خدعه القبر للكاتب أحمد الشرقاوي
بعد وفـ,ـاة زوجي وانتهاء فترة العِدة لقيت أخويا داخل عليا وبيقولي إن فيه راجل متقدملي وإنهم هيسرعوا في إجراءات الزواج طالما الفترة عدت، وكدا كدا أحنا سُكان في منطقة محدش يعرفنا فيها ومحدش هيلومنا ولا هيقول علينا نص كلمة، والحقيقة إني فرحت مزعلتش ولا اتضايقت، لأني عارفة إني لو متجوزتش مش هلاقي الأكل..
أخواتي كل واحد منهم شغال باليومية وأختي متجوزة ومقطعانا من زمان ومحدش فيهم هيشلني ولا يستحملني، غير إني أجهضت ٣ مرات ومليش ولا زوج ولا أطفال، والغريب إني مسألتش على العريس، على عمره ولا شكله ولا أي حاجة إطلاقًا، طالما عنده شقة وبيشتغل وهيصرف عليا يبقا خلاص، ببساطة أحنا في بيئة معندكش فيها رفاهية الاختيار من الأساس..
يومين وجه اتقدملي فعلًا، راجل ملتحي وشكله وقور، لبسه كويس وبيدل إنه مرتاح ماديًا، وكان مهذب جدًا وقعد معايا، قالي إنه عارف إني مبخلفش وإني أرملة، وإن كل شروطه إني أراعي بنته الوحيدة، بنت من أصحاب الهمم وعندها مرض عقلي ومحتاجة رعاية، ومقابل ده إنه هيشلني في عنيه زي ما بيقول، وأنا وافقت، واتقالي إن يمكن ده تعويض ربنا عشان تكون ليا بنت لأني محرومة من الحاجة دي..
وفعلًا اتجوزنا ولقيت الأمور بسيطة وسهلة جدًا عكس المتوقع، البنت في أغلب الوقت ساكتة تمامًا مبتتحركش وتفرح غير مع رجوع أبوها من الشغل اللي كان بيستمر لـ ١٢ ساعة وأكتر، الأكل والشرب متوفر في البيت باستمرار، ممنوع الخروج لوحدي إلا للضرورة القصوى وأهم حاجة أراعي البنت ومتتأذيش بأي شكل من الأشكال مهما حصل..
وفعلًا كنت بعمل كدا، وكنت بحاول أشغل نفسي بأي حاجة، التلفزيون، السوشيال ميديا، فيديوهات طبخ على فيديوهات تانية وهكذا، لحد ما بدأت تظهر تصرفات غريبة على البنت، تصرفات مش مفهومة، لاحظت في مرة إنها واقفة قريب أوي من سور البلكونة وعمالة تتأمل الشارع، مرة تانية لقتها ماسكة سـ,ـكينة وعمالة تقربها من جسمها، مرة تالتة لقتها بتاخد أدوية كتير وكأنها عايزة تعمل في نفسها حاجة..
بصراحة كل الأمور دي قلقتني أوي وبدأت أصارح أبوها وأقوله يشوف طبيب ولا حاجة لأن البنت أفعالها غريبة وأنا خايفة أبعد عنها أو أسهو عنها وتعمل في نفسها حاجة، وفعلًا والدها عرضها على طبيب واتحطت تحت الملاحظة وبقينا خايفين وقلقانين عليها أوي، ورغم إني كنت بخلي بالي منها إلا إن أبوها كان موصي عليها بزيادة وكل يوم تقريبًا كان بيوصيني عليها..
حتى إنه كان بيقولي لو مـ ـات أو جراله حاجة، أخلي بالي منها لأن مالهاش حد غيره، وإنه مكلم محامي صاحبه، إنه لو مـ ـات الشقة هتكون باسمي شرط أخلي بالي من البنت وتعيش معايا والمعاش هيتصرف لينا أحنا الاتنين، معرفش أيه اللي جاب سيرة المـ ـوت دي، وليه كان بيقولها بالطريقة دي، بس الغريب إنه بعدها بأيام تعب وراح المستشفى، كان مجرد تعب بسيط لكنه اتحجز وفضلت حالته تسوء يوم بعد يوم لحد ما توفاه الله..
كانت صدمة ما بعدها صدمة، ملحقتش استمتع بجوزي ولا بجوازتي الجديدة أبدًا، لكني حمدت الله ولقيت نفسي مضطرة أنفذ وصيته، أنفذها بكل حذافيرها، المحامي جه وقعد معايا وقالي إن الشقة بتاعتي وكمان المعاش طول مانا مخلية بالي من البنت، وإنه هيتابع معانا كل الإجراءات وهيحل أي مشكلة ممكن تواجهنا في المستقبل..
وفعلًا فضلت مع البنت اللي كنت فاكرة إن حالتها هتتحسن مع الوقت، لكن للأسف حالتها كانت بتسوء يوم بعد يوم، لدرجة إنها مكنتش بتنام الليل إطلاقًا، دايمًا خايفة ومرعوبة وحالتها غريبة، ورغم إنها مكنتش بتتكلم إلا نادرًا، إلا إنها بقت بتتكلم وبتقولي إن أبوها عايش ممتش، وإنه بيزورها كل شوية وإنه زعلان منها، وهي مش عارفة تصالحه ازاي..
معرفش ليه كلامها كان بيخوفني جدًا لكني كنت بتمالك نفسي وكنت دايمًا بقولها إن كل دي هلاوس وإنها لازم تركز في حياتها عشان باباها يبقا مبسوط وهو في المكان التاني ده، لكنها يوم بعد يوم كان عندها إصرار إن أبوها بيزورها كل شوية لدرجة إنها كانت بتبكي بالليل كتير وكنت بصحى على بكائها، لحد ما فعلًا بدأت أخاف والموضوع زاد عن حده..
زاد بطريقة تخوف لدرجة إني بقيت بشوفه كتير في أحلامي، كان دايمًا غضبان، وبيقولي إن بنته مزعلتش عليه ولا عيطت عليه لما مـ ـات، وهو زعلان منها عشان كدا، الأحلام اتكررت بصورة متكررة لدرجة إني بدأت أفهم رسالة غريبة أوي، رسالة بتقول إن البنت لازم تبكي على أبوها، لازم تنعيه النعي الأخير..
وعشان ده يحصل لازم تروح تبكي مرة تانية عليه، بس تروح عند قبـ,ـره، أو بالأدق تروح تبكي جوة القبر بتاعه مرة تانية، ده اللي فهمته لما كلمت حد بيفسر أحلام، ورغم إني كنت خايفة عليها إلا إني ملقتش غير الحل ده، القـ,ـبر يتفتح والبنت تبكي على أبوها جوة وبعدين تخرج وكل حاجة هتتحل..
واتفقت مع حارس المقـ,ـابر بالفِعل إنه هيفتح القبر والبنت هتودع أبوها وتخرج ويقفله، لكني هكون موجودة على أول المقبرة لأني استحالة أقدر أحضر مشهد زي ده، وفعلًا روحناله في نص الليل، وخد البنت ودخلوا للمقـ,ـابر وفتحوا القـ,ـبر ودخلت البنت تبكي على أبوها، لكنه شوية وكلمني، وطلب مني أجي فورًا لأن فيه حاجة غريبة، ولازم لازم أجي عشان أشوفها، وملقتش حل غير إني أروح..
لقيته واقف قدام القبـ,ـر عامل زي الشـ,ـيطان، شاورلي جوة القبر وطلب مني أبص جوة، وأول ما بصيت زقني جوة وقفل عليا الباب، قفل عليا باب القبر، ومن برة سمعت، سمعت صوت جوزي، وسمعت صوت بنته، وسمعت منهم اللي خلاني أمـ,ـوت من رعبي..
البنت مش معاقة ذهنيًا إطلاقًا، البنت كانت حزينة على فقدان أمها وبس، وأبوها حاول يقنعها إنه يتجوز أكتر من مرة لكنها كانت بترفض، ولما أصر عليها اشترطت عليه إنها تمثل إنها مريضة عشان تشوف مراته الجديدة هتتحمل وتكون ست كويسة ولا لا، وفعلًا مثلت عليا إنها مريضة وأنا كنت بتعامل معاها كويس أوي، لحد ما شافتني بخـ,ـون أبوها، أيوة كنت بخـ,ـونه لأنه كان بيغيب عني كتير..
لما شافتني خوفت تحكي لأبوها عشان كدا بدأت أقوله إنها بتقف قدام البلكونة وبتمسك السـ,ـكينة وغيـ,ـره، عشان كنت بخطط أتخلص منها، بس كل مرة كنت بفشل، عشان كدا قررت أتخلص من أبوها نفسه وحطتله سـ,ـم في الأكل، لكني مكنتش أعرف إنها قالتله على خـ,ـيانتي، وإنه مكنش مصدقها وقرر يركب كاميرا يراقبني بيها ليل نهار، وشاف موضوع السـ,ـم وقرر إنه يأدبني..
المحامي بلغني فعلًا إنه مـ ـات في المستشفى، وإن المستشفى طلعته على المدافن على طول، وفضلت مع البنت، البنت اللي بدأت توهمني إنها بتشوف أبوها كل شوية، ولأني غبية قررت أتخلص منها هي كمان وأقنع المحامي إنها هربت، فاتفقت مع التُربي إنه يدفنها حية ووهمتها بحجة إن أبوها زعلان ولازم تبكي عليه جوة القبر عشان تكمل الحكاية..
مكنتش أعرف إن هي وأبوها والتُربي والمحامي كانوا مستنيين هناك، وبدل ما أحطها جوة القبر أنا اللي اتحطيت جوة، لكن كل ده مش مهم، المهم إني حاليًا حاسة بحاجة بتشدني، شايفة حاجة عنيها بتلمع جوة القبر، وحاسة إن روحي بتتسحب مني، ساوموني عشان أخرج إني أعرفهم مكان الشبكة ورقم حسابي وكل حاجة خدتها منه وأمضي تنازل عن كل حاجة، وأنا وافقت، واترجتهم يخرجوني..
لكني لما خرجت مكنوش محتاجين يعرفوا حاجة، لأني خرجت تايهة، خرجت بكلم نفسي، مريضة، ممسـ,ـوسة، بصرخ في الشوارع زي المجانين، خدوا كل حاجة ورموني في الشارع، معرفش عايشة ازاي ولا بروح فين ولا باجي منين، ولاد الحلال خدوني دار رعاية، وأديني عايشة هناك زي الأمـ ـوات، بشوف نفسي كل ليلة جوة القبر ومحدش عايز يفتحلي، بشوف نفسي ست خـ,ـاينة فكرت إنها هتاخد كل حاجة لكنها خسرت كل حاجة..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي