رجعت تجيب معطفها

رجعت تجيب معطفها قبل الفرح… فسمعت خطيبها وأمه بيتفقوا على قتلها!
قبل الفرح بيوم واحد، كانت ريجينا لسه بتحاول تقنع نفسها إن كل الشكوك اللي جواها مجرد أوهام.
النهار كان مثالي… على الأقل من بره.
قصر أمبارو، حماتها المستقبلية، كان يلمع من الفخامة. رخام أبيض، ورد أوركيد في كل حتة، جرسونات بقفازات بيضا، وكاسات شامبانيا ما بتفضاش.
أمبارو حضنتها قدام كل المعازيم وقالت بابتسامة هادية
بكرة هتبقي بنتي يا ملكة.
ابتسمت ريجينا بالمجاملة.
من وهي صغيرة وهي عارفة إن في ناس بتبتسم عشان البروتوكول… مش عشان الفرح.
فرحها على ليوناردو كان تاني يوم، في أفخم فندق. أكتر من 300 معزوم، رجال أعمال، شخصيات كبيرة، صحافة وكاميرات.
ليوناردو كان العريس المثالي في نظر أي حد… شيك، محترم، رومانسي، دايمًا يهتم بيها قدام الناس.
لكن في وسط السهرة، أمبارو رجعت فتحت موضوع العقد.
قالت
ها يا ريجينا… وقّعتي تعديل الاتفاق؟
حطت ريجينا الكوباية على الترابيزة وقالت بهدوء
المحامي بتاعي هيراجعه الليلة.
ابتسامة ليوناردو اختفت للحظة.
يا حبيبتي… دي مجرد إجراءات.
ردت بثبات
إجراءات؟ واحد وخمسين صفحة، ومفيهاش كلمة واحدة عن حصتي في شركات عيلتي.
ضحكت أمبارو وقالت
يا بنتي… الجواز يعني ثقة.
ردت ريجينا وهي باصة في عينيها
الثقة غير إني أتنازل عن حقي.
الجو اتوتر.
ليوناردو حاول يغير الموضوع وقال
بلاش نتكلم في ده دلوقتي.
قالت من غير ما تعلي صوتها
أنا ما بدأتش.
بعد شوية، سلمت عليهم وخرجت.
وصلت العربية، وحطت إيدها على الباب… وفجأة افتكرت إنها سابت المعطف جوه.
رجعت بسرعة.
الباب الرئيسي كان مفتوح، والخدم مشغولين في لم الكاسات، فمحدش خد باله إنها دخلت.
مشت في الطرقة بهدوء…
وفجأة سمعت صوت أمبارو جاي من المكتب.
البنت دي مش هتمضي بسهولة.
وقفت مكانها.
الباب كان موارب.
وسمعت صوت ليوناردو وهو بيضحك.
بعد كتب الكتاب… كل حاجة هتبقى أسهل.
وبعدين اتكلم صوت تالت… كان داريو، منظم

الفرح وصاحب ليوناردو.
كل حاجة جاهزة… رحلة البحيرة متأكدة. القارب هيعطل في نص الميه، والكل هيعتبرها حادث.
حست ريجينا إن الدم اتجمد في عروقها.
قالت أمبارو بكل هدوء
والناس هتتعاطف مع الأرمل المسكين.
ضحك ليوناردو وقال
وفي الآخر… كل ثروتها هتبقى باسمي.
إيد ريجينا كانت بتترعش…
لكنها طلعت موبايلها بهدوء، وشغلت تسجيل الصوت.
كل كلمة كانت بتنزل على قلبها زي السكين.
داريو كمل
والتقرير الطبي جاهز… لو حد سأل، هنقول إنها كانت بتعاني من اكتئاب واضطرابات نفسية.
همست أمبارو
ابني لازم ياخد شركاتها… وأبوها كان غبي لما رفض يبيعها لينا.
حضنت ريجينا المعطف لصدرها.
خلاص…
ما بقاش فيه شك.
الناس اللي كانوا بيحضنوها من شوية… كانوا بيخططوا يقتلوها بعد أقل من 24 ساعة.
خرجت من غير صوت.
ركبت عربيتها، وقفلت الباب، وما قدرتش تاخد نفسها لدقيقة كاملة.
هما كانوا فاكرين إنها مجرد بنت عاشقة… ووريثة سهلة.
لكن اللي ميعرفهوش إن ريجينا من سنين وهي بتدير بنفسها شركة أمن خاصة، وكانت مركبة كاميرات وأنظمة تسجيل في أكتر من مكان تابع لعيلة فيلاسينور بعد عقد رسمي أمبارو بنفسها وافقت عليه.
وده معناه…
إن المكتب اللي كانوا قاعدين فيه، وهوما بيخططوا لموتها…
كان بيسجل كل كلمة بالصوت والصورة.
بصت لفستان الفرح المعلق على الكرسي…
واتصلت برئيس الأمن.
قالت بصوت ثابت
اقفلوا كل حاجة.
رد عليها
كل حاجة يا فندم؟
غمضت عينيها وقالت
أيوه… مفيش فرح بكرة.
أنا بكرة هبدأ معركة النجاة ووووحصلت المصيبة قبل ماتنفذها
بقلم_زيزي_احمد
وصلت ريجينا إلى القصر القديم الذي تركه لها والدها قبل سنوات، وكانت يدها ترتجف وهي تُدخل مفتاح الخزنة المخفي خلف لوحة زيتية في مكتبه.
تذكرت كلماته يوم قال لها
لو فتحتِ الخزنة في يوم، يبقى اعرفي إنك بقيتي في أخطر مرحلة في حياتك.
دارت عجلة القفل ببطء…
ثم انفتح الباب الحديدي بصوت مكتوم.
لم تجد ذهبًا ولا أموالًا كما توقعت.
وجدت ملفًا أسود سميكًا، ووحدة تخزين صغيرة، ورسالة مكتوبة بخط والدها.
فتحت الرسالة بسرعة.
ريجينا…
إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فاعلمي أن أحدًا حاول الوصول إلى ثروة العائلة، لكن الحقيقة أكبر من مجرد أموال.
داخل وحدة التخزين ستجدين أسماء أشخاص وثقتُ بهم يومًا، ثم اكتشفت أنهم يعملون مع منظمة مالية سرية تستولي على الشركات بطرق غير مشروعة.
إذا وصلوا إليك، فلا تثقي بأحد بسهولة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
أدخلت وحدة التخزين في الحاسوب الموجود بالمكتب.
ظهرت عشرات الملفات والعقود والصور.
كان اسم ليوناردو موجودًا…
واسم أمبارو…
واسم داريو…
لكنهم لم يكونوا في أعلى القائمة.
توقفت عيناها عند اسم لم تكن تتوقعه أبدًا.
إنه اسم المحامي الذي كانت تعتبره أقرب شخص إلى والدها، والرجل الذي راجع كل عقود العائلة طوال عشرين عامًا.
همست في ذهول
مستحيل…
وفي تلك اللحظة انطفأت الكهرباء في القصر كله.
ساد الظلام.
ثم سُمعت خطوات هادئة تقترب من باب المكتب.
أمسك رئيس الأمن بجهاز الاتصال وهمس
في حد دخل البيت… والكاميرات الخارجية اتعطلت كلها في نفس اللحظة.
حبست ريجينا أنفاسها.
دوى صوت طرقات خفيفة على الباب.
ثم جاء صوت هادئ من الخارج
آنسة ريجينا… أنا مبعوث من والدك… ولو ما فتحتيش الباب خلال عشر ثوانٍ، هيضيع الدليل الوحيد اللي يثبت الحقيقة.
نظرت ريجينا إلى رئيس الأمن.
لم يتحرك.
بدأ العد من خلف الباب
عشرة…
تسعة…
ثمانية…
وكان عليها أن تختار خلال ثوانٍ…
هل تفتح الباب لشخص لا تعرفه…
أم تتمسك بالملفات، وتخاطر بأن يكون ما ينتظرها في الخارج أخطر مما تتخيل؟في اللحظة اللي أنهت فيها ريجينا المكالمة، دوّى انفجار هزّ الأرض تحت العربية.
ارتجت السيارة بعنف، واتغطت السماء بسحابة دخان سوداء طالعة من قصر أمبارو.
رفعت رأسها بسرعة، وعينيها اتسعت من الصدمة.
يا نهار أبيض…
خرجت من العربية وهي بتجري، لكن رئيس الأمن صرخ في السماعة
إياك ترجعي! ده فخ!
وقبل ما ترد، ظهر صوت سيارات الإسعاف والشرطة من بعيد.
بعد دقائق…
المكان كله اتحول لفوضى.
ناس بتجري… كاميرات قنوات الأخبار وصلت… والخدم بيعيطوا.
وقفت ريجينا وسط الزحام وهي بتحاول تستوعب اللي حصل.
كانت عارفة إن الانفجار حصل في الجناح اللي فيه مكتب أمبارو… نفس المكان اللي كانوا قاعدين فيه من شوية.
وفجأة رن موبايلها.
رقم مجهول.
ترددت ثانية… وبعدين ردت.
جالها صوت رجالي خشن
لو عايزة تعيشي… امسحي كل التسجيلات.
قلبها دق بعنف.
قالت بثبات مين حضرتك؟
ضحك باستهزاء.
اللي فجّر القصر… مش ليوناردو.
اتسعت عيناها.
إيه؟
اللي كنتي سمعتيهم كانوا مجرد جزء من اللعبة… وفي ناس أكبر منهم بكتير.
وانقطع الخط.
وقفت ريجينا مذهولة.
لو ليوناردو مش هو اللي عمل الانفجار…
يبقى مين؟
وليه؟
في نفس اللحظة، وصل رئيس الأمن ومعاه أربعة من رجال الحراسة.
ناولها جهازًا لوحيًا وقال بسرعة
لازم تشوفي ده حالًا.
فتحت التسجيل المباشر من كاميرات الشركة.
الكاميرات كانت لسه شغالة قبل الانفجار بثوانٍ.
ظهر ليوناردو وهو بيخرج من المكتب مسرعًا، وخلفه أمبارو وداريو.
كانوا بيتكلموا بعصبية، ثم دخل رجل مجهول يرتدي بدلة سوداء ويحمل حقيبة صغيرة.
لم يظهر وجهه بوضوح.
وضع الحقيبة تحت المكتب…
وخرج بهدوء.
بعد أقل من ثلاثين ثانية…
وقع الانفجار.
همست ريجينا
يعني… كان فيه حد عايز يخلص منهم هما كمان.
لكن رئيس الأمن ظل ساكتًا وهو بيقلب في التسجيل.
وفجأة جمّد الصورة.
وكبّرها.
ظهرت يد الرجل المجهول وهو يفتح الباب.
في إصبعه خاتم فضي عليه شعار قديم.
شهقت ريجينا.
كانت تعرف الشعار جيدًا…
نفس الشعار المحفور على الخزنة السرية في مكتب والدها، والتي أوصاها ألا تفتحها أبدًا إلا إذا تعرضت حياتها للخطر.
قبل أن تنطق بأي كلمة…
وصلها إشعار على هاتفها.
المرسل والدها.
لكن والدها كان مسافرًا منذ أسبوع في رحلة عمل، ومن المفترض أنه خارج نطاق الاتصال.
فتحت الرسالة بسرعة.
لم يكن فيها سوى سطر واحد
افتحي الخزنة الآن. .. الوقت انتهى.
تجمدت في مكانها…
لأن الرسالة أُرسلت قبل أقل من دقيقة، بينما هاتف والدها كان مغلقًا منذ أيام، وهذا يعني أن المصيبة الحقيقية لم تبدأ بعد تحرك الموكب قبل
لمحة نيوز

شروق الشمس.
سيارتان للحراسة في المقدمة، وسيارة ريجينا في المنتصف، وأخرى خلفها.
الطريق إلى المصنع القديم كان مهجورًا، تحيط به أراضٍ واسعة ومبانٍ أغلقتها السنوات.
ظل رئيس الأمن يراقب الطريق عبر الجهاز اللاسلكي، ثم قال فجأة
في عربية سودا ماشية ورانا من أول ما خرجنا.
نظرت ريجينا في المرآة.
كانت السيارة تحافظ على نفس المسافة، لا تقترب ولا تبتعد.
قالت بهدوء
ما حدش يتصرف… خلوها تفتكر إننا ما أخدناش بالنا.
بعد دقائق، دخل الموكب طريقًا ترابيًا ضيقًا يؤدي إلى المصنع.
وفجأة…
انحرفت السيارة السوداء إلى طريق آخر واختفت.
تنفس الجميع الصعداء، لكن ريجينا لم تشعر بالاطمئنان.
قالت
دي كانت بتراقبنا… مش بتهاجمنا.
وصلوا إلى بوابة المصنع.
كانت السلاسل الحديدية ما زالت في مكانها، لكن القفل كان مكسورًا حديثًا.
انحنى أحد أفراد الأمن يتفحصه، ثم قال
في حد دخل قبلنا بساعات.
تبادل الجميع النظرات.
دخلوا بحذر.
المصنع كان مليئًا بالغبار، والماكينات العملاقة متوقفة منذ سنوات، لكن آثار أقدام حديثة كانت واضحة على الأرض.
تتبعتها ريجينا حتى وصلت إلى مكتب الإدارة القديم.
دفعت الباب.
وجدت المكتب كما تركه الزمن…
إلا شيئًا واحدًا.
الخزنة الحديدية كانت مفتوحة.
اقتربت بسرعة.
كانت فارغة.
شعرت أن قلبها هبط.
قال رئيس الأمن
إحنا اتأخرنا.
لكن أحد الحراس نادى من آخر الغرفة
يا فندم… تعالوا شوفوا ده.
اتجه الجميع نحوه.
كان يقف أمام جدار خشبي قديم.
وراءه باب سري صغير.
فتحوه بحذر.
نزلوا درجات ضيقة تؤدي إلى غرفة تحت الأرض.
الغرفة كانت مجهزة بطريقة حديثة، كأن أحدًا كان يستخدمها حتى وقت قريب.
وفي منتصفها…
طاولة كبيرة عليها خرائط وملفات وشاشات مراقبة.
وعلى الحائط لوحة ضخمة مليئة بصور وأسماء.
تقدمت ريجينا خطوة…
ثم تجمدت.
في منتصف اللوحة كانت صورتها.
حولها عشرات الخطوط الحمراء التي تصلها بأسماء كثيرة…
ليوناردو.
أمبارو.
داريو.
المحامي.
وعدد من رجال الأعمال.
لكن أكثر ما صدمها…
أن صورة والدها كانت عليها علامة كبيرة مكتوب تحتها
مفقود… آخر ظهور منذ 72 ساعة.
همست وهي تكاد لا تصدق
يعني… بابا مش مسافر.
رد رئيس الأمن بقلق
يبقى الرسالة اللي وصلتك كانت حقيقية… لكنه في خطر.
وفي تلك اللحظة، أضاءت إحدى الشاشات وحدها.
ظهر عليها بث مباشر لرجل يجلس على كرسي في مكان مجهول.
كان وجهه في الظل.
قال بصوت هادئ
أخيرًا وصلتي يا ريجينا… كنت واثق إنك هتلاقي الغرفة.
سادت لحظة صمت.
ثم أكمل
لو عايزة تنقذي والدك… لازم تلتزمي بكل خطوة هقولها. أي محاولة للاتصال بالشرطة أو الخروج من المصنع… هتضيع الفرصة الوحيدة لإنقاذه.
نظر أفراد الأمن إلى ريجينا في انتظار قرارها…
بينما كانت تدرك أن اللعبة دخلت مرحلة أخطر بكثير، وأن كل خطوة من الآن قد تحدد مصير والدها رفعت ريجينا يدها في هدوء، وأشارت إلى رئيس الأمن ألا يفتح الباب.
ثم همست
شغّل الخطة الاحتياطية.
ضغط الرجل زرًا صغيرًا في ساعة يده، فانزلقت خلف مكتبة ضخمة ألواح فولاذية سميكة أغلقت مدخل المكتب بالكامل.
في اللحظة نفسها، دوّى صوت ارتطام قوي بالباب الخارجي.
قال الصوت من الخارج ببرود
كنت متوقع إنها هترفض.
ثم عمّ الصمت.
مرّت دقيقة كاملة…
ولا حركة.
نظر رئيس الأمن إلى شاشة المراقبة الداخلية التي ما زالت تعمل، ثم عقد حاجبيه.
غريب…
سألته ريجينا
في إيه؟
قال وهو يقرّب الصورة
الشخص اللي كان واقف قدام الباب… اختفى.
وقبل أن تكمل كلامها، رن هاتف رئيس الأمن.
رد بسرعة، لكن ملامحه تبدلت فجأة.
إيه؟! إزاي؟
أغلق الخط والتفت إليها.
المصيبة أكبر مما توقعنا.
اتكلم.
الانفجار اللي حصل في القصر… ليوناردو وأمه نجوا منه.
صمتت ريجينا للحظة.
إزاي؟
لأنهم خرجوا قبل الانفجار بدقائق… لكن داريو اختفى، ومحدش عارف إذا كان حي ولا لأ.
في تلك اللحظة، أصدر الحاسوب صوتًا.
ظهرت رسالة جديدة على الشاشة.
لم يلمس أحد لوحة المفاتيح.
كُتب فيها
إذا كنتِ ترين هذه الرسالة، فاعلمي أن الملفات ليست كاملة.
ثم ظهر مجلد مخفي لم يكن موجودًا قبل ثوانٍ.
فتحت ريجينا المجلد.
وجدت تسجيل فيديو قصير.
ضغطت تشغيل.
ظهر والدها جالسًا داخل هذا المكتب نفسه.
قال بهدوء
ريجينا… لو وصلتي للفيديو ده، يبقى في حد خان العائلة من الداخل. متصدقيش أي ورقة قبل ما تتأكدي بنفسك، ومتدوريش على الحقيقة في قصر أمبارو… الحقيقة موجودة في المصنع القديم.
توقفت الصورة فجأة.
ثم ظهرت لقطة لبوابة حديدية صدئة تحمل اسم أحد مصانع العائلة المغلقة منذ خمسة عشر عامًا.
وقبل أن تستوعب ما رأت…
وصل اتصال جديد.
هذه المرة من رقم ليوناردو نفسه.
نظرت إلى الشاشة في صمت.
قال رئيس الأمن
ما ترديش.
لكنها ضغطت زر الإجابة.
جاءها صوت ليوناردو متوترًا على غير عادته
ريجينا… اسمعيني كويس. في ناس بتحاول تخلص مني ومنك. لو سبقونا للمصنع القديم… كل حاجة هتضيع.
وقبل أن ترد…
انقطع الاتصال فجأة، وتلاه صوت إطلاق نار بعيد، ثم عمّ الصمت من جديد.
نظرت ريجينا إلى رئيس الأمن، وقالت بحزم
جهزوا العربيات… هنروح المصنع قبل أي حد.
ولم تكن تعرف أن الطريق إلى المصنع كان يخفي سرًا سيغيّر كل ما كانت تؤمن به عن عائلتها، وأن الخطر الحقيقي لم يكن داخل القصر… بل في المكان الذي أُغلق منذ سنوات انطلقت أوامر ريجينا بسرعة وحسم.
اقفلوا كل المداخل… محدش يطلق طلقة إلا لو اضطر.
تحرك رجال الأمن في ثوانٍ، وأغلقوا الأبواب الحديدية، بينما راقب آخرون الكاميرات المنتشرة حول المصنع.
ظهر على إحدى الشاشات موكب من سيارات الدفع الرباعي يتوقف أمام البوابة.
خرج منها رجال يرتدون ملابس سوداء وخوذات واقية، لكن الغريب أنهم لم يبدؤوا الهجوم.
تقدم أحدهم وحده، ورفع قطعة قماش بيضاء في إشارة واضحة أنه يريد التفاوض.
تعجب رئيس الأمن.
دي أول مرة أشوف مجموعة جاية بالطريقة دي.
قالت ريجينا
افتحوا الصوت الخارجي.
ضغط أحد الفنيين زر الاتصال.
جاء صوت الرجل من الخارج عبر مكبرات الصوت
إحنا مش جايين نحارب… إحنا جايين نحمي الآنسة ريجينا.
نظر الجميع إلى بعضهم في دهشة.
تقدم الرجل الغامض الذي كان داخل المصنع وقال بسرعة
متصدقهوش… هيحاول يدخل بأي طريقة.
لكن قبل أن تكمل ريجينا التفكير، ظهر على شاشة أخرى مشهد جديد.
سيارة سوداء فاخرة توقفت بعيدًا عن البوابة.
نزل منها ليوناردو.
كان وحده، بلا حراسة.
رفع يديه للأعلى حتى يثبت أنه غير مسلح، ثم طلب السماح له بالدخول.
قال رئيس الأمن باستغراب
هو بنفسه!
سادت لحظات من التوتر.
لم يكن واضحًا إن كان قد جاء ليستدرجهم… أم ليحذرهم.
وفجأة…
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
ليس انفجارًا…
بل صوت محركات ضخمة قادمة من الجهة الخلفية للمصنع.
أسرع أحد الحراس إلى الكاميرات الخلفية، ثم صاح
يا فندم… في حفارات ومعدات تقيلة داخلة من السور الخلفي!
تجمدت ريجينا.
حفارات؟
رد الحارس
واضح إنهم مش جايين يقتحموا… جايين يهدموا المصنع كله.
ساد الصمت.
إذا انهار المصنع…
ستُدفن الغرفة السرية بكل ما فيها من ملفات وأدلة، وقد يضيع أي أثر يقود إلى والدها.
نظرت ريجينا إلى الخرائط المعلقة على الجدار، ثم إلى الرجل الغامض.
سألته بحزم
قول الحقيقة… إيه اللي موجود تحت المصنع لدرجة إن حد مستعد يهدم المكان بالكامل؟
أطرق الرجل رأسه لثوانٍ، ثم قال
تحت المصنع مش مجرد مخزن… فيه أرشيف كامل يوثق ملكية شركات وعقارات بمليارات، ووثائق تثبت حقوق عائلات كتير. لو اتدمر، مش هتضيع الأدلة بس… هتضيع حقوق ناس أبرياء.
في تلك اللحظة، دوى أول صوت ارتطام من الجهة الخلفية.
بدأت الجدران تهتز، وتساقط الغبار من السقف.
أدركت ريجينا أن الوقت لم يعد يُقاس بالدقائق…
بل بالثواني ساد الصمت داخل الغرفة السرية.
كل الأنظار اتجهت إلى الشاشة.
قال الرجل المجهول بصوت ثابت
قبل أي حاجة… أبعدي رجال الأمن عن الأجهزة.
لم تتحرك ريجينا.
اكتفت بالنظر إليه في هدوء.
ثم قالت
لو كنت فعلًا عايزني أنقذ والدي، هتثبت الأول إنه لسه بخير.
ساد صمت قصير.
وبعد ثوانٍ، انطفأت الشاشة.
ثم ظهر بث جديد.
غرفة بسيطة، إضاءتها خافتة.
رجل يجلس على مقعد، ويداه غير مقيدتين، لكنه بدا مرهقًا.
رفعت ريجينا يدها على فمها.
بابا…
كان

والدها بالفعل.
نظر إلى الكاميرا وقال بهدوء
أنا بخير… متخافيش عليّ.
وقبل أن يكمل، انقطع البث.
عاد الرجل المجهول للظهور.
اطمنتي؟
ردت بثبات
عايز إيه؟
قال
في درج المكتب اللي وراك مفتاح نحاسي.
فتحت الدرج بحذر.
وجدت المفتاح فعلًا.
دلوقتي افتحي الباب اللي في آخر الممر.
تبادل رجال الأمن النظرات.
همس رئيس الأمن
إحنا مش عارفين هو بيقودنا على إيه.
قالت ريجينا
ولا هو يعرف إننا مش هنمشي من غير احتياط.
قسمت الفريق إلى مجموعتين.
مجموعة بقيت في الغرفة تراقب الشاشات.
ومجموعة تحركت معها نحو نهاية الممر.
وصلوا إلى باب حديدي قديم.
أدخلت المفتاح.
دار القفل بصعوبة.
انفتح الباب ببطء…
لتظهر قاعة واسعة مليئة بصناديق خشبية قديمة.
لكن المفاجأة لم تكن الصناديق.
بل الرجل الذي كان يقف في منتصف القاعة.
كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ورافعًا يديه في هدوء ليؤكد أنه لا يحمل سلاحًا.
قال بابتسامة خفيفة
أخيرًا اتقابلنا يا آنسة ريجينا.
أشار رئيس الأمن إلى الحراس، فوجهوا أسلحتهم نحوه.
لكن الرجل لم يبدُ خائفًا.
قال
لو كنت عايز أؤذيكم… ما كنتش استنيتكم تدخلوا لحد هنا.
سألته ريجينا
أنت مين؟
أخرج بطاقة تعريف من جيبه، ووضعها على أقرب صندوق، ثم ابتعد عنها خطوة.
التقطها أحد الحراس وسلمها لريجينا.
ظلت تقرأ الاسم لثوانٍ.
ثم رفعت رأسها بذهول.
الاسم كان مألوفًا جدًا…
إنه نفس الاسم الذي قرأته في ملفات والدها منذ ساعات، لكن بجواره كانت ملاحظة بخط والدها تقول
إذا احتجتِ إلى حليف، فابحثي عنه أولًا.
نظر الرجل إليها وقال بهدوء
والدك كان يتوقع إنك توصلي لهنا… وطلب مني أحميك لحد ما الحقيقة كلها تظهر.
وقبل أن تتمكن من سؤاله عن مكان والدها، دوى صوت صفارات إنذار في أنحاء المصنع كله.
أضاءت لمبات حمراء في السقف.
وانطلق صوت آلي يقول
تحذير… تم رصد مجموعة مسلحة تقترب من البوابة الرئيسية… الوقت المتبقي لوصولها خمس دقائق.
أمسك رئيس الأمن بجهازه اللاسلكي، ثم قال بقلق
المكان بقى محاصر… واللي جايين عددهم كبير.
شدت ريجينا قبضتها، ونظرت إلى الرجل الغامض.
ثم قالت بحزم
مفيش وقت للأسئلة… من دلوقتي، كل دقيقة هتفرق بين إنقاذ والدي… أو ضياع كل شيء سقطت قطعة من السقف على بعد خطوات من ريجينا.
اندفع أحد الحراس ليبعدها، بينما دوى ارتطام آخر جعل الجدران ترتجف.
قال رئيس الأمن بسرعة
مش هنقدر نصمد كتير… لازم نخرج.
لكن ريجينا هزت رأسها بقوة.
مش قبل ما ناخد كل الأدلة.
التفتت إلى الرجل الغامض.
فين الأرشيف؟
أشار إلى نهاية القاعة، حيث كانت تقف خزانة معدنية ضخمة.
اقترب منها، وأدار مقبضًا مخفيًا.
فجأة تحركت الخزانة ببطء، كاشفة عن مصعد صغير ينزل إلى مستوى أعمق تحت الأرض.
قال
الأرشيف الحقيقي تحت.
نزلت ريجينا ومعها رئيس الأمن ورجلان فقط، بينما بقي باقي الفريق في الأعلى لتأمين المكان.
وصلوا إلى قاعة واسعة مليئة بخزائن فولاذية مرقمة.
وفي منتصف القاعة…
كانت توجد غرفة زجاجية محكمة الإغلاق.
داخلها عشرات الصناديق المقاومة للحريق، وخوادم إلكترونية ما زالت تعمل.
قال الرجل الغامض
هنا كل النسخ الأصلية.
بدأ الفريق يجمع وحدات التخزين والملفات في حقائب خاصة.
وفجأة…
رن جهاز الإنذار داخل الغرفة.
ظهر على الشاشة
تم فتح المدخل الرئيسي.
رفع رئيس الأمن جهازه اللاسلكي.
فريق واحد… ردوا.
…
لا إجابة.
كرر النداء.
ما زال الصمت.
نظر إلى ريجينا وقال بقلق
الاتصال انقطع مع اللي فوق.
في اللحظة نفسها، انفتح باب المصعد ببطء.
تجمد الجميع.
أشهر الحراس أسلحتهم نحو الباب.
لكن الخارج لم يكن أحدًا يحمل سلاحًا.
خرج رجل في الستين من عمره، تبدو عليه آثار الإرهاق، وثيابه مغطاة بالغبار.
ما إن وقعت عين ريجينا عليه حتى شهقت
بابا!
اندفعت نحوه، لكنه رفع يده بهدوء.
متقربيش… اتأكدي الأول.
توقف الجميع.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال
إيه اسم الكلبة اللي جبناها ليكي وإنتِ عندك عشر سنين؟
اغرورقت عينا ريجينا بالدموع.
لونا…
ابتسم والدها لأول مرة.
عرفت إنك لسه فاكرة.
أسرعت إليه واحتضنته بقوة.
قال بصوت متعب
مفيش وقت… لازم نمشي حالًا.
سألته
مين كان محتجزك؟
نظر إليها لحظة، ثم قال
ناس كانت عايزة تستولي على الأرشيف… لكن الأهم دلوقتي إننا نطلع من هنا.
قبل أن يسأل أحد سؤالًا آخر…
انطفأت الأنوار بالكامل.
ودوى صوت انفجار جديد في الأعلى.
ثم سُمع صوت انهيار ضخم، أعقبه غبار كثيف ملأ الممرات.
صرخ أحد الحراس
السقف الرئيسي بدأ ينهار!
أمسك والد ريجينا بيدها وقال بحزم
في مخرج قديم محدش يعرفه غيري… لكن لو اتأخرنا دقيقة واحدة، هيتقفل علينا للأبد.
وأسرع الجميع خلفه في ممر ضيق، بينما كانت أصوات الانهيارات تقترب منهم خطوة بعد أخرى، وكأن المصنع كله ينهار فوق رؤوسهم ركض الجميع خلف والد ريجينا داخل الممر الضيق، بينما كانت أصوات الانهيارات تقترب أكثر فأكثر.
بعد دقائق بدت كأنها ساعات، وصلوا إلى باب حديدي قديم يقود إلى خارج المصنع.
خرجوا واحدًا تلو الآخر، وما إن ابتعدوا عشرات الأمتار حتى انهار المبنى بالكامل خلفهم، وارتفعت سحابة ضخمة من الغبار.
وقفت ريجينا تنظر إلى المصنع الذي اختفى تحت الركام، ثم قالت بهدوء
كانوا فاكرين إنهم دفنوا الحقيقة.
ابتسم والدها وقال
الحقيقة عمرها ما كانت في المبنى… كانت في النسخ اللي خرجت معانا.
فتح رئيس الأمن الحقائب ليتأكد من محتوياتها.
كانت جميع وحدات التخزين والوثائق الأصلية سليمة.
وفي صباح اليوم التالي، عقد والد ريجينا مؤتمرًا صحفيًا حضره ممثلو الجهات المختصة، وسلّمهم كل الأدلة والوثائق والتسجيلات، بما فيها التسجيل الذي كشف خطة التخلص من ريجينا والاستيلاء على شركات العائلة.
بدأت التحقيقات رسميًا، وتم التحفظ على جميع الممتلكات محل النزاع إلى أن تنتهي الإجراءات القانونية، كما استُدعي كل من ورد اسمه في الملفات للإدلاء بأقواله.
أما ليوناردو، فقد وقف أمام المحققين صامتًا. أدرك أن الطمع الذي سمح له بالانجراف إليه دمّر مستقبله وسمعته، ولم يعد يملك ما يدافع به عن نفسه.
ونظرت ريجينا إليه للمرة الأخيرة وقالت
أنا مش فرحانة بسقوط حد… أنا فرحانة إن الحقيقة ظهرت قبل ما يضيع حق أي إنسان.
بعد أشهر، استعادت العائلة إدارة شركاتها بصورة قانونية، وأُعيدت الحقوق إلى أصحابها وفق ما أثبتته الوثائق.
أما ريجينا، فلم تعد تهتم بالمظاهر أو حفلات القصور.
أنشأت مؤسسة لدعم الشباب ورواد الأعمال، وخصصت جزءًا من أرباح شركاتها لتطوير أنظمة السلامة والأمن وحماية الوثائق المهمة، حتى لا تمر أي عائلة بما مرت به.
وفي يوم افتتاح المؤسسة، سلّمها والدها مفتاحًا قديمًا كان يحتفظ به منذ سنوات.
ابتسم وقال
زمان كنت فاكر إن القوة في الخزائن المقفولة… لكن اتعلمت إن القوة الحقيقية في الشخص الأمين اللي يحافظ على الحق.
ابتسمت ريجينا وهي تنظر إلى شروق الشمس، وقد شعرت لأول مرة منذ زمن طويل بالطمأنينة.
فقد خسرت حفل زفاف…
لكنها ربحت حياتها، وأنقذت والدها، وحمت إرث عائلتها، وأثبتت أن العدل قد يتأخر… لكنه لا يضيع أبدًا.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *