المطار والناس كلها بتتفرج عليه، والشرطة بدأت تاخده عشان الإجراءات.
لفيت ضهري ومشيت وأنا حاسة بنظافة في قلبي. الحكاية فعلاً مكنتش حكاية فسحة اتلغت.. دي كانت حكاية تنضيف حياتنا من ناس ميسواش، ورجوع الحق لأصحابه. ومن يومها، تيتا قعدت في بيتها معززة مكرمة، والفلوس اللي رجعت كانت أكتر من كفاية عشان تعيش ملكة.. وأنا بقيت دايماً جنبها، الحمولة اللي بجد، بس الحمولة اللي سندتها ومسابتهاش تقع.
بعد الليلة دي، الأيام مشيت بسرعة، وكل خطوة كانت بتأكد ل أبويا ومراته إنهم وقعوا مع الشخص الغلط.
بصفتي محاسبة جنائية، أنا مسبتش ثغرة واحدة. قدمت للمحكمة تقرير مالي حتة حتة، فيه كل سنت خرج من حساب تيتا ورايح فين بالظبط. المحامي بتاعي استخدم التقرير ده عشان يرفع قضية حجر وإلغاء توكيل بسبب إساءة الأمانة، وفي نفس الوقت قضية جنائية بتهمة الاختلاس والتزوير.
أبويا حاول في الأول يكابر. بدأ يبعت قرايبنا وضغطوا على تيتا بكل الطرق ده ابنك، والشرع بيقول ميتسجنش عشان فلوس، والفضايح دي هتبوظ سمعة العيلة.
في يوم، لقيت عمتي جاية تخبط على الباب، ودخلت ل تيتا وعينها مليانة دموع تمثيل وتقولها يا أمي، ريموند هيروح في داهية، شركته هتقفل ومراته بتهدد تطلق منه لو اتحبس، يرضيكِ خراب البيوت ده؟
تيتا بصت لها وهزت راسها بأسف وقالت لها جملة واحدة هو اللي خرب بيته بإيده لما استهون بيا وسابني في المطار كأني كلب ملوش صاحب. اللي خاف على مراته وفلوسه، كان أولى يخاف على أمه. وطردتها برة البيت.
المحكمة حكمت حكمها السريع بفضل الأدلة والمستندات اللي مفيهاش شك. التوكيل اتلغى تماماً، وصدر قرار بالحجز على كل أملاك أبويا ومراته لحد ما يردوا ال 2 3 مليون دولار اللي اختلسوهم على مدار السنين.
العربية الربع نقل الجديدة اتسحبت، ومرت أبويا اضطرت تبيع كل الشنط والدهب والمجوهرات اللي اشترتهم بفلوس تيتا عشان تدفع مصاريف المحامين، وفي الآخر، شركة أبويا أعلنت إفلاسها رسمي، والبيت بتاعهم اتعرض في المزاد العلني.
أبويا مأخدش سجن مشدد بسبب سن تيتا وتنازلها عن الشق الجنائي في آخر لحظة رأفةً بيه، بس الحكم ألزمُه بالرقابة المالية، وبقى مديون ل تيتا وللبنك ب مبالغ عمره ما هيعرف يسددها طول حياته، وتحول من الراجل الغني المغرور ل بني آدم مكسور، شغال موظف بسيط في شركة شحن عشان يدوب يدفع إيجار شقة أوضتين وصالة.
أما عن تيتا إيلين..
الفلوس اللي رجعتلها حطيناها في صندوق استثماري مقفول باسمها، مفيش مخلوق يقدر يلمسه غيرها.
أول حاجة عملناها، إننا جددنا بيتها الصغير في بورتلاند؛ دهناه ألوان مبهجة، وظبطنا الجنينة اللي جدي كان بيحبها، وملينا الثلاجة بكل خيرات ربنا، وجبنا لها ممرضة خصوصية تقعد معاها وتظبط لها مواعيد علاجها بأعلى جودة.
وبعد سنة كاملة من المحاكم والتعب، وفي نفس اليوم اللي سابنا فيه في المطار..
كنت قاعدة أنا وتيتا في صالة الطيران الدولي، بس المرة دي في مطار القاهرة، بنشرب قهوة ومستنيين طيارتنا المتجهة ل مدريد.
تيتا كانت ساندة راسها على كتفي، ولابسة فستان جميل ومبتسمة وهي شايفة الطيارات بتمشي. طلعت موبايلها، ودخلت على الجروب القديم بتاع العيلة اللي مكنش فاضل فيه غير أبويا وعمتي وولاد عمي اللي مبقوش لاقيين ياكلوا.
صممت أصورها صورة وهي ماسكة تذكرة الدرجة الأولى، وضحكتها مالية وشها، وكتبت تحتها تعليق واحد
أخيراً وصلنا المحطة الصح.. ومن غير حمولة زيادة ملوثة بالغل.
عملت إرسال، وقفلت الموبايل، وأخدت إيد تيتا وطلعنا على الطيارة عشان نحقق حلم جدي، وإحنا عارفين إن اللي فات مات، واللي جاي كله حق وعدل.
الرحلة في إسبانيا كانت زي الحلم.
لفيت مع تيتا في كل شبر في مدريد، مشينا في الشوارع اللي جدي كان بيحكيلها عنها، وأكلنا في المطاعم القديمة، وشوفت ضحكتها اللي كانت غايبة من سنين وهي بتفتكر ذكرياتهم سوا. المرة دي، الفلوس مكنتش مجرد أرقام في البنك، دي كانت الأداة اللي رجعت لست غلبانة حقها وحريتها وقيمتها وسط الدنيا.
لما رجعنا، كانت تيتا اتغيرت تماماً؛ صحتها ردت، ونظرة الانكسار اللي في عينيها اختفت وبقت ست قوية ومقبلة على الحياة.
في يوم، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي في جنينة بيتها المتجدد، الباب خبط.
فتحت، لقيت ولد شاب واقف، متبهدل وهدومه دبلانة. مكنش حد غريب، ده كان ليام، ابن عمي اللي كان زمان بينزل صوره بالعربيات والساعات الغالية على إنستجرام ويقعد يتمنظر علينا.
بصلي بكسرة وقال بصوت واطي أهلاً يا ناتالي.. أنا بس.. كنت عايز أشوف تيتا.
سندت على الباب وقلت له ببرود عايز إيه يا ليام؟ جاي تاخد جوابات البنك أنت كمان؟
وشه جاب ألوان وقال لأ والله.. إحنا حالنا اتقلب خالص. بابا وماما اطلقوا بعد ما
البيت اتقفل والشركة أفلست، وبابا دلوقتي عايش في أوضة فوق السطوح وصحته تعبت جداً ومش قادر على مصاريف العلاج. أنا بشتغل شغلانتين عشان أعرف أدفع إيجار مكاني وإيجار مكانه.. وجاي بس أترجى تيتا تسامحه، أو حتى تساعده ب أي حاجة لوجه الله.
قبل ما أرد عليه وأطرده، سمعت صوت تيتا من ورايا سيبه يدخل يا ناتالي.
دخل ليام وجري قعد تحت رجليها وبدأ يعيط ويطلب السماح لأبوه. تيتا بصت له ب هدوء شديد، مكنش فيه في عينيها غل، ولا كان فيه برضه الشفقة الساذجة بتاعة زمان.
قالت له ب نبرة حاسمة يا ليام، أنا سامحت ريموند بيني وبين ربنا عشان مش عايزة أقابل ربنا وفي قلبي ذرة كره لحد من لحمي. بس المسامحة حاجة، وإني أرجع أثق فيكم أو أدخلكم حياتي تاني حاجة تانية خالص. الفلوس اللي مع ناتالي دي شقا عمري، ومفيش سنت واحد هيطلع منها للراجل اللي رماني في المطار وقال عليا عبء.
ليام بكي وقال بس هو بيموت يا تيتا..
تيتا كملت كلامها أنا مش قاسية، وميرضينيش حد يموت من الجوع. ناتالي هتكلف محامي يشوف مستشفى حكومي كويس يتعالج فيه على نفقة الدولة، وهنطلع له قرشين بسيطين من باب الإنسانية يدوب يكفوا أكله وشربه الأساسي.. بس من غير ما أشوف وشه، ومن غير ما حد فيكم يخطى عتبة البيت ده تاني. أنت شابة وقادر، انزل اشتغل واصرف على أبوك، زي ما أنا اشتغلت وشقيت عشان أصرف عليه زمان.
ليام فهم إن دي أخر طاقة فرج ممكن تتفتح لهم، وطأطأ راسه وشكرها ومشي وهو عارف إن العز اللي عاشوا فيه من سرقة الست دي بح خلاص، ومبقاش ليهم عندها غير الصدقة.
بعد ما مشي، تيتا بصت لي وابتسمت وقالت كده حسابات الدنيا صِفيت يا ناتالي.. ومبقاش عليا جمايل لحد.
بست راسها وقلت لها أنتِ سيد الناس يا تيتا.
دلوقتي، وأنا قاعدة بكتب السطور الأخيرة دي من مكتب المحاسبة الجنائية بتاعي، ببص على صورتي أنا وتيتا في مدريد المحطوطة على مكتبي. القضية دي علمتني إن شغلي مش مجرد أرقام في دفاتر، ده سلاح ل حماية الغلابة من طمع أقرب الناس ليهم.
أبويا افتكر إن السن ضعف، وإن الفلوس بتشتري كل حاجة، ونسي إن الدايرة بتدور، وإن الحمول الزيادة والوسخة في الحياة هما الناس اللي بتبيع أهلها عشان قرشين.. والحمد لله، الحمولة دي اترميت في الزبالة، وإحنا اللي كملنا الرحلة.
مرت السنين، وتيتا عاشت أحسن أيام حياتها. كانت كل يوم الصبح تصحى تسقي الزرع في الجنينة، وتعمل قهوتها، وتقعد تقرأ رواياتها المفضلة وهي بالها مرتاح، مفيش في حياتها بني آدم خاين ولا نظرة طمع.
أنا كملت في شغلي، وبقيت معروفة في مجالي أكتر، وكل ما كانت تجيلي قضية فيها حد مستضعف أو غلبان اتنصب عليه، كنت بشتغل فيها بقلبي وروحي قبل عقلي، كأني بجيب حق تيتا في كل قضية جديدة.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت تيتا قاعدة في الصالة ومشغلة التلفزيون، وبتبصلي بابتسامة هادية أوي. قعدت جنبها وبست إيدها مالك يا قمر، سرحانة في إيه؟
قالت لي بصوت دافي مليان رضا عارفة يا ناتالي؟ أنا النهاردة حلمت بجدك. كان واقف مستنيني في نفس الشارع اللي مشينا فيه في مدريد، وكان لابس بدلة بيضاء وبيضحك لي. لأول مرة من سنين أحس إنني مش خايفة من حاجة، وإنني عملت كل اللي عليا في الدنيا دي.
قلبي انقبض شوية بس ابتسمت وقلت لها ربنا يخليكِ ليا يا تيتا وتعيشي وتفتكريه دايماً.
تاني يوم الصبح، دخلت أوضتها عشان أصحّيها كالعادة.. بس تيتا مكنتش نايمة نومتها العادية. كانت ميتة وهي مبتسمة، وشها كان منور وزي الملاك، وماتت في سريرها ببيتها المعزز المكرم، من غير قهر ولا ذل ولا مستشفيات.
جنازة تيتا كانت هادية وجميلة، وممشيش فيها غير الناس اللي بيحبوها بجد، جيرانها الغلابة وأصحابه القدامى. أبويا وعيلته معتبوش الجنازة، مكنش ليهم عين يظهروا، وخوفهم من نظرات الناس ومني كان أكبر من أي حاجة.
بعد العُزا بأسبوع، طلبني المحامي بتاع تيتا في مكتبه عشان إجراءات الوصية.
لما رحت، المحامي ابتسم وطلع ورق رسمي مكتوب بخط إيد تيتا، وقالي الست إيلين سابت وصية واضحة وموثقة من سنتين.
الوصية كانت بتقول
كل ما أملك من أموال وعقارات يؤول ل حفيدتي الغالية وسندي في الدنيا، ناتالي كروفورد. هي الوحيدة اللي صانت لحمي وكرمت شيبتي. وأوصي بتخصيص ثلث الثروة لعمل مؤسسة خيرية باسمي وباسم زوجي الراحل، لمساعدة كبار السن الذين تعرضوا للإهمال أو العقوق من أبنائهم، عشان مفيش أم أو أب في الدنيا يحسوا بالكسرة اللي أنا حسيتها في المطار.
دموعي نزلت وأنا بقرأ كلامها. حتى وهي مش موجودة، سابت وراها خير ينور الدنيا.
نفذت وصيتها بالحرف. البيت الصغير بتاعها حولته لمقر للمؤسسة الخيرية، وبقيت أشرف عليها بنفسي بجانب شغلي.
وفي يوم، وأنا براجع أوراق الحالات المتقدمة للمؤسسة عشان نوفر لهم رعاية، عيني وقعت على اسم مكنتش متوقعة أشوفه.. طلب مساعدة ل راجل مسن، مريض وفاقد الأهلية، ومفيش حد راضي يرعاه بعد ما طردته طليقته وأولاده سابوه. الراجل ده كان ريموند كروفورد.. أبويا.
الموظفة قالت لي ب تردد يا فندم، الحالة دي صعبة جداً، والاسم.. الاسم كروفورد، نرفضه؟
بصيت ل صورة تيتا اللي حطاها ورا مكتبي، واقترحت عليا حكمتها وطيبتها. أخدت
نفس طويل وقلت للموظفة لأ، اقبليه. احنا بنساعد أي حد محتاج من غير ما نبص لتاريخه.. بس هيتعامل زي أي حالة تانية، رعاية طبية وأكل وشرب أساسي في دار مسنين تابعة لينا، وممنوع يعرف مين أصحاب المؤسسة.
قفلت الملف وبصيت للسما.
الدنيا دارت ودمرت اللي ظلم، ورفعت اللي صان. أبويا عاش ومات وهو بياكل من خير الست اللي قال لها في يوم أنتِ عبء، بس من غير ما يشوف وشها ولا ينول رضاها.
أما أنا.. ف عشت حياتي وأنا راسي مرفوعة، شايلة اسم تيتا إيلين ك وسام على صدري، وعارفة إن الحكاية من أولها لآخرها كانت تدبير ربنا، عشان يثبت للدنيا كلها إن الحق ممكن يتأخر.. بس عمره ما بيموت.
السنوات مرت، والمؤسسة كبرت وبقت ملاذ لكل مسن مكسور أو منسي في الدنيا. كنت كل ما أدخل المكان وأشوف ضحكة على وش راجل عجوز أو دعوة من ست غلبانة، أحس إن روح تيتا إيلين لسه عايشة وسطنا وبترفرف بالمكان.
أبويا قَضى آخر أيامه في الدار التابعة للمؤسسة. الممرضين كانوا دايماً بيقولوا لي إنه بقا هادي جداً، وبيقضي الساعات يبص للشباك وهو ساكت، كأنه مستني حد يجي يزوره. . بس محدش جه. مراته السابقة وولاده
مبقوش يسألوا عنه ولا يعرفوا طريقه أصلاً، ونال نفس الكأس اللي حاول يسقيه لأمه؛ اتنسى وبقى لوحده.
في ليلة شتا باردة، جالي تليفون من الدار يبلغوني إن أبويا بيموت، وإنه بقاله يومين بيخرف باسم إيلين وبيطلب يشوفها.
نزلت ورحت الدار. دخلت الأوضة ب هدوء، لقيته نايم على السرير، وشه كان دبلان وعجز جداً، ومبقاش فيه أي أثر للراجل المتكبر البجح بتاع زمان. أول ما حس بحركتي، فتح عينه
بالعافية.
بصلي ونطق بصوت حشرجة ضعيف أوي ناتالي.. أنتِ جيتي؟
وقفت بعيد شوية وقلت له أيوة يا بابا.
دمعة نزلت من عينه وقال أنا عارف إن المكان ده بتاعك.. وعارف إن اللقمة والدوا اللي عشت عليهم أخر كام
سنة كانوا من خير أمي.. ومن خيرك. أنا آسف يا بنتي.. أنا ضيعت كل حاجة.. ضيعت أمي وضيعت نفسي.
مقدرتش أكون قاسية مع بني آدم بيموت، بس مكنش ينفع أقول له مسامحاك نيابة عن تيتا. قعدت على الكرسي اللي جنب السرير وقلت له ب هدوء أنا مش شايلة منك حاجة يا بابا، وتيتا قبل ما تموت قالت إنها مسامحاك بينها وبين ربنا. ريح بالك، وادعي ربنا يقبل توبتك.
هز راسه بضعف، وفضل باصص لسقف الأوضة وهو بيتنفس ب صعوبة، لحد ما أنفاسه هديت تماماً.. وخرجت روحه للّي خلقها.
مات ريموند كروفورد، وماتت معاه أخر صفحة من صفحات الوجع والخيانة في حياتي. دفنته وعملت له جنازة تليق ب إنسانيتنا إحنا، مش ب قسوته هو.
بعد ما كل حاجة خلصت، رحت قعدت في البيت الصغير بتاع بورتلاند. الدنيا كانت هسس والهدوء مالي المكان. دخلت أوضة تيتا، فتحت الدولاب وطلعت الألبوم القديم بتاع العيلة.
قعدت أقلب في الصور.. شوفت صورته وهو طفل صغير وهي حتضانة وبتضحك، وصورته وهو شاب في تخرجه وهي واقفة جنبه بعبايتها البسيطة وعينها مليانة فخر بيه. دموعي نزلت مش حزناً عليه، لكن حزناً على الإنسانية اللي ممكن تضيع من البني آدم لما الطمع يعمي عينه وقلبه.
قفلت الألبوم وخرجت للجنينة. الهوا كان نضيف، والشمس كانت طالعة دافية وجميلة. بصيت للسما وابتسمت وقلت خلاص يا تيتا.. الحكاية قفلت صفحاتها كلها بالعدل. نامي وارتاحي.
النهاردة، أنا ببدأ مرحلة جديدة من حياتي. أخدت قرار إني أنقل نشاط المؤسسة وأفتح فروع جديدة في بلاد تانية، عشان الخير ده يوصل لأكبر عدد ممكن.
عرفت وتأكدت إن الوجع بيعلم، وإن الصدمات بتصنع مننا بني آدمين أقوى. والفلوس اللي سابتها تيتا مكنتش مجرد ثروة، دي كانت رسالة من ربنا إن الحق دايماً بيلف ويرجع لأصحابه، وإن اللي بيزرع قسوة وعقوق مش بيحصد في الآخر غير الندم والوحدة.. أما اللي بيزرع حب وسند، ف بيفضل أثره عايش حتى بعد ما يموت.
دي كانت حكايتي مع تيتا إيلين.. حكاية بدأت ب تذكرة طيران اتقطعت في المطار، وانتهت ب رحلة عمر طويلة، مشينا فيها على حق، ووصلنا في الآخر لبر الأمان.. من غير أي حمولة زيادة.