حبيبيها السابق اتجوز اختها ليذلها
قصة شق في جدار الروح
الفصل الأول شق في جدار الروح
أحيانًا، لا تأتي الطعنات من الأعداء في ساحات المعارك، بل تولد داخل الغرف الدافئة، وتُصاغ بكلمات الأقربين. كانت الساعة تشير إلى العاشرة من صباح يوم الثلاثاء، والشمس تتسلل على استحياء من خلف ستائر الغرفة لتلقي بظلالها الباهتة على الفستان الأبيض المفرود فوق الفراش. ذلك الفستان الذي لم يكن مجرد قماش ودانتيل، بل كان كفنًا لحلم قديم طُوي قبل أن يولد. كانت منى تطبق أطرافه بهدوء قاتل، أصابعها ترتجف لكن وجهها كان كلوح من الثلج، حين طرقت والدتها الباب ودخلت دون استئذان. لم تنظر الأم في عيني ابنتها، بل وضعت ظرفًا ثقيلاً، أوف وايت، على حافة الفراش، واستدارت لتغادر وهي تقول بنبرة مصطنعة البرود هذا وصل الآن من مصلحة البريد.. زفاف أختك يارا الشهر القادم، وأتمنى ألا تثيري المشاكل في البيت.
انسحبت الأم، وبقيت منى وحدها مع الظرف الذي كانت تفوح منه رائحة عطر مألوف، عطر طارق. التقطت الظرف بأنامل متيبسة، فتحته لتجد الحروف الذهبية البارزة تتراقص أمام عينيها كشياطين صغيرة يسعدنا دعوتكم لحضور زفاف طارق ويسري ويارا…. غارت الكلمات في صدرها، وأحست بأن الأرض تميد تحت قدميها. طارق، الرجل الذي أمضت معه ثلاث سنوات من عمرها، خطيبها السابق الذي جثا على ركبته في ذلك المطعم الفاخر أمام العائلة كلها ليعدها بالحب الأبدي، يتزوج اليوم أختها الصغرى المدللة، يارا. يارا البنت التي لم تتحمل في حياتها مسؤولية واحدة، والتي طالما برعت في بكاء التماسيح لتنال ما تريد، نجحت هذه المرة في سرقة الرجل الذي ظنت منى أنه سندها في الحياة.
لم تكن الخيانة وليدة اليوم، بل بدأت خيوطها تُغزل في الخفاء
قبل ستة أشهر. تذكرت منى ذلك المساء الخريفي بدقة، حين اتصل بها طارق وطلب مقابلتها في كافيه راقٍ على أطراف المدينة. ذهبت إليه وهي تحمل إرهاق اثنتي عشرة ساعة من العمل المتواصل في مكتب الهندسة، يداها ملوثتان بحبر التصاميم، وعقلها محمل بحسابات الديون والأقساط التي كانت تدفعها معه لتأمين ثمن شقة المستقبل. جلس أمامها بنظرة باردة، عيناه تتهربان من النظر في عينيها، وقال بنبرة حاسمة كأن القرار قد اتُخذ في كواليس مظلمة منى.. أنا مش قادر أكمل العلاقة دي، إحنا لازم ننفصل.
نزلت الكلمات عليها كالصاعقة، لكنها لم تصرخ. نظرت إلى الخاتم اللامع في إصبعها وقالت بصوت متحشرج يعني إيه مش قادر تكمل؟ إيه اللي حصل بينا؟. تنفس طارق بضيق، وعبث بساعته الفاخرة قائلاً أنتِ اتغيرتي يا منى.. بقيتي مش الست اللي أنا محتاجها في حياتي. دايمًا مرهقة، مضغوطة، كلامك كله عن الشغل والفلوس والأقساط. الراجل محتاج ست تديله طاقة وحيوية، ست تكون مبهجة وتعرف إزاي تحتويه وتنسيه تعب الدنيا. ضحكت منى بمرارة داخلية وقالت أنا بشتغل ليل نهار عشان نوفر الفلوس سوا، عشان نبني البيت اللي أنت نفسك طلبت يكون شيك!. رد ببرود قاتل أختك يارا مختلفة.. عندها طاقة وحيوية أكتر، وبتعرف تكون جنب راجل زيي وتفهمه من غير ضغط. في تلك اللحظة، لم تسكب منى العصير في وجهه، ولم تبكِ؛ بل خلعت الخاتم، وضعته على الطاولة، وغادرت وهي تشعر بقيد ثقيل يتحطم من حول معصمها، دون أن تدري أن الطعنة الأكبر كانت تنتظرها في منزل عائلتها.
الفصل الثاني غرباء تحت سقف واحد
عندما عادت منى إلى البيت في تلك الليلة المشؤومة، كانت تظن أنها ستجد في أحضان عائلتها الملاذ والدرع الواقي. لكنها وجدت محاكمة صامتة بانتظارها. كانت يارا تجلس في الصالة، واضعة رأسها على ركبتي والدتها وتبكي بوعيد مصطنع، بينما كان الأب يجلس في زاوية الغرفة، مطأطئ الرأس، يعبث بسبحته ودون أن يرفع عينه ليرى ابنته الكبرى التي تمزق قلبها. تقدمت الأم نحو منى، ولم تكن نبرتها تحمل أي مواساة، بل كانت مليئة بالأمر والرجاء القاسي بصي يا منى.. الموضوع حصل وخلاص، وهما حبوا بعض. طارق قال إنه ملقاش راحته معاكي ولقاها مع يارا. أكيد الموضوع مؤلم ليكي، بس أنتِ طول عمرك قوية ومسؤولة. أرجوكي ما تعمليش مشاكل في البيت، وما تبوظيش فرحة أختك الصغرى عشان زعل عابر. يارا حساسة ومش هتتحمل غضبك.
نظرت منى إلى والدها، تنتظر منه كلمة حق، أو صرخة أب يحمي ابنته التي غُدر بها. لكن الأب اكتفى بتنهيدة ثقيلة وقال بصوت خافت يا بنتي.. النصيب غلاب، والبيوت أسرار، وإحنا مش عايزين فضايح قدام الناس في العيلة. في تلك اللحظة، أدركت منى أن الأصل والطيبة والتضحية التي عاشت تقدمها لعائلتها طوال سنوات شبابها قد تحولت في أعينهم إلى فرض عين لا ثمن له، وأن يارا، بدلالها وأنانيتها، هي الملكة المتوجة في هذا البيت. من ذلك اليوم، تحولت منى إلى شبح يعيش وسطهم؛ لا أحد يحدثها، ولا أحد يسألها عن مشاعرها، كانوا يمرون بجانبها في الرواق كأنها جدار أصم، بينما كانت تحضيرات الزفاف تجري على قدم وساق في الغرفة المجاورة، وصوت ضحكات يارا وهي تختار أثاث بيتها الجديد مع طارق يمزق صمت لياليها.
امتدت الشهور الستة كدهر كامل من العذاب الصامت. كانت منى تنزوي في عملها، تطحن نفسها في الرسوم والمخططات الهندسية لتهرب من جحيم البيت. كانت ترى يارا تدخل المنزل محملة بأكياس الهدايا الفاخرة التي يشتريها لها طارق، وتعمد الأخت الصغرى إلى استعراض تلك الهدايا أمام منى بنظرات انتصار خبيثة بصي يا منى.. طارق اشترالي العقد ده، قال إنه ملقاش حد يليق بيه العقد ده غيري، كانت الكلمات تقطر سماً، لكن منى كانت تلوذ بالصمت ببرود مهندس يعرف أن البناء المائل لا بد أن يسقط يوماً. لكن صدور دعوة الفرح الرسمية، ووصولها إلى غرفتها بتلك الطريقة الفجة، كان بمثابة المطرقة التي حطمت آخر لوح زجاجي في كبرياءها. لم تعد قادرة على البقاء في ذلك البيت المتواطئ ولو لدقيقة واحدة أخرى.
الفصل الثالث ملجأ الليل وضجيج الخيانة
في ليلة صدور الدعوة، وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، حزمت منى حقيبتها الصغيرة، وارتدت فستانًا أسود بسيطًا وضيقًا، لم تضع أي مساحيق تجميل، بل تركت عينيها المحاطتين بهالات التعب والغضب تتحدثان عن انكسارها. خرجت من البيت دون أن تستأذن من أحد، وتوجهت نحو وسط المدينة، حيث الأضواء الصاخبة تبتلع هموم البائسين. قادتها قدماها إلى فندق الميريديان الضخم، ودخلت البار الملحق به، حيث كانت الأجواء تغرق في موسيقى الجاز الهادئة ورائحة السجائر الغالية والخمور. جلست على مقعد خشبي مرتفع أمام المنصة، وطلبت كأسًا من النبيذ الأحمر، وهي تحاول جاهدة أن تحبس دموعها التي كادت تفضح كبرياءها أمام الغرباء.
بينما كانت تتأمل الكأس وتدور بأفكارها في حلقة مفرغة من التساؤلات حول ذنبها في هذه الحياة، اقترب منها رجل في أواخر الثلاثينيات، كان يبدو عليه أثر السكر الواضح، يرتدي بدلة غير مهندمة وبيده كأس نصف فارغ. نظر إليها بابتسامة لئيمة، وكان من الواضح أنه أحد معارف عائلتها أو أصدقاء طارق الذين يعلمون بتفاصيل الفضيحة. وقف بجانبها وقال بنبرة صوت
لمحة نيوز
مرتفعة تعمد أن تسمعها الطاولات المجاورة أوه! الباشمهندسة منى هنا لوحدها؟ مش غريبة تكوني قاعدة في بار في الوقت اللي أختك يارا بتجهز فيه لفرحها على طارق؟ بصراحة يا منى.. دي إهانة كبيرة جداً في حقك، حتى أختك الصغيرة سبقتك وعرفت تاخد الراجل منك، يبدو إنك فعلاً نكدية ومالكيش في الحب زي ما طارق بيقول للناس كلها في النادي!.
تجمدت الدموع في عيني منى، وتحولت فجأة إلى كتلة من الجمر الحارق. ضغطت بأصابعها على الكأس الزجاجي بقوة حتى كاد ينكسر في يدها، وشعرت برغبة عارمة في الصراخ أو ضرب هذا المعتوه، لكن لسانها شُل من شدة الصدمة والإحراج أمام نظرات الفضول التي بدأت تتوجه نحوها من بقية رواد البار. وبينما كانت تجمع شتات نفسها لتغادر المكان وتنهي هذه المهزلة، شق القاعة صوت رجولي عميق، قوي، ويحمل في طياته نبرة من السلطة المطلقة التي تجعل القلوب ترتجف خوفاً. قال الصوت ببرود مرعب قول الجملة دي تاني كده.. وشوف نفسك هتخرج من المكان ده على رجلك ولا في عربية إسعاف.
الفصل الرابع ظهور الأسد الغامض
في ثانية واحدة، ساد صمت مطلق في أرجاء البار. توقفت الموسيقى كأنها خضعت للأمر، وتجمد الرجل السكران في مكانه، وشحب وجهه فجأة وتطاير منه أثر الخمر وكأنه صُب عليه ماء ثلجي. استدارت منى ببطء، ورفعت عينيها المجهدتين لترى صاحب الصوت الذي ألجم القاعة. كان يقف خلف الرجل بقامة فارعة البنيان، يرتدي بدلة سوداء مصممة خصيصًا في إيطاليا، قميصه الأبيض ناصع وتحته ربطة عنق سوداء، ملامحه كانت حادة كالسيف، وعيناه السواداوان تشعان بنظرة غامضة وقاسية تجبر أي شخص على طأطأة رأسه. لم يكن هذا الرجل شخصًا عاديًا؛ بل كان مراد الألفي.
مراد الألفي، رجل الأعمال الغامض الذي تتردد سيرته في صالونات السياسة والاقتصاد كالإعصار. رجل لا يجرؤ أحد على ذكر اسمه إلا باحترام ممزوج بالرعب؛ تدور حوله إشاعات كثيرة عن نفوذه الواسع وعلاقاته بأجهزة الدولة الحيوية، وعن قسوته بتدمير أي منافس يحاول الوقوف في طريقه. نظر مراد إلى الرجل السكران بنظرة احتقار، ثم أشار بإصبعه لرجلي أمن ضخام يرتدون بدلات سوداء كانوا يقفون عند المدخل. في لمح البصر، تقدم الأمن وسحبوا الرجل من ياقته بصمت ودون جلبة إلى الخارج، كأنه لم يكن موجوداً.
التفت مراد نحو منى، وتغيرت ملامحه القاسية إلى هدوء وقور. اقترب منها بخطوات هادئة تفوح منها رائحة عطر العود الملكي الثمين، ومد يده الطويلة ذات الساعات الفاخرة ليمسك بيدها المرتجفة برفق. سحب مقعدًا وجلس بجانبها، ونظر في عينيها وقال بنبرة صوت منخفضة لكنها تحمل وزناً كبيراً أنتِ هتروحي الفرح ده يا منى. نظرت إليه باستغراب ودهشة، وحاولت سحب يدها قائلة بنبرة حادة لتخفي ارتباكها وأنت مالك؟ أنت تعرفني منين أصلاً عشان تتدخل في حياتي وتديني أوامر؟. ابتسم مراد ابتسامة خفيفة، ظهرت على أطراف شفتيه كالبرق، وقال أنا أعرف عنك أكتر ملي تعرفيه عن نفسك يا باشمهندسة.. وأعرف إنك مش هتدخلي الفرح ده لوحدك. سكت لحظة، وتلاقت عيناه بعينيها في نظرة طويلة حبست أنفاسها، ثم كمل أنا هكون معاكي.. وماسك إيدك. وهخلي كل شخص حاول يقلل منك أو يكسر قلبك، يندم طول عمره إنه فكر يعمل كده. اللعبة لسه بادية يا منى، والملك مش بيسيب حقه.
الفصل الخامس حلف النوايا المظلمة
بقيت منى متسمرة في مقعدها، وعقلها يحاول استيعاب ما يحدث. مراد الألفي، الرجل الذي يسمع عنه الجميع في نشرات الأخبار وصفحات الحوادث الاقتصادية كإمبراطور لا يرحم، يجلس بجانبها ويعرض عليها تحالفًا للانتقام. سألته بصوت خافت بعد أن هدأت عاصفة رعبها ليه؟ إيه مصلحتك في إنك تساعد بنت غريبة سابها خطيبها؟ مراد الألفي مش بيعمل حاجة لله وللوطن زي ما كل الناس عارفة. ضحك مراد بصوت منخفض، وطلب من النادل كأساً من الماء، ثم التفت إليها وقال ذكية.. وده اللي يعجبني فيكي. مصلحتي بسيطة جداً؛ طارق خطيبك السابق، وعمه اللي بيشغله في شركته، حاولوا يدخلوا في مناقصة تابعة ليا وحاولوا يلعبوا من ورا ظهري بأساليب رخيصة. طارق ده مجرد أداة تافهة، وأنا بحب أكسر الأدوات اللي بتطاول على ممتلكاتي. وجودي معاكي في الفرح هيضرب عصفورين بحجر واحد هيرد ليكي كرامتك ويكسر مناخير عائلتك اللي ظلمتك، وهيخلي طارق وعمه يعرفوا إنهم بقوا في مواجهة مباشرة مع الإعصار.
نظرت منى إلى الأوراق المفرودة في عقلها. كانت تعلم أن قبول عرض مراد يعني الدخول إلى عش الدبابير، واللعب مع الكبار الذين لا يرحمون. لكنها عندما تذكرت وجه يارا المتشفي، ووجه طارق البارد، ووالدتها التي طلبت منها الاختفاء كالشبح، شعرت بقوة غريبة تدب في عروقها. قالت وعيناها تشعان ببريق الغضب أنا موافقة يا مراد بيه.. بس بشرط، أنا مش عايزة مجرد شو منظرة في الفرح. أنا عايزة كسر حقيقي، عايزة أخرج من الفرح ده وأنا رافعة راسي وهم تحت رجليا. لمعت عينا مراد بإعجاب شديد، وضغط على يدها قائلاً اتفقنا يا باشمهندسة.. من الليلة دي، أنتِ في حماية مراد الألفي. اجهزي، لأن التحضير لليلة التطهير هيبدأ من بكره الصبح.
وفي صباح اليوم التالي، بدأت الخطة الفذة تتجلى. لم تذهب منى إلى مكتبها المعتاد، بل استقبلت عند باب بيتها سيارة مرسيدس سوداء مصفحة، أرسلها مراد لنقلها إلى أكبر وأشهر أتيلييه لتصميم أزياء الهوت كوتور في العاصمة. كانت المصممة العالمية بانتظارها بناءً على تعليمات مراد الشخصية أهلاً بكِ يا باشمهندسة.. الألفي بيه طلب مننا نصمم ليكي فستان مش هتشوفه مصر كلها قبل كده. فستان يعلن عن ولادة ملكة جديدة، قالت المصممة بترحيب شديد. بدأت القياسات واختيار الأقمشة، وتم الاستقرار على فستان من الحرير الطبيعي الأسود المرصع بالألماس الحر عند الصدر والظهر، فستان يعكس الحزن الذي تحول إلى انتقام، والقوة التي ولدت من رحم الانكسار.
الفصل السادس كواليس الخوف في بيت العائلة
في الجانب الآخر من المدينة، وداخل منزل عائلة منى، كانت الأجواء تغرق في تجهيزات الزفاف السطحية. كانت يارا تتنقل بين الغرف كالفراشة، تتصل بصديقاتها وتتفاخر بقاعة الفندق الفاخرة التي حجزها طارق بمساعدة عمه رجل الأعمال. كانت الأم تتابع العمال وهم ينقلون حقائب يارا إلى شقتها الجديدة، بينما كان طارق يجلس في الصالة، يتحدث مع عمه في الهاتف بنبرة قلقة يا عمي.. أنا سمعت إن مراد الألفي سحب مننا أوراق المناقصة الجديدة في الميناء، هل ده صحيح؟. رد العم بصوت خائف ومضطرب عبر الهاتف أيوه يا طارق.. الألفي تدميره سريع، وإحنا مش عارفين إيه اللي زعله مننا أو مين اللي وصله معلومات عن شغلنا. حاول تركز في فرحك دلوقتي، وبعد الفرح هنشوف إزاي نصلح الموضوع معاه، المواجهة مع مراد الألفي تعني إفلاسنا بالكامل.
قفل طارق الهاتف وهو يشعر بغصة في حلقه، لكنه حاول تجاهل الأمر عندما اقتربت منه يارا بدلالها المعتاد قائلة حبيبي.. أنت شوفت أختك منى؟ بقالها يومين بتخرج من الصبح ومبتتكلمش مع حد، وشكلها مش مهتمة بالفرح أصلاً. أنا
خايفة تيجي الفرح وتعمل لينا فضيحة بنكدها المعتاد أمام الناس. ضحك طارق بلؤم، وقبل يدها قائلاً سيبك منها يا روحي.. منى دي خلاص كارت وانحرق، هي بتموت من الغيرة لأنها شافت إنك أخدتي مني كل الحب اللي هي معرفتش تحافظ عليه بنكدها وشغلها. يوم الفرح هتشوفنا وإحنا في قمة المجد، وهتندم على كل يوم ضيعته في الحسابات الخايبة.
لم يكن طارق ولا يارا يعلمان أن الكارت المحروق كان يعيد صياغة قواعد اللعبة بالكامل في مكاتب مراد الألفي. كان مراد يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس، وأمامه ملفات كاملة تحتوي على تقارير مالية وقانونية تخص شركة عم طارق، ومخالفات بناء جسيمة في العقارات التي يشرف عليها طارق نفسه بصفته مهندسًا في الحي. نظر مراد إلى سكرتيره الخاص وقال بابتسامة باردة جهز أوراق الحجز الإداري، والتقارير الهندسية للمخالفات. أريد أن تكون الأوراق جاهزة للتقديم في تمام الساعة الحادية عشرة من ليلة الزفاف.. في نفس اللحظة التي سأدخل فيها القاعة ممسكًا بيد منى. أريد أن يتلقى طارق وعمه هدية زواجهما وهي مغلفة بحكم المحكمة بالإغلاق والإفلاس.
الفصل السابع ليلة الاشتعال والصدمة الأولى
وجاءت ليلة الزفاف الموعودة. كانت القاعة الملكية في فندق الماس الفاخر تلألأ بأضواء الكريستال، والحضور من كبار الشخصيات، المهندسين، ورجال الأعمال يملأون المكان. كانت يارا تبدو كعروس تقليدية في فستانها الأبيض المنفوش، وتتنقل بزهو بجانب طارق الذي كان يرتدي بدلة التوكسيدو السوداء ويحاول إخفاء توتره المالي خلف ابتساماته المصطنعة أمام الكاميرات. كانت الأم والأب يقفان عند المدخل، يستقبلان التبريكات من المعازيم بفخر أعمى، والكل يتساءل بهمس خبيث أين منى؟ كيف لم تحضر زفاف أختها على خطيبها السابق؟ هل انكسرت إلى هذا الحد؟.
وفي تمام الساعة العاشرة والنصف مساءً، وبينما كانت الموسيقى تصدح بأغنية الرقصة الأولى للعروسين، توقفت حافلة سوداء فخمة من طراز رولز رويس أمام بوابة الفندق الرئيسية. فتح السائق الباب، ونزل منها مراد الألفي بكامل هيبته الطاغية، واستدار ليقدم يده بوقور عظيم لرفيقته. نزلت منى من السيارة، وكانت بمثابة إعصار من الجمال الأسود والقوة المفرطة. فستانها الحريري الأسود كان يلمع ببريق الألماس الحر مع كل خطوة، شعرها الأسود الطويل مرفوع بكبرياء ملكي، وعيناها تشعان بثقة ويقين لم يره أحد فيها من قبل.
أمسك مراد بيد منى، ووضع يدها داخل ذراعه، وتحركا معًا نحو قاعة الاحتال بخطوات ثابتة ونظامية كالملوك. بمجرد أن فُتحت الأبواب الضخمة للقاعة، ودخل المذيع الداخلي ليقول بصوت مرتبك عبر مكبرات الصوت بعد أن رأى الضيف غير المتوقع يرحب الفندق بحضور رجل الأعمال الكبير.. السيد مراد الألفي وبصحبة الباشمهندسة منى يسري. في ثانية واحدة، انقطعت الموسيقى تمامًا، وتوقفت الهمسات، وتجمدت الأنفاس في الصدور. التفتت مئات الوجوه نحو البوابة، لتسود حالة من الذهول المطلق والخرس الكامل الذي لف القاعة بأكملها.
الفصل الثامن الخرس الكامل وسقوط العروش الصغيرة
كانت الصدمة أكبر من أن تتحملها عقول الحاضرين. طارق، الذي كان يمسك بيد يارا في منتصف ساحة الرقص، تلاشت الابتسامة من على وجهه تمامًا، وشحب لونه كالموتى، وسقطت باقة الورد من يد يارا وهي تنظر بعيون متسعة من الغيظ والرعب إلى أختها منى، التي كانت تمشي بثقة وتحدٍ لم تحلم به يارا يوماً. أما الأم والأب عند المدخل، فقد تجمدت الدماء في عروقهما؛ لم يصدقوا أن ابنتهم المطرودة والمهمشة تعود الليلة ممسكة بيد الرجل الذي يرتجف لذكر اسمه كبار رجال الدولة، الرجل الذي يتمنى والد طارق وعمه فقط المرور بجانب مكتبه لإلقاء التحية.
مشى مراد مع منى بخطوات هادئة وسط القاعة الصامتة كالمقابر، والكل يفسح لهما الطريق برعب واحترام مفرط. توجه مراد مباشرة نحو الطاولة الرئيسية حيث يجلس عم طارق وكبار الشخصيات. وقف العم فورًا من مقعده، وجسده يرتجف بعنف، ومد يده بانحناء واضح قائلاً بصوت متلعثم مراد بيه! أهلاً وسهلاً يا فندم.. دي خطوة عزيزة جداً ومفاجأة مش قادرين نصدقها! حضرتك نورت الفرح ونورت عيلتنا متواضعة السمعة. لم يمد مراد يده ليصافحه، بل نظر إليه ببرود قارس، وقال بصوت عميق سمعه كل من حول الطاولة أنا مش جاي عشانك ولا عشان عيلتك التافهة يا صاوي.. أنا جاي هنا بصفة شخصية، لمرافقة مَلِكتي الباشمهندسة منى، وشريكي الجديد في كافة مشروعاتي الهندسية القادمة.
التفتت منى نحو أختها يارا وطارق، اللذين اقتربا من الطاولة بخطوات متعثرة والذعر يملأ عيونهما. نظرت منى في عيني طارق بابتسامة باردة متهكمة وقالت بنبرة صوت واضحة مبروك يا طارق.. مبروك يا يارا. أتمنى تكون الفرحة كاملة زي ما كنتم بتخططوا، وتكون الحيوية والطاقة المبهجة اللي دورت عليها يا طارق، كفاية عشان تسندك في الأيام اللي جاية.. لأن الأيام اللي جاية هتكون سودا جداً على دماغك ودماغ عيلتك. ارتبك طارق وتلعثم قائلاً منى.. أنتِ إيه اللي جابك هنا مع مراد بيه؟ وإيه الكلام اللي بتقوليه ده؟. في تلك اللحظة المحددة، تقدم السكرتير الخاص لمراد الألفي، ووضع حقيبة جلدية سوداء على الطاولة أمام عم طارق وطارق نفسه، إيذاناً ببدء الفصل الأخير من معركة التطهير.
الفصل التاسع هدية الزفاف الملغومة
فتح السكرتير الحقيبة، وأخرج منها حافظة أوراق رسمية تحمل شعار المحكمة الاقتصادية ووزارة الإسكان، وحطها بقوة أمام عم طارق. قال مراد الألفي ببرود قاتل وهو ينظر إلى ساعته الفاخرة الساعة دلوقتي حداشر بالليل.. وبناءً على التقارير الهندسية الرسمية اللي قدمتها الباشمهندسة منى للوزارة بصفتها خبيرة معتمدة، وبناءً على الديون والمخالفات الجسيمة اللي تلاعبتم فيها في مناقصة الميناء؛ صدر الآن حكم قضائي نهائي بالحجز الإداري على كافة ممتلكات شركة الصاوي للمقاولات، وإغلاق كافة المواقع الهندسية اللي بيشرف عليها طارق بتهمة التزوير الفني والفساد الإداري. رخصتكم اتلغت يا صاوي.. وشركتكم أعلنت إفلاسها رسميًا من دقيقة واحدة.
سقط عم طارق على مقعده وهو يمسك بصدره، ويكاد يصاب بسكتة قلبية من هول الصدمة وضياع ثروة العائلة في لمح البصر. صرخ طارق بذعر ونحيب وسط المعازيم الذين بدأوا يتهامسون بصدمة وفضيحة اجتاحت القاعة مراد بيه! أرجوك بلاش خراب بيوت! أنا ماليش ذنب في شغل عمي! منى.. أرجوكي ارحمينا وسامحيني، أنا كنت غبي، اطلبي من مراد بيه يسحب الأوراق!. بكت يارا بانهيار حقيقي، وفستانها الأبيض تلطخ بدموع الندم والخوف بعد أن أدركت أن الرجل الذي سرقته لتذل به أختها، قد تحول في ثوانٍ إلى رجل مفلس وملاحق قضائيًا وسيجر عائلتها كلها إلى القاع والفقر.
تقدمت الأم والأب نحو منى بخطوات متوسلة، ووجه الأم انقلب ألواناً من الخج والندم، وقالت بصوت باكٍ يا منى يا بنتي.. دي أختك الصغيرة، وده جوزها، بلاش تخربي فرحتنا وتفضحينا قدام الناس، إحنا أهل ولحمك ودمك!. نظرت منى إلى والدتها بعينين صلبتين كالحديد وقالت بصوت ناصع الكبرياء أهلي؟ لحمي ودمي؟ فين كان لحمي ودمي لما سبتوني أموت من الوجع في البيت وطلبتوا مني أكون شبح عشان ما أبوظش فرحة الست يارا؟ فين كان دمكم لما طارق سحب فلوسي وشقا عمري ورماني وقال
الباب يفوت جمل؟ الأصول اللي ددستوا عليها برجليكم، رجعت النهارده عشان تكسر رقابكم بقوة القانون ونفوذ مراد الألفي. الفرح خلص يا أمي.. والفضيلة بتبدأ دلوقتي.
الفصل العاشر بزوغ الفجر الجديد
لم تنتظر منى رداً من أحد، ولم تلتفت لدموع يارا أو توسلات طارق الذليلة التي كانت تملأ أرجاء القاعة الملكية بعد أن انفض الحفل وتحول إلى مأتم اقتصادي وأخلاقي لعائلة الصاوي. استدارت منى بكل شموخ، ووضعت يدها داخل ذراع مراد الألفي الذي كان ينظر إليها بفخر عظيم وإعجاب لم يخفه عن العيون. تحركا معاً نحو مخرج القاعة بخطوات واثقة ونظامية، والكاميرات تلاحقهما بالفلاشات لتسجيل اللحظة التاريخية التي تكسر فيها امرأة مظلومة عروش المال والنفاق بضربة واحدة ذكية.
خرجت منى من الفندق، ونظرت إلى السماء الصافية ونسمات الليل الباردة تداعب وجهها. أحست بحرية مطلقة تنبض في صدرها، وبأن جدار الحزن القديم قد انهار تمامًا ولم يترك خلفه سوى الغبار. التفتت نحو مراد وقالت بابتسامة حقيقية تخرج من قلبها لأول مرة شكراً يا مراد.. شكراً لأنك كنت السند اللي ظهر في الوقت الصح عشان يوريهم قيمة الشرفاء. نظر مراد في عينيها وقال بنبرة دافئة وصادقة أنا مأعملتش حاجة يا منى.. أنتِ اللي كنتِ قوية وذكية، وأنا مجرد درع ساند كبريائك. اللعبة انتهت معاهم.. وبدأت حكايتنا إحنا في عالم البناء والقمة اللي تليق بيكي.
وفي عام 2026، تبدلت الخرائط تماماً؛ تحول برج الألفي الهندسي إلى أكبر صرح معماري في البلاد، وتولت رئاسته التنفيذية الشريكة الرسمية والمهندسة العبقرية منى يسري، التي أصبح اسمها يتردد في كافة المحافل الدولية كرمز للإرادة والنجاح النسائي العصامي. أما طارق ويارا وعائلتهما، فقد غرقوا في ديون المحاكم والقضايا، وعاشوا في عزلة وافتقار يلاحقهم خزي الخيانة والغدر، شاهدين من بعيد على صعود الملكة التي ظنوا يوماً أنهم قادرون على كسرها، لتثبت الأيام أن الشمس مهما طال غيابها خلف غيوم الظلم.. فإنها تشرق دائمًا لتنير دروب الأوفياء وتطهر الأرض من دنس الخائنين بالحق والقانون.