ام عذارء

 

​الجزء الأول: التضحية والعمر اللي بيجري

​أنا عمري ما اتجوزت لأن حياتي كلها راحت في تربية ولاد أخويا الله يرحمه، توأم وربيتهم لوحدي. بس اللي حصل لما تموا تمنتاشر سنة خلاني واقفة مش قادرة أنطق!

​الناس علطول كانت بتستغرب وبتسألني: “أنتي ليه متجوزتيش لحد دلوقتي؟”

الإجابة كانت بسيطة جداً.. الدنيا هي اللي اختارت لي طريقي.

​كان عندي ستة وعشرين سنة بس لما أخويا الكبير، كريم، ومراته اتوفوا في حادثة عربية تفجع. وسابوا وراهم طفلين مرعوبين.. ولاد أخويا.. توأم زي القمر، مروان ونوح.

​في الأول، الكل كان فاكر إن حد من قرايبنا هيشيل مسؤوليتهم، بس واحد ورا التاني، كله بدأ يطلع حجج:

​اللي مش فاضي ومطحون في دنيته..

​واللي كبر في السن ومش قادر..

​واللي ظروفه المادية على قده..

​واللي خايف من شيل المسؤولية..

​وفي الآخر، ملقوش غيري أنا اللي واقفة في الوش.

​للسه فاكرة كأنها امبارح، لما كنت واقفة بعد العزا برة، وبصيت في عينيهم اللي مليانة دموع، وعرفت إني مستحيل أسيبهم أو أتخلى عنهم. ومن يومها بقيت أنا الوصية عليهم والمسؤولة عنهم قانونياً.

​واللي كان المفروض يبقى وضع مؤقت، بقى هو حياتي ومستقبلي كله.

​كنت بذاكر لهم دروسهم..

أصحي الصبح أعملهم السندوتشات واللانش بوكس..

اشتغلت ساعات إضافية عشان أكفي مصاريفهم..

ودفعت كل مليم من جيبى وكنت بحضر اجتماعات أولياء الأمور..

رحت معاهم حفلات المدرسة، ومواعيد الدكاترة، وتمارين الكورة، وياما قعدت جنبهم ليالي طويلة مابتخلصش وهما بيعيطوا عشان وحشهم أبوهم وأمهم.

​ومن غير ما أحس، نسيت موضوع الجواز والارتباط ده خالص. مش عشان مبؤمنش بالحب، لأ، بس ببساطة مكنش فيه مساحة في حياتي لأي حاجة تانية غيرهم. مروان ونوح كانوا هما رقم واحد في حياتي.. في كل وقت وكل ثانية.

​المفاجأة اللي هزت كياني

​السنين جرت هوا.. في لحظة كانوا عيال صغيرة ماسكين في إديا، وفجأة بقوا رجالة طول بعرض، أطول مني وجاهزين يبدأوا حياتهم بنفسهم.

​كنت فخورة بيهم فخر ملوش حدود، فخر أكبر من إن أي كلام يوصفه. بس برضه، ساعات كنت بقعد بيني وبين نفسي وأسأل في سرّي: “يا ترى كل التضحيات اللي ضحيتها دي كانت تستاهل فعلاً؟”

​ولحد ما جه يوم عيد ميلادهم التمنتاشر.

​عملت لهم حفلة صغيرة في البيت، حاجة بسيطة كده على قدنا؛ أكل بيتي هما بيحبوه، وتورتة، ومعانا الناس القريبة اللي عاشوا معانا رحلة الـ 13 سنة الصعبة دي.

​الليلة كانت يجنن.. ضحكنا من قلبنا، وافتكرنا الأيام القديمة، وفرحنا بالرجالة اللي بقوا واقفين قدامنا.

​كنت مستنية السهرة تخلص على شوية صور، وحضن كبير، وكل سنة وأنتم طيبين. بس بعد ما معظم الضيوف مشيوا، مروان ونوح طلبوا مني أقعد.. وقالوا لي إنهم عايزين يقولوا لي حاجة مهمة قوي.

​أنا ابتسمت، وكنت فاكرة إنهم عايزين يشكروني على كل اللي عملته معاهم طول السنين اللي فاتت.. بس اللي قالوه بعد كده خلاني مذهولة ومصدومة ومش مصدقة وداني!

​

​الجزء الثاني: الصدمة التي لم تكن في الحسبان

​قعدت على الكرسي وأنا كلي فخر، باصة لـ مروان ونوح اللي واقفين قدامي زي الصقور. كنت متوقعة كلام من نوعية “شكراً يا خالتو” أو “إحنا من غيرك ولا حاجة”، وكنت مجهزة دموعي عشان أحضنهم.

​بس ملامحهم كانت جادة زيادة عن اللزوم، ونظراتهم لبعض كانت غريبة، كأنهم بيستجمعوا شجاعتهم عشان ينطقوا.

​مروان فرك إيديه وبدأ الكلام وهو باصص للأرض:

— “خالتو.. إحنا خلاص بقينا تمنتاشر سنة، يعني قانوناً إحنا بالغين ومسؤولين عن نفسنا. وعشان كده، إحنا شايفين إن جه الوقت اللي كل واحد فينا يروح لحاله.”

​أنا ضحكت بقلة حيلة وقلت:

— “تروحوا لحالكم فين يا حبيبي؟ ما أنتم لسه داخلين الجامعة، والبيت مكفينا وزي الفل.”

​هنا دخل نوح في الكلام بصوت حاد ومفهوش أي عاطفة:

— “لأ يا خالتو، أنتي مش فاهمة. إحنا مش قصنا جامعة وسكن مغتربين. إحنا قصدنا إننا مش عايزين نعيش معاكي تاني. إحنا قدمنا على ورق نقل ولاية، وبكره الصبح هننقل حاجتنا كلها ونروح نعيش مع عمنا حسين.”

​الكلمة نزلت عليا زي جبل ثلج. عمهم حسين؟ الشخص اللي قفل في وشنا الباب يوم العزا؟ اللي قال “معيش فلوس أصرف على عيال مش عيالي”؟

حسيت إن الهوا اتمسح من الأوضة، ودموعي اللي كانت جاهزة للفرحة، اتجمدت في عيني.

​وقفت وأنا برتعش وقلت بصوت بيترعش:

— “عمكم حسين؟ أنتم بتتكلموا جد؟ عمكم اللي مسألش عليكم طول الـ 13 سنة اللي فاتوا؟ اللي ميعرفش أنتم في سنة كام ولا بتشتكوا من إيه؟”

​مروان رد عليا بنبرة باردة صدمتني:

— “عمنا حسين اتغير يا خالتو، وبصراحة كده.. هو راجل، وهيصرف علينا ويعملنا مشاريع، وباعتلنا نعيش معاه في شقته الكبيرة في القاهرة. إحنا هنا كنا عايشين في ضيق، وأنتي طول الوقت بتشتكي من المصاريف ومحسسانا بالذنب إنك مفيش في حياتك غيرنا.”

​سندت على ظهر الكرسي عشان مقعش. السنين كلها عدت قدام عيني في ثانية. الشغل ليل نهار، الدروس الخصوصية، هدومي اللي مكنتش بشتري غيرها عشان يلبسوا هما أحسن لبس، اللقمة اللي كنت بسبها من بقي عشان يشبعوا. كل ده اتمسح بكلمة “عمنا اتغير”؟

​قلت لـ نوح وأنا ببكي بحرقة:

— “أنا حسستكم بالذنب يا نوح؟ أنا كنت بشتغل ورديتين عشان مدخلكمش مدارس حكومة تتبهدلوا فيها! أنا عمري ما منيت عليكم بحاجة.. ده أنتم ولاد أخويا.. حتة من قلبي!”

​نوح دار وشه الناحية التانية وقال:

— “خلاص يا خالتو، الكلام ملوش فايدة. إحنا رتبنا كل حاجة مع عمنا، والشنط جاهزة. إحنا بنشكرك على الكام سنة اللي فاتوا، بس إحنا رجالة ومحتاجين نعيش مع راجل يفهمنا، مش مع ست طول الوقت خايفة ومقفلها علينا.”

​ليلة الانهيار.. والبيت الفاضي

​مشيوا وسابوني في الصالة وسط بقايا التورتة والأطباق الفاضية. مروان ونوح دخلوا أوضتهم وقفلوا الباب، وتاني يوم الصبح، قبل ما الشمس تطلع، لقيت عربية عمهم واقفة تحت البيت. نزلوا شيلوا شنطهم، ومشيوا من غير حتى ما يبصوا وراهم، ولا حتى حضن وداع حقيقي.

​قعدت في شقتي الفاضية.. البيت اللي كان دايماً دوشة وزيطة ومذاكرة وخناق عيال، بقى فجأة زي القبر.

كنت بسأل نفسي كل ليلة: “أنا غلطت في إيه؟ هل الدلال الزيادة هو اللي خلاهم بالأنانية دي؟ ولا أنا قصرت معاهم في حاجة؟”

دخلت في حالة اكتئاب شديدة، خسيت فيها النص، ومكنتش بخرج من البيت إلا للشغل وبس. تليفوناتهم اتقطعت تماماً، وكل ما أتصل بيهم، الخط يديني جرس ومحدش يرد، أو ألاقيه مقفول.

​شهور مرت وأنا بموت بالبطيء. الناس اللي كانت بتسألني زمان “متجوزتيش ليه؟”، بقوا يبصولي بنظرات شفقة تقطع القلب، كأنهم بيقولوا: “ضيعت عمرها على عيال نكروا الجميل”.

​بعد مرور سنتين: طرقات على الباب

​فاتت سنتين كاملين. سنتين وأنا بحاول أرمم فيهم روحي اللي اتكسرت. بدأت أهتم بنفسي شوية، رجعت أقرأ، وأهتم بصحتي، بس الشرخ اللي في قلبي مكنش بيهدا أبداً.

​في ليلة شتا حزينة، والمطر بره بيمطر بغزارة والجو كحل، سمعت خبط على الباب. خبط ضعيف ومرعش.

قمت فتحت الباب وأنا مستغربة، مين هيجي في وقت زي ده؟

​أول ما فتحت، اتمسمرت في مكاني.

قدامي على الباب كان واقف مروان ونوح.. بس مش هما الرجالة الواثقين من نفسهم بتوع من سنتين.

هدومهم متبهدلة ومبلولة من المطر، وشوشهم صفرا وناشفة، وعينيهم فيها انكسار وخوف عمري ما شفته غير يوم عزا أبوهم وأمهم.

​أول ما شافوني، نوح ركع على ركبه في الأرض ومسك رجلي وهو بيعيط بحرقة وهستيريا:

— “سامحينا يا خالتو.. بالله عليكي سامحينا.. إحنا ملناش غيرك.. إحنا اتبهبنا واتذلينا من بعدك!”

​مروان كان واقف وراه ودموعه نازلة زي المطر، وصوته مخنوق:

— “إحنا كنا غبيين وأندال يا خالتو.. طمعنا في كلام عمنا وسيبنا الحضن الحقيقي اللي ربانا.”

​رغم الوجع والكسرة اللي عاشت جوايا سنتين، ورغم إني كنت بحلف إني لو شفتهم مش هبص في وشهم.. بس قلب الأم (أو الخالة اللي بقت أم) مبيقدرش يقسي. لما شفتهم بالمنظر ده، دموعي نزلت لوحدها، نزلت على ركبي واحتضنتهم هما الاتنين وفضلنا نعيط في وسط الصالة والباب مفتوح، والمطر صوته مغطي على الدنيا.

​الحقيقة المرة

​بعد ما هديوا وغيروا الهدوم المبلولة، وعملتلهم شاي سخن زي زمان، قعدوا يحكولي اللي حصل.

​مروان وهو باصص لكوباية الشاي وإيديه بترتعش قال:

— “عمنا حسين مكنش عايزنا عشان بيحبنا يا خالتو.. حسين كان عارف إن بابا الله يرحمه كان سايب لنا أرض صغيرة في البلد باسمنا، ومكنش ينفع تتصرف فيها إلا لما نتم 18 سنة. هو فضل يملى دماغنا بكلام مسموم طول سنين المراهقة عن طريق الرسايل والفيسبوك من وراكي، وفهمنا إنك واخدانا سبوبة ومصيطرة علينا.”

​نوح كمل وهو بيبكي:

— “أول ما روينا معاه وتمينا السن، خلانا نمضي له على توكيلات بحجة إنه هيعملنا مشاريع ويشغل الفلوس. وبمجرد ما باع الأرض وأخد الفلوس، حياتنا اتجحمت. شقته الكبيرة اللي قالنا عليها، طلعت أوضة كركبة فوق السطوح، وبقى يعاملنا كأننا خدامين عنده وعند عياله. ولما اعترضنا وطالبنا بفلوسنا، طردنا في الشارع ومضينا على وصلات أمانة تودينا في داهية لو اتكلمنا.”

​بصيت لهم وأنا قلبي بيتقطع عليهم، بس في نفس الوقت حسيت براحة.. عرفت إن تضحيتي مكنتش غلط، هما بس كانوا ضحية لـ لعب عيال وشيطان ملوش أمان.

​قلت لهم بهدوء وثقة:

— “أنتم غلطتوا في حقي غلط كبير قوي.. سيبتوني وأنا ماليش ذنب غير إني حببتكم وحميتكم من الدنيا.”

​مروان مسك إيدي وباسها:

— “عارفين يا خالتو، ومستعدين نعمل أي حاجة عشان تسامحينا. إحنا عرفنا قيمتك، وعرفنا إن الست اللي ضحت بعمرها عشاننا، كانت بتعمل كده من غير مقابل، مش زي الباقيين اللي طمعانين فينا.”

​بداية جديدة من وسط الأنقاض

​أنا مسبتش حقهم. كلمت محامي ابن حلال من معارفنا القدام، وبدأنا نرفع قضايا على عمهم “حسين” عشان نثبت التدليس والنصب اللي عمله على عيال لسه مكملوش أسبوعين في السن القانوني، وبفضل الله المحامي طمننا إن موقفنا قوي والتوكيلات هتلغي.

​مروان ونوح رجعوا لحضني، بس المرة دي وهما رجالة بجد، بيشتغلوا بعد الجامعة عشان يساعدوا في البيت، ومبيفوتوش فرصة إلا وبيمسحوا فيها دموع السنتين اللي فاتوا من على وشي.

​لما بقعد دلوقتي مع نفسي، وبفتكر سؤالي القديم يوم عيد ميلادهم: “يا ترى التضحية دي كانت تستاهل؟”

ببتسم وبقول لنفسي: “آه كانت تستاهل”.. لأن التربية والأصل دايماً بينتصروا في الآخر، والابن المضلل بيرجع لحضن أمه لما يكتشف إن بر برة ملوش أمان، وإن مفيش في الدنيا دي كلها حب حقيقي ومن غير شروط.. زي حب الأهل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *