بنتك معتبتش باب المدرسه من ٧ايام

​”بنتِك معتبتش باب المدرسة بقالها 7 أيام يا ست سلوى… وفي حد بيزور إمضاكِ على جوابات الغياب.”
​صوت الأخصائية الاجتماعية جمدني في مكاني، والطاسة في إيدي، وريحة الأكل كانت بتتحرق على البوتجاز. لوهلة ظنيت إني سمعت غلط. “مريم” كانت بتنزل كل يوم الصبح بيونيفورم المدرسة المكوي، وشنتها البنفسجي، وشعرها الملموم زي العادة. أنا نفسي كنت بحط في جيبها 30 جنيه عشان ميكروباص المواصلات وأفكرها متنساش تسلّم كشاكيل الواجب.
​— “لا يمكن، أكيد في حاجة غلط” — رديت وأنا حاطة إيدي على قلبي — “بنتي بتروح مدرستها كل يوم.”
ساد صمت محرج على الناحية التانية من الخط.
— “إذن لازم تتكلمي معاها يا مدام، لأنها مابتصلش هنا.”
​لما قفلت السكة، حسيت بخجل غريب، كأن حد فتح باب بيتي فجأة وكشف كل كراكيبه. في الليلة دي، رجعت مريم وهي بتضحك. حطت شنتها على الكنبة، وباستني بسرعة على خدي وسألتني لو في عيش تسخنه. كانت في أولى ثانوي، بعيون واسعة شبه عيون أبوها، ومِشية مستعجلة بتاعة حد شايل سر دايماً.
​بصيت لها وهي بتصب لنفسها عصير ليمون:
— “عملتي إيه في المدرسة النهاردة؟”
مأرّبِتش عينيها وهي بتجاوب بثقة:
— “تمام يا ماما. مدرسة الكيمياء كانت مقفلة معانا النهاردة، بس قشطة يعني.”
​حسيت برغبة إني أصرخ في وشها. إني أهز شنتها، وأفتش تليفونها، وأجبرها تقولي كانت فين. بس في حاجة في وشها وقفتني. مكنتش باينة كبنت متمردة، بالعكس، كانت باينة تعبانة؛ الهالات السودا تحت عينيها، وضوافرها متقرقرة، وفي بقعة تراب على الجيب بتاعتها.
​منمتش الليلة دي. فكري واداني لحتت ضلمة.. شباب طايش، حوارات نت، ولا العربيات اللى بنشوفها في الأخبار وبندعي ربنا يحمي عيالنا منها. وافتكرت إن مريم بفت بقالها أسابيع ساكتة، أكلها قليل وبتتهرب من أي كلام عن أخوها “يوسف” اللي توفى من سنتين في حادثة. أنا كمان مكنتش بتكلم عنه، كنت فاكرة إن السكوت بيحمينا.
​الصبح، عملت نفسي مش عارفة حاجة. عملت لها ساندوتش بيض، وعدلت لها ياقة القميص، وقلت لها تاخد بالها من نفسها.
— “حاضر يا ماما، عارفة” — قالتها وهي نازلة.
​سبتها تمشي مسافة شارع، وأخدت مفاتيح عربية جارتي وطلعت وراها من غير ما تحس. مريم ركبت الميكروباص مع باقي زمايلها. لوهلة بغيت أعيط من كتر الارتياح، وقلت يمكن الأخصائية لبطت في الأسامي. بس لما الميكروباص وقف قدام المدرسة، بنتي نزلت… ومادخلتش!
​فضلت واقفة جنب عربية الفول، بتتلفّت يمين وشمال. فجأة، ظهرت عربية ربع نقل بيضا قديمة ومتبهدلة، وسواقها راجل عجوز بشعر أبيض ولابس كاب أسود. مريم فتحت الباب وركبت من غير أي خوف، وقبل ما تطلع، طلعت ورقة مطبقة من شنتها وإدتهالها.
​نفسي اتقطع. طلعت بالعربية وراهم وإيدي بترعش على الدريكسيون، ومش عارفة أنا ماشية ورا بنتي… ولا داخلة على أسوأ يوم في حياتي.
​سؤال القصة ليكم: لو كنتوا مكان سلوى، كنتوا هتنزلوا تواجهوها في اللحظة دي ولا هتفضلوا وراها عشان تعرفوا الحقيقة كاملة؟
​الجزء الثاني
​العربية الربع نقل فضلت ماشية في شوارع أول مرة أشوفها، بعيد خالص عن المدرسة وعن منطقتنا. كنت سايقة وراهم وملتصقة في الدريكسيون، وقلبي كان بيدق لدرجة الوجع. كل ما السواق يبص في المراية، كنت بمسك فرامل وأستخبى ورا تاكسي. حسيت إني غبية بس مكنش في عقلي غير فكرة واحدة: الأم مابتفكرش بهدوء وبنتها في عربية حد غريب.
​دخلوا منطقة شعبية، بيوتها دايقة، وحيطانها مليانة جرافيتي، وورش بيبانها صاج ومصدية. وأخيرًا، العربية وقفت قدام بيت أرضي بسيط، مكتوب عليه يافطة قماش مايلة: “مطبخ أهل الخير للوجبات المجانية”. نزلت مريم الأولى، والراجل العجوز فتح صندوق العربية وبدأوا ينزلوا أكياس عيش، كراتين لبن، وكشاكيل مستعملة. فضلت واقفة بعيد جنب صيدلية، ومش فاهمة حاجة.. مطبخ خيري؟ بنتي بتعمل إيه هنا وقت المدرسة؟
​قربت براحة، الباب كان موارب. سمعت صوت دوشة أطفال، وقعقعة أطباق، وصوت راديو شغال بصوت واطي على إذاعة القرآن الكريم. زقيت الباب شوية، واللي شفته جوة هدّ كل عصبيتي.
​مريم كانت واقفة في نص الصالة، مشمرة كمام قميص المدرسة، وبتغرف أكل لأطفال صغيرين. طفلة صغيرة بتشد جيبتها، وولد كشكوله مقطوع بيوريها رسوماته. بنتي.. اللى بتطلع روحي في البيت عشان تغسل طبق واحد بعد الأكل، كانت بتمسح وش طفل بمنديل وبتقوله: “بالراحة يا زيزو، محدش هياخد أكلك”.
​الراجل العجوز حط الأكياس وقالها:
— “يا مريم، في ثلاث عيال كمان جم من طرف الحاجة أم أحمد.”
ردت عليه كأنها صاحبة المكان:
— “حاضر يا عم حسن، هغرف لهم حالاً.”
​حسيت براحة لثانية، بس بعدها اتمليت غضب. ماشي، الموضوع نبيل وجميل… بس بنتي بتغفلني بقالها أسبوع وبتزوغ من مدرستها!
قلت بصوت عالي ومبحوح من عند الباب:
— “مريم؟!”
​البنت اتسمرت مكانها، والمعلقة وقعت من إيدها جوة الحلة، وكل الموجودين بصوا ناحيتي. همست برعب:
— “ماما…”
قربت مني ست لابطة مريلة مطبخ ونضيفة، وقالت بابتسامة متوترة:
— “أكيد حضرتك والدتها؟ بنتك دي ملاك يا فندم، لو تعرفي بتساعدنا إزاي…”
قاطعتها وصوتي رايح من العياط:
— “محدش يتكلم! البنت دي قاصر وبتزوغ من تعليمها. محدش فيكم فكر يتصل بأهلها؟”
الست نزلت عينيها في الأرض:
— “هي اللي تبست علينا وعيطت عشان مانقولش.”
​مريم قربت مني: “يا ماما أرجوكي اسمعيني.”
رديت بغضب: “أسمع إيه؟ إنك بتركبي عربيات مع ناس غريبة؟ ولا إنك بتزوري إمضتي؟ ولا إنك بتغفليني كل يوم الصبح؟”
عم حسن السواق رفع إيده وقال: “يا مدام، أنا حسن، متطوع هنا من سنين، والله بنتك زي بنتي وعمري ما آذيتها.”
زعقت وأنا بترعش: “بس كنت بتاخدها من ورايا!”
​مريم انفجرت في العياط: “أنا اللي ترجيته يا ماما! هو مكنش راضي!”
صرخت فيها: “وليه؟! إيه اللي مستاهل كل الكذب ده؟!”
​في اللحظة دي، من آخر التربيزة، قام ولد صغير، يجي 8 سنين، لابس تيشيرت واسع عليه قوي وماسك في إيده شنطة متبهدلة. لما عيني جت في عينه، دمي اتجمد في عروقي… الولد كان عنده نفس العيون الحزينة بتاعة ابني “يوسف” الله يرحمه.
​مريم بصت للولد وهمست: “عشان مكنش ينفع يسيبه لوحده يا ماما.”
الست بتاعة المطبخ لمست إيدي براحة وقالت: “يا مدام… الولد ده جه هنا الأسبوع اللي فات، ومعاه ورقة فيها اسم ابنك يوسف الله يرحمه.”
​وقبل ما أسأل أي سؤال، مريم وقفت في النص بيني وبين الولد، كأنها بتحمي سر كان ممكن يهدنا إحنا الاتنين.
​الجزء الثالث والأخير
​وقفت في مكاني ومش قادرة أستوعب. بصيت للطفل، وبعدين لمريم، وللورقة المتكرمشة اللي الست طلعتها من جيبها وفردتها قدامي. كانت ورقة كشكول مكتوبة بخط إيد ابني “يوسف”، خطه المهزوز اللي حفظته في أيام تعبه الأخيرة.
​سندت ضهري على الحيطة الزرقا وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. مريم قربت مني، والدموع مغرقة وشها، مسكت إيدي المرتجفة وقالت بصوت مخنوق:
— “يا ماما… يوسف كان بيجي هنا مستخبي في أيامه الأخيرة، لما كان بيقولك إنه نازل يذاكر مع أصحابه. كان بيقضي وقته مع “زياد” الصغير، بيعلمه القراءة والكتابة عشان ينسى تعب الكيماوي. وقبل ما يموت بأيام، إدا لزياد شنتها القديمة وكتب له الورقة دي وقال له: لو الدنيا ضاقت بيك يا زياد، روح المطبخ وهناك هيساعدوك… يوسف مماتش يا ماما، روحه لسه عايشة هنا.”
​دموعي نزلت ومبقتش شايفة قدامي غير طيف ابني في عيون الطفل اليتيم ده. بصيت لمريم وملقتش في قلبي أي غضب، بالعكس، حسيت بندم غريب. أنا كنت دافنة نفسي في حزني وعزائي، لدرجة إني مشوفتش بنتي وهي بتحاول تعيش ذكرى أخوها وتكمل خيره.
​مشيت بخطوات ثقيلة ونزلت لمستوى طول الطفل “زياد”. مسحت على رأسه براحة، وبصيت لعم حسن وللست وقلت بصوت باكي بس قوي:
— “أنا اللي بعتذر منكم كلكم… بنتي مغلطتش، أنا اللي الحزن أعمى عيني. ومن النهاردة، مريم مش هتحتاج تكذب ولا تغيب عن مدرستها عشان تيجي هنا… إحنا هنيجي سوا كل يوم جمعة، وأنا وبنتي هنكمل اللي يوسف بدأه.”
​مريم حضنتني جامد، والعيال الصغيرة اتلموا حوالينا في مشهد دافي ملى المكان، وكأن روح يوسف كانت بترفرف وتضحك لنا، عشان المكان البسيط ده يرجع يلم اللي انكسر في قلوبنا بعد الفراق.
​نهاية الحكاية: إيه رأيكم في قرار الأم؟ وهل شايفين إن الصدقة الجارية وعمل الخير هما أحسن طريقة نخلد بيها ذكرى الناس الغاليين اللي فارقونا؟ شاركونا آراءكم في التعليقات 👇

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *