وقفت امام القاضي حكايات محمد نور

 

## القصة الكاملة: شرف في وجه الخيانة

### الجزء الأول — الشهادة

اسمي **سارة الفارس**.

تعلّمتُ أنَّ أشدّ الطعنات إيلاماً لا تأتي من الغرباء… بل تتلقاها ممّن يعرفون تماماً أين يغرسون الخنجر.

الكذبة الأولى التي تفوهت بها أمي سرقت من عمري اثني عشر عاماً.

أما كذبتها الثانية، فكانت مصممة لهدم كل ما تبقى لي في هذه الحياة.

شهدت أمي، **سعاد الفارس**، بثقة واعتزاز من منصة الشهود قائلة: “ابنتي لم تكن يوماً جندية في الجيش. لقد نسجت القصة بأكملها من مخيلتها… الأوسمة، والندوب، وحكايات المعارك—كلها مجرد خيال.”

سرت همهمة بين الحضور في قاعة المحكمة.

لم أتحرك شبرًا.

مال محاميّ ونحوي ودمدم بصوت خفيض:

“سارة… مهما حدث، لا تصدري أي ردة فعل.”

أجبت بثبات: “لن أفعل.”

تفرّس في وجهي للحظة ثم قال: “هذا بالذات ما يقلقني.”

على الجهة الأخرى من القاعة، كان أخي الأصغر، **زياد**، يخفي ابتسامة تشفٍّ خلف يديه المتقاطعتين.

كان يظن أن مخططه يسير على قدم وساق بلا شائبة.

بدأت الق\ضية بنزاع على شركة والدي الراحل، **”مؤسسة الفارس للأنظمة الدفاعية”**، وهي شركة للتقنيات العسكرية قَضى عقوداً في بنائها.

كانت وصيته صريحة؛ إذ سمّاني الوصية على تركته والممتلكة لحصة السيطرة فيها.

ولكن، بعد ثلاثة أيام فقط من دفنه…

ظهر زياد فجأة ومعه نسخة مدّعى أنها أحدث للوصية، تنصّ على أن كل شيء قد آل إليه هو.

وحين طعنتُ في صحة تلك الوصية، تصاعدت حدة الاتهامات.

ادعى أنني زوّرتُ خدمتي العسكرية…

واخترقتُ مهامَّ قتالية خلف الحدود…

وزوّرتُ سجلات حكومية…

واستغلت أوسمة وهمية لأتلاعب بوالدنا كي يغيّر وصيته لصالحي.

وفي غمضة عين، لم أعد أقاتل لمجرد استرداد إرثي… بل أصبحتُ أواجه تهمًا جنائية خطيرة:

**الاحتيال.**

**التزوير.**

**وتزييف وثائق رسمية للدولة.**

مشى المدعي العام نحو هيئة المحلفين وهو يحمل صندوقاً خشبياً مصقولاً.

وداخله يستريح **وسام الشجاعة**، و**وسام الجرحى**، ورقعة وحدتي العسكرية المسوَدّة التي حملتها معي من تلك المهمة التي كادت تودي بحياتي.

ألقت أمي نظرة خاطفة عليها قبل أن تهز كتفيها بلا أبالية:

“يمكن لأي شخص شراء هذه الأوسمة عبر الإنترنت.”

تبادل عدد من أعضاء الهيئة نظرات مريبة، وكأنني أقرأ أفكارهم:

*إنها مدعية… لقد ظلت تكذب لسنوات.*

أسفل سترتي، كان أثر الندبة الطويلة امتداداً على أضلاعي ينبض بألم لن أنساه ما حييت.

وللحظة خاطفة…

لاشت قاعة المحكمة من أمامي.

سمعتُ صليل شفرات المروحيات وهي تشق ظلام الليل…

واستنشقتُ رائحة الدخان والمعدن المحترق…

وكان الدم يغمر زِيّي العسكري.

تذكرتُ كيف سحبني القائد **محمود السعدي** وسط أنقاض الخرسانة والحيّط المنهارة بينما كان رصاص الأعداء ينهال علينا من كل صوب.

كل ندبة في جسدي نلتُها بشرف… وكل وسام يحمل في طياته ذكراً لن تمحى.

لكنني لم أكن أستطيع شرح أي من ذلك.

فالمهمة لا تزال تصنف تحت بند “سرّي للغاية”، وسجلي العسكري ممهور بالختم الأسود لحماية الأمن القومي.

وكان زياد يدرك ذلك تماماً؛ ولهذا السبب بالذات بنى قضايانا كلها على معلومات يُحظر عليَّ قانوناً الفصح عنها.

لم تكن الحقيقة تملك حجة للدفاع عني… ليس بعد.

قبل أن يخطف السرطان أنفاس والدي الأخيرة، شدّ على يدي بقوة ما تبقى لديه من رمق، وهمس:

“إنهم يهربون الأموال عبر شركات وهمية… احمي الشركة… ولكن لا تكشفي أمر وحدتكِ العسكرية.”

أجبته: “أعدك بذلك.”

ولم أخلف وعدي قط.

وقف محامي والدي الراحل ومواجهًا أمي:

“سيدة سعاد، هل سبق لبنتك أن خدمت في القوات المسلحة خارج البلاد؟”

“لا.”

“هل خدمت في الجيش يوماً واحداً؟”

“ولا حتى يوماً واحداً.”

ثم التفتت ونظرت إليّ مباشرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة نصر بطيئة.

كانت تعتقد أنها حاصرتني في زاوية لا مخرج منها.

أطرتُ رأسي قليلاً، وكتفتُ يديّ على طاولة الدفاع، ثم ألقيتُ نظرة خاطفة على ساعة القاعة.

**الساعة 11:47 صباحاً.**

لم تتسارع نبضات قلبي إطلاقاً.

لاحظ محاميّ هدوئي المريب فدمدم: “سارة… علامَ تنتظرين؟”

ودون أن أزيح بصري عن عقارب الساعة، أجبتُ بصوت هادئ ومستقر:

“الإذن.”

قَطَب حاجبيه مستغرباً: “إذن بخصوص ماذا؟”

لاحت على شفتي ابتسامة خفيفة وأنا أردف:

“بعد ثلاث عشرة دقيقة… ستُرفع السرية عن السجلات التي ظلت مجمدة لسنوات، وتصبح متاحة للعلن.”

وفي تلك اللحظة بالذات…

بدأت أبواب القاعة الثقيلة تتفتح ببطء.

التفتت كل الرؤوس نحو المدخل.

وكل ما ظنّت عائلتي أنها دفنته تحت التراب… كان على وشك أن يخطو داخل القاعة.

### الجزء الثاني — انغلاق الدوائر وفتح الأبواب

فُتحت أبواب المحكمة في تمام الظهيرة… ليس بإنذارٍ درامي، بل بحفيف الخشب العتيق ووقعات أقدام ثابتة لأشخاص يعرفون قيمة القانون والدقة أكثر من المظاهر.

التفتت كل الرؤوس.

تلاشت ابتسامة أمي أولاً… ثم تبعتها ابتسامة زياد.

دَخَل ثلاثة أشخاص: امرأة ترتدي بذلة كحليّة وتحمل مظروفاً حكومياً مختوماً بالختم الأحمر، وعقيد شائب الشعر بزيه العسكري الرسمي، وخلفهما—يتوكأ على عصا وينظر بنظرته الثابتة ذاتها—كان القائد **محمود السعدي**.

لثانية واحدة، نسيتُ كيف أتأثث بالهواء وأتنفس.

محمود على قيد الحياة!

كانت آخر مرة رأيته فيها مسطّحاً على نقالة تحت أضواء طوارئ ساطعة، يطلب مني أن أظل مستيقظة بينما كان الأطباء يحاولون إنقاذنا معاً. بعد ذلك، اختفت سجلاته خلف الجدار السري ذاته الذي حجب سجلاتي. كتبتُ رسائل لم أرسلها قط، وبحثتُ في قواعد بيانات لم تمنحني شيئاً.

والآن يقف هنا في قاعة المحكمة، أسنّ وأكثر نحولاً، لكنه حقيقي أمام عيني.

وقف محاميّ **مراد** ببطء.

قالت المرأة ذات البذلة الكحلية: “سيادة القاضي، اسمي **كارولين**، ممثلة وزارة الدفاع. نطلب الإذن بالاقتراب من المنصة.”

بدا القاضي متفاجئاً لكنه ظل ممسكاً بزمام الأمور: “في أي شأن؟”

“في شأن إثبات صحة الخدمة العسكرية للنقيب **سارة الفارس**، وقبول السجلات التي رُفعت عنها السرية حديثاً.”

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

سرت همهمة عارمة في قاعة الحضور.

اعتدل الصحفيون في جلستهم.

ومال أعضاء هيئة المحلفين إلى الأمام.

ظلت أمي متجمدة في مقعد الشهود.

همس زياد لمحاميه، لكن المحامي اكتفى بهز رأسه، وعيناه مسمرتان على المظروف المختوم.

نظر إليّ مراد، وعلى وجهه صدمةٌ وارتياحٌ وسؤالٌ واحدٌ صامت.

أومأتُ له برأسي.

*نعم… هذا ما كنتُ أنتظره.*

### الجزء الثالث — رفع السرية

كانت قاعة المحكمة هادئة لدرجة أنك تستطيع سماع أزيز أجهزة التكييف.

خطت ممثلة وزارة الدفاع نحو منصة القاضي، ووضعت ملفاً ضخماً أصفر اللون ممهوراً بأختام حمراء رسمية.

وقالت بصوت جليّ يتردد في القاعة بثبات: “سيادة القاضي، أقرت وزارة الدفاع رسمياً المرسوم التنفيذي. وبناءً عليه، فإن جميع سجلات العمليات، وملفات التقدير، والتقييمات الطبية، وتقارير المعارك السرية الخاصة بالنقيب **سارة الفارس** والقائد **محمود السعدي** قد رُفعت عنها السرية وأصبحت وثائق رسمية متاحة للعلن.”

انخفض رأس المدعي العام ينظر إلى ملاحظاته، واختفت الألوان من وجهه. فتح فمه لكن لم تخرج منه كلمة. نظر عبر الممر إلى زياد، الذي كان يمسك بطاولة الدفاع بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.

تمتم زياد بصوت عالٍ التقطته الميكروفونات: “هذا مستحيل! لقد اشتروا هذه الوثائق… إنها مزورة، كل ما تملكه مزور!”

افتتح القاضي—وهو رجل حاد اللحظ قضى عقوداً في القضاء الفيدرالي—الملف ببطء. تجاوز خطابات وزارة الدفاع الرسمية والأختام الفيدرالية الحمراء، ليصل إلى تقارير المهمة المؤرخة قبل ثماني سنوات في المناطق الحدودية.

قرأ الصفحة الأولى في صمت تام… ثم الصفحة الثانية.

وعندما رفع عينيه أخيراً، تجاوز المدعي العام تماماً، ونظر مباشرة إلى أمي **سعاد**، التي كانت لا تزال تجلس متجمدة في صندوق الشهود.

قال القاضي بصوت انخفض نبرة ليصبح آمراً يفرض الطاعة المطلقة: “سيدة سعاد، لقد شهدتِ تحت القسم قبل أقل من عشر دقائق بأن ابنتكِ لم تخدم يوماً في القوات المسلحة، ولم تُنتدب للخارج، وأنها اختلقت كل ندبة ووسام تملكه.”

ابتلعت سعاد ريقها بصعوبة. انفرجت شفتاها لكن صوتها خذلها. أدارت عينها نحو زياد وكأنها تبحث عن طوق نجاة، لكن زياد كان يحدق بذهول في الأرض.

تعلثمت سعاد بصوت مرتجف: “لقد… لقد أخطأت. كان مجرد سوء فهم للتواريخ! كانت بعيدة بسبب الدراسة، و… وفقدنا التواصل—”

قاطعها القاضي بنبرة حازمة: “شهادة الزور أمام المحكمة ليست ‘سوء فهم’ يا سيدة سعاد.” ثم التفت إلى ممثلة وزارة الدفاع: “يمكنكِ استدعاء شاهدكِ الأول.”

أومأت كارولين برأسها والتفتت نحو القاعة: “تستدعي وزارة الدفاع القائد **محمود السعدي**.”

ارتفعت الهمهمة في القاعة مجدداً وبشكل أشد.

وقف محمود من على البنكت الخشبي. كان يمشي يعرج قليلاً متكئاً على عصاه، لكن كتفيه كانتا مشدودتين بكبرياء في زيه العسكري الرسمي. كانت الأوسمة تزيّن صدره—بما في ذلك وسام الشجاعة الذي حاز عليه معي، ووسام الجرحى الذي يحمله بوقار صامت.

مرّ بجانب زياد وأمي دون حتى أن يمنحهما نظرة واحدة. صعد إلى منصة الشهود، ووضع يده على المصحف، وأدى القسم بصوت قوي كأنما صُنع من حديد.

### الجزء الرابع — الشهادة

“القائد محمود، لغايات التوثيق في المحضر، يُرجى ذكر اسمك، ورتبتك، وعلاقتك بالنقيب سارة الفارس.”

أجاب القائد محمود وعيناه مثبتتان إلى الأمام بثبات: “القائد محمود السعدي، القوات المسلحة، متقاعد. كانت النقيب سارة الفارس ضابطي التنفيدي خلال عملية ‘الدرع الحديدي’. لقد أنقذت حياتي وحياة أربعة جنود آخرين أثناء كمين غادر تعرضنا له في الرابع عشر من نوفمبر.”

شخصت سعاد بصرها وانحبست أنفاسها في صندوق الشهود: “هذا كذب! لقد كانت محاسبة! كانت تعمل في مكاتب الإمداد والتموين!”

قاطعها القاضي بتحذير حاسم: “صمتاً يا سيدة سعاد!”

رفعت ممثلة وزارة الدفاع مستنداً من الملف وقالت: “سيادة القائد محمود، أعرض عليك الوثيقة (أ) الصادرة عن وزارة الدفاع—وهي النبذة الرسمية لمنح وسام الشجاعة للنقيب سارة الفارس. هل يمكنك إثبات صحتها؟”

عدّل محمود نظارته وألقى نظرة على الورقة: “نعم، أستطيع. لقد كتبتُ التوصية الأولى لمنحها هذا الوسام وأنا مستلقٍ على نقالة في مستشفى ميداني. سحبتني النقيب سارة من قلب آلية مدرعة تحترق وسط إطلاق نار كثيف ومباشر من العدو، وأمّنت منظومة الاتصالات، وإدارت الدعم الجوي حتى وصول الدعم وإخلائنا.”

ثم رفع رأسه، وتلاقت نظراته بنظرات أخي زياد.

وأضاف بصوت خفيض ونبرة صارمة: “إن الادعاء بإنها اختلقت خدمتها العسكرية ليس مجرد شهادة زور… بل هو إهانة وجرم في حق كل رجل وامرأة سالت دماؤهم على ذلك التراب.”

تغير الثقل العاطفي في القاعة بشكل حاد حتى كاد يُلمس في الهواء. أطرق العديد من أعضاء هيئة المحلفين رؤوسهم، واحمرت وجوههم خجلاً من السهولة التي انطلي بها عليهم كذب زياد وسعاد المنسّق.

تابعت ممثلة الدفاع بسلاسة: “والآن يا سيادة القائد، لننتقل إلى أمور أقرب إلى الداخل. هل أنت على دراية بـ ‘مؤسسة الفارس للأنظمة الدفاعية’؟”

أجاب محمود: “نعم. قبل تقاعدي وبعده، عملتُ كمستشار مستقل للوجستيات الدفاع. وعندما مرض المرحوم عبد الله الفارس—والد النقيب سارة—استعان بي لمراجعة الحسابات الداخلية للشركة لشكه في وجود اختلاسات مالية.”

قفز زياد من مقعده صارخاً: “اعتراض! هذه أقوال مرسلة وظنون! ليس لهذا أي علاقة بالخدمة العسكرية!”

لم يرفع القاضي عينيه حتى عن أوراقه، وقال بنبرة قاطعة: “مرفوض يا سيد زياد. اجلس قبل أن أأمر باحتجازك بتهمة ازدراء المحكمة.”

واصل محمود حديثه دون أن يطرف له جفن:

“اكتشف السيد عبد الله الفارس أن زياد وسعاد كانا يهربان ملايين الدنانير من مؤسسة الفارس عبر شبكة من الشركات الوهمية المسجلة في الخارج. ولقد اصطنعا الوصية المزورة، واختلقا اتهامات الادعاء الباطل بالبطولة، ورفعا هذه القضايا الجنائية الكاذبة ضد النقيب سارة تحديداً لتجريدها من سلطتها التنفيذية والتغطية على اختلاساتهما.”

ضجت قاعة المحكمة بالأصوات والهمهمات.

ضرب القاضي بمطرقة العدالة ثلاث مرات بقوة وحزم:

“النظام! الهدوء في القاعة، وإلا سأمر بإخلائها فوراً!”

### الجزء الخامس — كشف الأوراق والانهيار

وقف مراد، محاميّ، وهو يغلق أزرار سترته. مشى نحو طاولة الدفاع ووضع كومة ضخمة من السجلات المصرفية المعتمدة، وكشوفات الحسابات، وإيصالات التحويلات المالية.

أعلن مراد بنبرة واثقة: “سيادة القاضي، في ضوء رفع السرية عن السجلات الرسمية للنقيب سارة، وبناءً على شهادة القائد محمود، تطلب هيئة الدفاع إسقاط جميع التهم الموجهة إلى النقيب سارة الفارس نهائياً وبلا رجعة.”

ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أردف:

“علاوة على ذلك، ووفقاً لأحكام قانون مكافحة الاحتيال، نقدم تقرير المحاسبة الجنائية الذي يوضح تفاصيل اختلاس اثنين وأربعين مليون دينار من مؤسسة الفارس للأنظمة الدفاعية على يد زياد وسعاد، والتي حُوّلت مباشرة إلى حسابات شخصية وأصول عقارية باسميهما.”

نظر المدعي العام الذي يمثل الدولة إلى جبل الأدلة المالية الذي ألقاه مراد على الطاولة. أغلق ملفاته ببطء، ووضع أقلامه في حقيبته، ثم وقف قائلاً:

“سيادة القاضي، تطالب النيابة بسحب جميع التهم الموجهة ضد النقيب سارة. وفي ضوء الأدلة الجديدة المقدمة من وزارة الدفاع ودفاع المتهمة، نقرّ بأن ق\ضية النيابة بُنيت على وثائق مزورة قدمها المشتكون.”

تحول وجه زياد إلى لون أرجواني قاتم من شدة الغضب والصدمة. التفت إلى محاميه الخاص المقرب—الذي استأجره بأموال الشركة الاختلاسية—وأمسك بذراعه قائلاً بفزع:

“افعل شيئاً! أصلح هذا الأمر! قل للقاضي إنهم يكذبون!”

هز المحامي رأسه بأسى ببطء، وسحب أوراقه من قبضة زياد ووقف قائلاً: “سيادة القاضي، تعلن مؤسستنا انسحابها الرسمي من تمثيل السيد زياد فوراً.”

صرخ زياد والشرر يتطائر من عينيه، بعد أن تلاشت قشرة رجل الأعمال الأنيق والمغرور تماماً: “لا يمكنك فعل ذلك!” ثم التفت نحو القاضي موجهاً إصبعه المرتجفة نحوي: “لقد خططت لكل هذا! إنها هي من سرقت الشركة! إنها مجرمة!”

خلع القاضي نظارة القراءة ووضعها على منصته. ثم نظر إلى زياد بازدراء جليّ وقسوة:

“سيد زياد الفارس… لقد ارتكبت شهادة الزور في محكمة رسمية، وتآمرت لتعطيل سير العدالة، وقدمت محارير رسمية مزورة، وحاولت الاحتيال على بطلة متقاعدة لحرمانها من إرثها الشرعي.”

رفع القاضي مطرقته وأردف:

“إلغاء الكفالة فوراً. خذوه إلى الحجز.”

قبل أن يتمكن زياد من التراجع خطوة واحدة، تقدم اثنان من رجال الشرطة الفيدرالية من الأبواب الجانبية. لمعت الأغلال الفضية الثقيلة تحت أضواء القاعة. تخبط زياد وصرخ بينما كانوا يمسكون بذراعيه، لكن احتجاجه بلعه صوت صليل الحديد وهو يلتف حول معصميه.

وقفت أمي سعاد في صندوق الشهود، ووضعت يديها على وجهها وهي تطلق نشيجاً هستيرياً عالياً: “لا! لا، لا يمكنكم فعل هذا! أنا امرأة ذات مكانة رفيعة في المجتمع! زياد، افعل شيئاً!”

قال القاضي ببرود وهو يشير للشرطة: “سيدة سعاد… أنتِ لاحقة به أيضاً. تهمة الاشتراك في الاحتيال، وشهادة الزور، والاختلاس. لنرَ كيف ستحميكِ مكانتكِ الاجتماعية خلف القضبان.”

تقدم شرطي آخر نحو منصة الشهود، واقتاد أمي بثبات خارج مقعدها وهي تبكي بحرقة، بينما كانت قلادتها اللؤلؤية الثمينة تعكس الضوء لآخر مرة قبل أن تُساق خلف ابنها من الباب نفسه.

### الجزء السادس — ما بعد العاصفة

فرغت قاعة المحكمة في حركة فوضوية؛ صحفيون يهرعون نحو الهواتف، ومساعدون حقوقيون يجمعون ملفاتهم، والحضور يتهامسون بذهول.

وفي غضون عشر دقائق، خيم الهدوء التام على المكان.

لم يبقَ سوى مراد، وممثلة الدفاع كارولين، والقائد محمود، وأنا.

مشى محمود ببطء نحو طاولتنا وهو يتكئ على عصاه، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة ومتعبة:

“لقد أدرتِ الأمر ببراعة يا نقيب.”

وقفتُ ومددتُ يدي عبر الطاولة لأصافحه بقوة وثبات: “استغرق الأمر وقتاً طويلاً لنراك في هذه القاعة مجدداً يا سيادة القائد… أين كنت كل هذا الوقت؟”

أجاب محمود بضحكة مكتومة: “كنتُ أتماثل للشفاء في مستشفى عسكري تحت حراسة مشددة. لم يسمحوا لي بالمغادرة حتى أنهت وزارة الدفاع مراجعة العملية بأكملها الأسبوع الماضي. وما إن بلّغوني بفتح ملفكِ، حتى استقللتُ أول حافلة قادمة إلى هنا.”

أغلقت كارولين محفظتها الجلدية وقالت: “ستصدر وزارة الدفاع اعتذاراً رسمياً علنياً عن فرض السرية على سجلاتكِ يا نقيب سارة. ما حاولت عائلتكِ فعله كان استغلالاً صارخاً للقانون، والجهات الفيدرالية تتدخل الآن لاستعادة كل أصل وممتلك حاولوا سرقته.”

قلتُ لها معبرة عن امتناني: “شكراً لكِ يا كارولين.”

التفتت وغادرت القاعة، لأبقى أنا ومحمود ومراد تحت العلم الوطني المعلق خلف منصة القاضي.

تنهد مراد وهو يمرر يده في شعره الشائب: “حسناً… كان هذا أشبه بمعركة حقيقية لا مجرد محاكمة مدنية. ما هي خطوتكِ الأولى بصفتكِ المدير التنفيذي الوحيد لـ ‘مؤسسة الفارس’ يا سارة؟”

نظرتُ نحو النوافذ القوسية العالية في مقدمة المحكمة. في الخارج، كانت شمس الظهيرة تشق السحب الرمادية الثقيلة، لتلقي بفيض من الضوء الذهبي الدافئ على الدرج الحجري.

زررتُ سترتي وقلتُ بهدوء:

“أولاً… نعود إلى الشركة. سنراجع كل حساب لمسته يدا أخي، ونقيل كل مسؤول فاسد عيّنه، ونعيد مؤسسة والدي إلى المجد الذي أُنشئت من أجله.”

ابتسم مراد ابتسامة عارفة وسأل: “وثانياً؟”

التفتُّ إلى محمود ونظرتُ إلى أثر الندبة البارزة عند ياقته وقلت:

“ثانياً… نذهب في زيارة طال انتظارها إلى روضة الشهداء، لنترحم على أولئك الذين لم يعودوا معنا.”

أومأ محمود برأسه ببطء، وتلألأت عيناه بس\كينة وسلام اسْتُحِقّا بشرف.

“تفضلي أمامي يا نقيب… أنتِ القائد.”

خرجنا من القاعة معاً، وصدى خطواتنا يتردد جنباً إلى جنب في الممر الرخامي.

تلاشت الأكاذيب، واحترقت الاتهامات الباطلة وغدت رماداً. وأولئك الذين حاولوا بناء إمبراطوريتهم على صمتي وخدمتي، أضحوا يواجهون سقر أفعالهم.

إرث والدي بات في أمان، وشرفي العسكري أُعيد لي كاملاً. ولأول مرة منذ اثني عشر عاماً طويلة… مشيتُ تحت أشعة الشمس دون أن ألتفت خلفي.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *