غسيل الندم بقلم منال علي ٢
الـبـاب كـان بـيـتـهـز بـخـبـطـات عـاقـلـة بـس تـقـيـلـة.. خـبـطـات عـارفـة صـاحـبـهـا وعـارفـة إن الـلـي جـوا مـش هـيـقـدر يـطـنّـش. بقلم منــال عــلي
أمـي جـريـت تـفـتـح الـبـاب وهـي بـتـعـدّل طـرحـتـهـا، وأول مـا فـتـحـت، شـهـقـت شـهـقـة طـلـعـت مـن قـاع صـدرهـا:
— أخـويـا.. الـحـاج صـلاح! يـا مـرحـب يـا خـويـا.. تـعـالَ يـا كـبـيـرنـا شـوف الـبـنـت الـلـي جـايـبـة لـنـا الـمـحـامـيـيـن عـالـصـبـح وعـايـزة تـخـرب الـبـيـت!
دخـل الـحـاج صـلاح.. عـمّـي كـبـيـر الـعـيـلـة، والـراجل الـلـي كـلـمـتـه مـبـتـنـزلـش الأرض فـي عـيـلـتـنـا كـلـهـا. كـان سـانـد عـلـى عـصـايـتـه الأبـنـوس، لابـس جـلابـيـتـه الـصـعـيـدي الـمـتـكـلـفـة، وعـيـنـيـه الـتـقـيـلـة بـتـلـمـح كـل حـاجـة فـي الـصـالـة مـن نـظـرة واحـدة.. لـمـح الـمـحـامـي، ولـمـح الـورق، ولـمـح عـيـنـيـا الـلـي كـانـت مـكـسـورة والـدمـوع مـحـبـوسـة فـيـهـا.بقلم منــال عــلي
أمـي كـانـت فـاكـرة إن داسـت عـلـى الـمـفـتـاح الـلـي هـيـنـقـذنـا.. كـانـت فـاكـرة إن كـبـيـر الـعـيـلـة جـي يـحـط الـسـيـف عـلـى رقـبـة أسـمـاء ويـقـول لـهـا “الـحـريـم عـنـدنـا مـبـتـلـويـش دراع رجـالـتـهـا”.
بـص عـمّـي صـلاح لـلأسـتـاذ مـصـطـفـى الـمـحـامـي، ووقـف قـصـاد الـطـربـيـزة. الـمـحـامـي وقـف احـتـرامـاً لـسـنّـه ووقـاره. عـمّـي مـبـصـلـيـش أنـا فـي الأول.. بـص لأسـمـاء، وبـطـيـبـة لـمـحـتـهـا فـي عـيـنـيـه الـلـي اتـمـلـت حـزن، قـال لـهـا بـصـوت رخـيـم:بقلم منــال عــلي
— كـدة يـا بـنـتـي؟ كـدة تـتـفـقـي مـع الأسـتـاذ وتـرتـبـي كـل ده مـن ورايـا؟ هـو أنـا مـكـنـتـش فـي مـقـام أبـوكِ الـلـي مـات يـرحـمـه؟
أسـمـاء نـزلـت راسـهـا الأرض، والـجـبـروت الـلـي كـان مـلّـكـهـا مـن شـويـة اتـهـز قـصـاد احـتـرام عـمّـي. قـالـت بـصـوت مـخـنـوق:بقلم منــال عــلي
— يـا حـاج صـلاح.. الـلـه يـعـلـم مـقـامـك عـنـدي.. بـس ابـن أخـوك مـسـابـلـيـش مـقـام ولا كـرامـة لـحـد مـا خـلانـي أغـسـل طـشـت الـذل بـإيـدي الـبـارح وهـو قـاعـد يـتـفـرج وبـيـقـول لـي “بـعـلّـمـك الأصـول”.
تـلـفـت عـمّـي صـلاح لـيّـا.. ونـظـرتـه اتـحـوِّلـت لـشـرار كـان مـمـكـن يـحـرقـنـي مـكـانـي. خـبـط عـصـايـتـه فـي الأرض خـبـطـة هـزت الـنـيـش الـلـي فـي الـصـالـة:
— يـعـنـي كـل الـلـي حـكـتـهـولـي الـمـدام فـي الـتـلـيـفـون الـفـجـر يـا ابـن الـمـرحـوم أخـويـا كـان صـح؟ يـعـنـي عـامـل لـي فـيـهـا راجـل وسـبـع الـرجـال عـلـى حـرمـة جـايـة مـن شـيـفـت أربـع تـاشـر سـاعـة فـي طـوارئ الـمـسـتـشـفـى؟ بـتـغـسّـلـهـا الـمـلايـات والـمـسّـاحـات عـلـى إيـديـهـا والـغـسـالـة جـوّه بـايـظـة عـشـان تـوفّـر الـقـرشـيـن تـنـزل تـشـرب بـيـهـم شـيـشـة عـالـقـهـوة؟بقلم منــال عــلي
أمـي اتـدخـلـت والـشـرر طـايـر مـن عـيـنـيـهـا:
— يـا خـويـا جـرى إيـه! دي مـراتـه.. والـواجب واجـب! هـي الـنـسـوان كـبـرت عـلـى الـطـشـوت لـمـا تـشـتـغـل وتـجـيـب لـنـا الـمـلـيـم؟
عـمّـي بـص لأمـي بـكـل قـسـوة وقـال لـهـا:بقلم منــال عــلي
— اسـكـتـي يـا أم طـارق.. اسـكـتـي أنـتِ الـلـي خـربـتـي الـبـيـت بـالـنـعـرة الـكـدابـة بـتـاعـتـك.. أنـتِ كـنـتِ تـغـسـلـي فـي الـطـشـت لـمـا الـدنـيـا كـانـت كـلـهـا بـتـغـسـل فـي الـطـشـوت، ولـمـا أخـويـا الـمـرحـوم كـان صـابـعـه يـتـجـرح كـنـتِ تـقـعـدي تـبـكـي جـمـبـه.. بـس أخـويـا عـمـره مـا قـال لـك لـمـا تـرجـعـي تـعـبـانـة مـن غـيـط أو مـن مـصـلـحـة “اخـدمـيـنـي ذل”.. الـرجـولـة مـتـعـلـمـتـهـاش لابـنـك لـيـه يـا خـسـارة تـربـيـتـك؟
الـحـاج صـلاح قـعـد عـلـى الـكـرسـي بـتـقـل كـأنه بـيـحـكـم فـي جـلـسـة عـرب، وبـص لـلـورق.. سـحـب قـلـم مـن جـيـب جـلابـيـتـه وقـال:بقلم منــال عــلي
— أنـا الـلـي هـمـضـي شـاهـد عـلـى الـعـقـد ده يـا أسـتـاذ مـصـطـفـى.. أنـا كـبـيـر الـعـيـلـة، والـبـيـت الـلـي مـفـيـهـوش اصـول لـلـحـرمـة ولا يـصـون عـرضـه، مـيـلـزمـنـاش إنـه يـفـضـل مـفـتـوح.. طـارق مـيـسـتـاهـلـش ضـفـر أسـمـاء الـلـي كـانـت بـتـداري عـلـيـه خـيـبـتـه وفـقـره والـقـروض الـلـي مـسـتـفـة عـلـيـه ولـولا سـكـوتـهـا كـان زمـانـه مـسـجـون مـن سـنـة فـاتـت.بقلم منــال عــلي
أنـا لـمـا سـمـعـت عـمّـي بـيـقـول كـدة، نـزلـت عـلـى ركـبـي فـي الأرض.. كـأن الـسـقـف هـبـط عـلـى نـفـوخـي فـجـأة. الـخـطـة مـكـانـتـش بـس إيـصـالات أمانـة وعـربـيـة وشـقـة.. الـخـطـة كـانـت إن حـتـى ضـهـري الـلـي كـنـت بـتـسـنّـد عـلـيـه، عـمّـي الـلـي كـنـت فـاكـر إنـه هـيـنـصـرنـي بـقـوانـيـن الـعـائـلـة.. كـان هـو الـمـهـنـدس الـلـي غـطّـى لأسـمـاء خـطـوتـهـا عـشـان تـقـطـع رقـبـتـي فـي الـمـحـكـمـة لـو نـطـقـت بـحـرف.بقلم منــال عــلي
الـسـكـوت نـزل عـلـى الـصـالـة تـقـيـل زي لـيـل الـشـتـا. الأسـتـاذ مـصـطـفـى كـان بـيـرص الـورق فـي الـشـنـطـة وبـيـقـفـل الـقـفـل الـنـحـاس بـتـاعـه بـتـكّـة كـأنـهـا طـلـقـة فـي قـلـبـي.
أسـمـاء بـدأت تـتـحـرك فـي الـشـقـة بـخـطـوات هـاديـة. كـانـت مـحـضّـرة كـرتـونـتـيـن كـبـار فـي الـمـمـر بـتـاع الـأوض.. كـرتـونـتـيـن كـان فـيـهـم لـبـسـهـا، كـتـبـهـا، الـمـوجـات الـصـوتـيـة بـتـاعـت الـحـمـل الـلـي نـزل مـن سـنـتـيـن بـسـبـب الـنـزول والـطـلـوع والـمـشـقـة، ودفـاتـر الـقـسـاط الـلـي سـددتـهـا مـن جـيـبـهـا عـشـان نـعـيـش فـي الـمـسـتـوى الـلـي كـنـت بـتـبـاهـى بـيـه قـصـاد أصـحـابـي فـي الـمـصـلـحـة.
وقـفـت قـصـادهـا ونـفـسـي مـكـسـور: بقلم منــال عــلي
— لـلدرجـة دي يـا أسـمـاء؟ كـل ده كـان فـي قـلـبـك ومـقـلـتـيـش؟ كـنـتِ بـتـخـطـطـي لـخـراب بـيـتـنـا مـن إمـتـى؟
الـتـفـتـت لـيّـا، وبـصّـتـلـي بـنـفـس الـنـظـرة الـفـاضـيـة الـلـي نـزّلـت الـرعـب فـي جـسـمـي الـبـارح فـي الـمـنـور:
— خـراب بـيـتـنـا؟ هـو الـبـيـت ده كـان فـيـه بـيـت أصـلاً يـا طـارق؟ الـبـيـت الـلـي يـكـون فـيـه الـراجل كـانـه غـول مـسـتـنـي الـغـلـطـة، والأم فـيـه بـتـغـذي فـيـه الإسـاءة كـأنـهـا عـبـادة.. ده مـيـبـقـاش بـيـت.. ده يـبـقـى لـومـان.. سـجـن.. وأسـمـاء طـلـعـت بـراءة بـحـكـم مـن نـفـسـهـا بقلم منــال عــلي
قـعـدت عـلـى طـرف الـكـنـبـة وبـدأت تـحـكـي لـعـمّـي صـلاح، وكـل كـلـمـة كـانـت مـشـرط بـيـشـرّح فـي جـلـد كـبـريـائـي:
— يـا حـاج صـلاح.. مـن أول سـنـة جـواز، لـمـا جـيـت مـن شـغـلـي الإضـافـي تـعـبـانـة ومـعـايـا جـنـيـهـات زيـادة لـجـيـبـه، لـقـيـتـه قـاعـد مـع أصـحـابـه، ولـمـا طـلـبـت مـنـه يـسـاعـدنـي نـطـلّـع أنـبـوبـة الـبـوتـجـاز، قـال لـهـم الـجـمـلـة الـلـي عـمـري مـا هـنـسـاهـا: “سـيـبـوهـا تـشـيـل.. ده ضـهـر الـنـسـوان مـبـيـتـفـردش غـيـر بـالـثـقـل”. مـشـيـت واسـتـحـمـلـت.. قـلـت بـكـرة يـتـغـيـر.. بـكـرة لـمـا يـشـوف إخـلاصـي يـعـرف قـيـمـتـي.
وعـمّـي بـيـهـز راسـه والـدمـع بـيـتـرعـش فـي تـجـاعـيـد وشـه.. كـمّـلـت أسـمـاء:بقلم منــال عــلي
— ولـمـا حـمـلـت فـي الـولـد.. سـقـطـت وأنـا بـجـرّ جـردل الـمـيـة عـشـان أمـه كـانـت طـالـبـة تـمـسـح الـسـلّـم بـتـاع الـبـيـت كـلـه فـي تـلـت طـوابـع وهـو قـاعـد بـيـتـفـرّج عـلـى الـمـتـش.. ولـمـا جـيـت مـن الـمـسـتـشـفـى نـازفـة ونـفـسـيـتـي فـي الـأرض، أمـه قـالـت لـي “الـسـت الـلـي تـنـزل ضـنـاهـا مـن جـردل مـيـة مـتـبـقـاش حـرمـة نـاشـفـة.. شـدي حـيـلـك وقـومـي عـمـلـي لـجـوزك لـقـمـة يـاكـلـهـا”. عـمـلـت الـلـقـمـة ودمـي كـان بـيـسـيـل بـيـن رجـلـيـا يـا حـاج صـلاح.. عـمـلـتـهـا وأنـا بـسـتـغـفـر وبـقـول لـنـفـسـي “الـبـيـت يـعـيـش”.
بـصـت لـيّـا وهـي بـتـبـكـي لأول مـرة.. بـس دمـوع مـش ضـعـف.. دمـوع خـلاص:بقلم منــال عــلي
— بـس الـبـارح.. لـمـا شـوفـت كـبـايـة الـشـاي بـلـبـن والـمـعـلـقـة بـتـتـقـلّـب وهـو بـيـقـول لـي “اغـسـلـي الـمـسّـاحـات وطـشـتـيـن الـمـهـانـة”.. حـسـيـت إن ربـنـا بـيـقـول لـي “كـفـايـة”.. الـلـي مـبـيـصـونـش الـأصـيـلـة الـلـي مـعـاه، حـرام يـفـضـل فـي د نـيـتـهـا. فـي الـسـاعـات الـلـي كـنـت بـدعـك فـيـهـا هـدومـك، كـنـت بـكـلـم الأسـتـاذ مـصـطـفـى وبـرتّـب مـع الـحـاج صـلاح كـل خـطـوة.. كـنـت بـغـسـل وسـخـكـم مـن حـيـاتـي عـشـان نـشـرت هـدومـي عـلـى نـضـافـة.
أمـي كـانـت واقـفـة جـنـب الـنـيـش، كـلـمـات أسـمـاء كـانـت زي الـحـجـارة الـلـي نـزلـت عـلـى نـفـخـتـهـا الـكـدابـة. كـانـت بـتـحـاول تـلاقـي أي كـلـمـة تـدافع بـيـهـا عـن نـفـسـهـا، بـس حـتـى الـمـعـلـقـة بـتـاعـت الـشـاي كـانـت سـكـتـت فـي كـبـايـتـهـا.
الـحـاج صـلاح وقـف وسـنـد عـلـى عـصـايـتـه:بقلم منــال عــلي
— يـلا يـا بـنـتـي.. الـعـربـيـة بـتـاعـت الـنـقـل مـسـتـنـيـة تـحـت.. هـتـأخـدي عـفـشـك وجـهـازك كـلـه.. والـشـقـة دي لـو طـارق أو أمـه حـطّـوا فـيـهـا جـلابـيـة مـن بـكـرة، إيـصـالات الـأمـانـة مـتـقـدمـة فـي مـحـكـمـة جـنـايـت شـبـرا الـخـيـمـة وجـلـسـتـه الـأولـى تـحـبـسـه تـلات سـنـيـن بـلـمـح الـبـصـر.
الـمـحـامـي مـد لـيّـا الـقـلـم تـانـي:بقلم منــال عــلي
— كـمّـل بـاقـي الـتـوقـيـعـات يـا أسـتـاذ طـارق عـلـى عـقـد الـإخـلاء الـإداري لـلـشـقـة.. مـتـخـلّـيـنـاش نـغـيّـر الـهـدوء الـلـي بـدأنـا بـيـه لـشـقـا ومـحـاكـم.
مـضـيـت.. كـنـت بـمـضـي وإيـدي بـتـتـرعـش كـأنـي كـتـبـت بـإيـدي الـعـريـضـة الـلـي بـتـشـهـد عـلـى نـهـايـتـي كـمـواطـن مـحـتـرم وكـزوج.. الـورق كـان بـيـبـلـع كـل الـكـبـريـاء الـلـي نـفـخـتـنـي بـيـه أمـي عـلـى مـدار تـلـت سـنـيـن جـواز.
بـدأ الـعـمـال يـدخـلـوا.. صـوت طـرقـعـة شـيـل الـمـوبـيـلـيـا فـي الـصـالـة كـان كـأنه صـدوع فـي عـظـم جـسـمـي. الـتـلـفـزيـون الـلـي كـنـت بـقـعـد قـصـاده، الـنـيـش بـتـاع أمـي الـلـي كـانـت بـتـحـمـيـه زي حـراس الـمـعـابـد، والـسـفـرة الـلـي عـلـيـهـا الـمـفـرش الـمـمـيـز.. كـل حـاجـة كـانـت بـتـتـفـكـك جـزء ورا جـزء، جـزيـئـات حـيـاتـي الـقـديـمـة كـانـت بـتـتـنـهـي وبـتـتـشـحـن فـي عـربـيـة الـنـقـل لـحـسـاب أسـمـاء فـي بـيـت عـمّـي صـلاح.
قـبـل مـا تـعـدّي عـتـبـة الـبـاب.. وقـفـت أسـمـاء وبـصـت لـلـمـنـور لـآخـر مـرّة، والـتـفـتـت لـأمـي وقـالـت:بقلم منــال عــلي
— الـغـسـالـة صـنـايـعـيـهـا بـرّة الـبـاب هـيـخـش يـقـفـل الـخـرطـوم.. والـطـشـوت سـبـتـهـالـك يـا طـنـط مـهـديـة، عـشـان لـمـا تـشـتـهـي طـعـم الـأصـول بـتـاع زمـان، تـقـعـدي تـغـسـلـي فـيـهـا خـيـبـة ابـنـك الـلـي عـمـلـتـيـه بـإيـديـكِ!
مـشـيـت.. وقـفـلـت الـبـاب وراهـا.. قـفـلـت الـبـاب قـفـلـة مـش بـس هـزّت الـحـيـطـان.. دي قـفـلـت فـصـل كـامـل مـن الـعـمـر مـش هـيـرجـع تـانـي.
الـبـيـت فـضـي كـلـه.. مـبـقـاش فـيـه غـيـر جـدران عـريـانـة مـتـعـلّـم عـلـيـهـا مـطـرح الـدوالـيـب والـسـرايـر والـكـرا سـي. كـأنـنـا كـنـا سـاكـنـيـن فـي بـيـت لـلـأشـبـاح. الـأرض كـان عـلـيـهـا بـقـايـا كـرتـون وفـتـل مـن حـبـال الـتـحـزيـم وتـراب كـان مـسـتـخـبـي تـحـت الـعـفـش الـثـقـيـل.
أمـي قـعـدت عـلـى الـأرض، جـلابـيـتـهـا الـمـنـقـشـة لـمّـت الـتـراب، وكـبـايـة الـشـاي بـلـبـن كـانـت مـرمـيـة عـلـى جـنـب وفـيـهـا عـفـر.. نـفـخـتـهـا كـانـت اتـهـدت بـالـكـامـل، وصـوتـهـا بـقـى زي فـحـيـح ضـعـيـف:
— تـنـازل؟ مـضـيـت عـلـى الـتـنـازل يـا طـارق؟ كـدة يـا ابـنـي تـرمـيـنـا فـي الـشـارع عـشـان حـتـة بـت مـمـرّضـة كـانـت مـتـطـولـش تـلـبـس لـبـسـهـا وتـقـعـد فـي بـيـت ابـن الـمـرحـوم؟
بـصـت لـهـا بـكـل الـغـل الـلـي فـي الـدنـيـا يـا صـديـقـي.. صـر خـت فـيـهـا لأول مـرة فـي حـيـاتـي كـأنـي بـطـرد صـوت الـتـلـقـيـن الـلـي كـان بـيـخـرب فـي عـقـلـي مـن سـنـيـن:
— اسـكـتـي بـقـى! اسـكـتـي خـلاص! ضـيّـعـتـيـنـي وضـيّـعـتـي الـبـيـت لـحـد مـا خـلّـيـتـي الـحـرمـة الـلـي تـشـيـل عـنـي الـجـبـال تـبـص لـيّـا كـأنـي وساخـة فـي طـشـت الـغـسـيـل! عـجـبـك كـدة الـطـشـوت؟ عـجـبـك كـبـيـر الـعـيـلـة وهـو بـيـمـضـي عـلـى خـراب اسـمـي وقـص صـوابـعـي؟
مـشـيـت جـوّه الـوض الـفـاضـيـة.. دخـلـت الـوضـة بـتـاعـتـنـا الـلـي كـانـت ريـحـة أسـمـاء فـيـهـا مـالـيـة الـمـكـان رغـم إن الـدولاب قـلـع مـسـامـيـره مـن الـحـيـطـة. لـقـيـت عـلـى الـأرض قـمـيـصـي الـلـي كـانـت بـتـغـسـلـه فـي الـلـيـل.. كـان مـغـسـول عـلـى الـمـسـتـرة ونـضـيـف وزي الـقـشـطـة بـس كـان مـبـلـول ومـكـمـكـم ومـتـكـرمـش عـلـى الـأرض.. مـكـنـش فـيـه حـتـى مـن الـلـي يـكـويـه ولا الـلـي يـعـلّـقـه فـي شـمـاعـة الأصـول.
عـرفـت الـصـبـح ده إن الـراجل مـبـيـبـقـاش راجـل بـالـعـنـتـريـات الـكـدابـة فـي الـبـيـوت.. الـرجـولـة حـمـايـة وحـنـان.. والـلـي بـيـكـسـر ضـهـر سـت مـلـهـاش ضـهـر غـيـره، بـيـصـحـى فـي الـنـهـايـة يـلاقـي نـفـسـه فـي بـيـت عـريـان زي بـيـتـي الـنـهـاردة.. بـيـت فـيـه حـيـطـان كـتـيـر، بـس مـفـيـهـوش سـت مـسـتـورة تـسـنـد خـيـبـتـه!
عـدّت شـهـور سـودة يـا صـديـقـي عـلـى خـراب الـبـيـت ده. نـقـلـت أنـا وأمـي فـي شـقـة قـديـمـة فـي جـحـر ضـيـق فـي آخـر عـز بـة الـنـخـل، شـقـة إيـجـار جـديـد يـأكـل نـص مـرتـبـي كـل أول شـهـر. مـبـقـاش فـيـه عـربـيـة تـنـزلـنـي الـمـصـلـحـة فـتـانـت الـرّاس والـسـجـارة الـفـرنـسـاوي مـدلاّدلـة مـن بـوقـي.. بـقـيـت بـشـبـط فـي الـمـتـرو وأتـزاحـم مـع الـخـلـق والـمـكـروبـاصـات تـطـلّـع فـيـا قـرف الـدنـيـا كـلـه عـلـى طـريـق الـمـؤسـسـة.
أمـي بـقـت الـقـعـدة مـتـعـبـة لـر كـبـهـا.. كـل يـوم الـصـبـح أصـحـى عـلـى أنـيـن تـعـبـهـا، ومـبـقـاش فـيـه هـدوم تـتـغـسـل ولا فـنـجـان قـهـوة مـضـبـوط يـتـعـمـل بـالـبـهـار والـوش الـسـمـيـك. كـنـت لـمـا بـعـوز قـمـيـص نـضـيـف، بـنـزل أنـا بـإيـدي الـمـسـتـشـفـى بـتـاع الـمـنـظّـفـات، وأقـعـد قـصـاد الـطـشـت الـلـي سـابـتـهـولـنـا أسـمـاء.. وعـيـنـي تـنـزل دمـوع مـيـة مـالـحـة تـخـتـلـط بـمـيـة الـمـسـحـوق الـحـامـي عـلـى جـلـد صـوابـعـي. كـنـت بـحـس بـالـنـار الـلـي كـانـت أسـمـاء بـتـحـس بـهـا كـل لـيـلـة والـكـلـور بـيـأكـل فـي لـحـم كـفـوفـهـا الـنـاعـمـة.
فـي يـوم مـن الـأيـام، كـنـت مـعـدّي جـمـب مـسـتـشـفـى الـدمـردادش عـشـان كـان عـنـدي مـشـوار تـامـيـن صـحـي خـاص بـأمـي. وقـفـت بـعـيـد جـمـب كـشـك الـسـجـايـر، وبـصـيـت لـبـاب الـطـوارئ.. لـقـيـت عـربـيـة إسـعـاف جـايـة مـسـرعـة بـسـريـنـة تـقـطـع الـقـلـب. الـمـمـرّضـيـن جـريـوا بـالـتـرولّـي.. وجـسـم مـن الـمـمـرّضـيـن لـمـحـتـه عـلـى طـول ومـخـطـئـتـهـوش عـيـنـي.
كـانـت أسـمـاء.. كـانـت مـفـرودة الـضـهـر، الـيـونـيـفـورم بـتـاعـهـا نـضـيـف وبـيـبـرق زي الـتّـلـج، وبـتـشـخـط وتـؤ مـر فـي الـمـسـعـفـيـن بـكـل نـبـاهـة وقـوة لـحـد مـا أد خـلـوا الـمـريـض جـوّه وعـمـلـوا لـيـه صـدمـات الـقـلـب. كـان فـيـه دكـتـور شـاب واقـف جـمـبـهـا بـيـبـص لـهـا بـنـظـرة كـلـهـا إعـجـاب وفـخـر، ولـمـا خـلّـصـوا الـحـالـة ونـجـي الـمـريـض، مـد لـهـا كـبـايـة عـصـيـر وقـعـدوا يـتـكـلـمـوا فـي الـاسـتـقـبـال بـاحـتـرام بـالـغ كـأنـهـا مـلـكـة الـمـكـان.
عـرفـت سـاعـتـهـا إن أسـمـاء مـكـانـتـش تـعـبـانـة مـن الـشـغـل فـي الـمـسـتـشـفـى ولا عـمـرهـا اشـتـكـت مـن تـعـب الـمـرمـطـة فـي طـوارئ الـنـاس.. الـتـعـب الـحـقـيـقـي كـان فـي الـمـرمـطـة بـتـاعـت بـيـتـي أنـا.. كـان فـي الإهـانـة الـلـي بـتـتـقـدم لـهـا بـعـد الـتـعـب كـوجـبـة عـشـا ثـقـيـلـة مـبـتـتـهـضـمـش.
نـزلـت عـيـنـي الأرض ومـشـيـت فـي زحـمـة الـشـارع، كـأنـي غـريـب فـي الـدنـيـا الـلـي خـسـرت فـيـهـا كـل حـاجـة حـلـوة بـإيـدي. تـذكـرت كـلـمـتـهـا الأخـيـرة وهـي بـتـقـطـقـق الـقـلـم بـيـن صـوابـعـهـا: “وعـيـش عـمـرك كـلـه لـوحـدك، واغـسـل شـرفـك الـلـي ضـيّـعـتـه بـالـتـقـلـيـل مـنـي بـإيـدك فـي طـشـت الـنـدم”.
.. أنـا قـاعـد دلـوقـتـي فـي الـمـنـور الـضـيـق بـتـاع شـقـتـنـا الـجـديـد بـعـز بـة الـنـخـل، قـصـاد طـشـت غـسـيـل بـلاستـيـك صـغـيـر.. بـدعـك فـيـه قـمـيـصـي بـإيـدي، ولـأول مـرّة مـبـقـيـتـش بـتـهـرّب مـن صـوت الـقـمـاش الـمـبـلـول وهـو بـيـخـبـط فـي الـقـاع.. عـشـان عـرفـت إن الـخـبـط ده كـان الـحـقـيـقـة الـوحـيـدة الـلـي عـلّـمـتـنـي الـأصـول بـعـد مـا كـل حـاجـة ضـاعـت مـنـي.. وضـاع مـعـاهـا عـمـر أسـمـاء الـغـالـي.