صحبتي وجوزي حكايات صافي هاني

الدنيا لفت بيهم، والوجوه اللي كانت شمتانة وفرحانة اتقلبت في ثانية لعلامات استفهام وصدمة مرعبة. مروة وشها بقا زي الأموات، بتبص للورقة اللي في إيدها وبتبص لطارق اللي النفس انقطع منه، وحماتي اللقمة وقفت في زورها ووجع قلبها ظهر في عينيها وهي بتبص لابنها مستنياه يكذبني.

​طارق حاول يخطو خطوة ناحيتي، وشه عرقان وصوته طالع يادوب وشوشة: “مي.. إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي؟ إيه الورق المزير ده؟”

​ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في الصالة وسط أغاني السبوع اللي كانت لسه شغالة في الخلفية وكأنها بتزيد المشهد غيلان وسخرية. “مزوّر؟ طب اطلب الدكتور بنفسك يا طارق.. اطلبه قدام الملايين دي كلها وقوله التقرير بتاع رقم السجل الطبي بتاعك بيقول إيه. قوله الـ صفر حيوانات منوية دي تزوير؟”

​مروة بدأت تصرخ ورمت الورقة من إيدها وكأنها ماسكة جمرة نار: “انتي كدابة! انتي بتتبلي عليا عشان مش عارفة تخلفي! طارق قالي.. طارق قالي إنه عمل كل حاجة عشانك!”

​بصيت لمروة من فوق لتحت بقرف، الصاحبة اللي فتحتلها بيتي وأسراري، اللي كانت بتعيط في حضني لما تزنقها الدنيا. قربت منها ووشوشتها بس بصوت مسموع للكل: “طارق قالك كده عشان يداري عيب الراجل اللي يكسر رقبته.. بس اللي أنا مستغربة له.. طالما طارق مبيخلفش، وطالما طارق مصلحته معاكي زي ما سمعتكم في الممر بالمستشفى.. الواد ده ابن مين يا مروة؟ مين اللي ضحك على مين فيكم؟”

​طارق هجم على مروة ومسكها من دراعها بغشم وعينيه طالع منها شرار: “الورق ده صح؟ أنطقي! الواد ده ابن مين؟” مروة بدأت تصوت وتستنجد بأهلها، وحماتي وقعت على الكنبة بتلطم على وشها وتصرخ: “يا مصيبتي.. يا فضيحتنا وسط الناس! يا خراب بيتك يا طارق!”

​البيت اتقلب مجزرة، الخناقة اشتعلت بين أهل مروة وطارق، والصوت بقى جايب آخر الشارع، والكل نسي النونو الصغير اللي كان بيصرخ في سريره وسط الزيطة.

​أنا مسكت شنطتي بكل هدوء، وبصيت لطارق للمرة الأخيرة وهو بيضرب كف بكف ودموعه نازلة من القهر والصدمة في شرفه وفي صاحبتي اللي خانته مع غيره باسمه، وبصيت لحماتي اللي كانت هتموت من السكتة القلبية. مشيت وخطواتي كعبها بيرن على السلم بثقة مكنتش موجودة من خمس سنين.

​ركبت عربيتي، ودورت المحرك، وحسيت بنسمة هوا باردة ونضيفة بتدخل صدري لأول مرة.. قفلت الموبايل تماماً، وسوقت في طريق كورنيش النيل والمدينة بتمر من جنبي سريعة.. بس المرة دي، أنا كمان كان عندي مكان واضح وعارفة أنا رايحة فين بالظبط.

​بعد يومين بالتمام، كنت قاعدة في مكتب المحامي بتاعي بفر في ورق قض..ية الخلع وبمضي عليه وأنا بشرب قهوتي بمزاج. المحامي بص لي وقال لي: “يا مدام مي، جوزك قالب الدنيا عليكي، ووالدته اتصلت بيا وبتعيط وبتقول عايزة تبوس رجلك عشان تتنازلي عن قض..ية التشهير اللي رفعتيها ومستعدين يدولك كل حقوقك والمؤخر والشقة.. بس تلمي الموضوع”.

​حطيت فنجان القهوة وبصيت له بابتسامة مرتاحة: “الموضوع اتلم خلاص يا المتر.. الفضيحة بقت على كل لسان، والتحاليل أثبتت في النيابة إن الواد مش ابنه بعد ما هو نفسه طلب تحليل DNA.. أنا مش عايزة شقق ولا عايزة فلوس.. أنا هاخد حريتي وبس، والورقة دي تروح له لحد باب البيت.. عشان يعرف إن ‘البقرة الحلوب’ اللي كان فاكرها مغفلة، هي اللي ذبحت كبريائه كله”.

​وأنا خارجة من مكتب المحامي، وداخلة في زحمة شوارع وسط البلد، شميت ريحة الحرية الحقيقية.. بس فجأة، لقيت رقم غريب بيرن على موبايلي.. فتحت الخط وجالي صوت أنفاس متقطعة ومرعوبة.. صوت مروة وهي بتعيط بهستيريا وتصرخ: “مي.. الحقيني.. طارق هيقتلني.. طارق عرف الحقيقة وعرف مين أبو الولد.. وطالع لي بالطبنجة دلوقتي!”

 

جسمي سقع في مكاني والخط قطع. صوت صريخها وهو بيترجّ في ودني وفصل المكالمة فجأة خلاني أقف في وسط الرصيف مش سامعة أصوات العربيات والزحمة اللي حواليا.

​بيني وبين نفسي، للحظة، الشيطان وزّني: “تستاهل، سيبيه يخلص عليها ويدخل السجن وتخلصي من الاتنين.” بس الدين والأصول والتربية اللي في دمي صحيوا فجأة.. مهما كانت الخيانة فاجرة، الروح دمها حرام، والإسلام ميرضاش بالقتل والفضايح اللي توصل للدم.

​طلعت جري على عربيتي، وسوقت بأقصى سرعة وفي نفس الوقت اتصلت بالنجدة بلغت عن عنوان شقة مروة وعن بلاغ شروع في قتل.

​وصلت لبيت مروة في نفس وقت وصول بوكس البوليس وسارينة الإسعاف اللي كانت قالقة المنطقة. الشارع كله كان واقف يتفرج، والناس بتبص لفوق. نزلت من العربية وجريت ورا العساكر والضابط وهم بيكسروا باب الشقة.

​المشهد جوة كان يوقف الموت نفسه.

البيت متبهدل، والتحف مكسرة، ومروة ساجدة في الأرض وبتصرخ وهي حاضنة ابنها، وطارق واقف فوق راسها وعينيه حمرا زي الدم، وماسك الطبنجة وموجهها لوشها، وإيده بترحف من الغل. وحماتي كانت واقعة في الصالة مغمى عليها مابتنطقش.

​الضابط زعق: “ارمي السلا..ح يا طارق! ارمي السل..اح ووسّع من قدامها!”

​طارق لفت نظره الحركة، وبص ناحية الباب، أول ما شافني.. عينيه لمعت بدموع عاجزة، وصرخ بصوت شرخ: “شفتي يا مي؟ شفتي الخاينة؟ طلعت متجوزة عرفي من ورايا! من ورايا أنا! وكانت بتخليني أصرف عليها وعلى ابنها من فلوسك إنتي! الواد ابن صاحب عمري يا مي.. ابن هاني!”

​المرادي مروة هي اللي صرخت بذل وهي بتبكي: “كانت غلطة.. والله العظيم كانت غلطة وهو اللي ضحك عليا لما عرف إنك مابتخلفش، قالي هأمن مستقبلك ومستقبل ابنك لما طارق يكتبله كل حاجة!”

​الضابط لمح غفلة طارق وهو بيبصلي، وفي ثانية هجموا عليه العساكر، ثبتوه في الأرض وسحبوا السلا..ح من إيده. طارق كان بيعافر زي المذبوح وهو بيصرخ باسمي: “سامحيني يا مي.. أنا أسف.. أنا اللي ضيعت نفسي وضيعتك!”

​بصيت لطارق وهو بيتكلبش، ولحماتي اللي المسعفين بيشيلوها على نقالة مش عارفين هتعيش ولا هتموت من جلطة الصدمة، ولمروة اللي كانت بتلم هدومها المتقطعة والبوليس بيسحبها هي كمان بتهمة التزوير والنصب.

​حسيت بنفوري وقرف من المكان كله.. ربنا جابلي حقي تالت ومتلت، وفي ثواني معدودة، العدالة الإلهية خلصت كل حاجة من غير ما أوسخ إيدي بنقطة دم واحدة. الديرة لفت، واللي حفر حفرة لأخته المسلمة وقع فيها، والظلم ظلمات في الدنيا قبل الآخرة.

​لفيت ضهري وخرجت من الشقة ومن حياتهم كلها، نزلت السلم وأنا باخد نفس طويل أوي من قاع قلبي.. المرة دي، الحكاية اتقفلت بجد، والست اللي صانت بيتها وشرفها بتمشي وراسها في السماء، وال خاينين مكانهم الطبيعي ورا القضبان.

بعد شهرين بالتمام، كنت قاعدة في مطار القاهرة، ماسكة باسبوري وتذكرتي لميلانو. الشغل طلب نقل طارئ لإدارة الفرع الرئيسي هناك بعد كل اللي حصل، ومكنتش محتاجة تفكير عشان أوافق.. البلد دي مابقاش ليا فيها غير ذكريات وجع، وربنا فتح لي باب جديد أبدأ فيه من أول وجديد.

​قبل ما أدخل صالة المغادرة، فتحت الموبايل أبص على الأخبار الأخيرة لآخر مرة: طارق ومروة لبسوا قضايا نصب وتزوير ووصول أمانة، وحماتي خرجت من المستشفى بنصف شلل، والكل بقى سيرتهم على كل لسان.. سبحان الملك، “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”.

​قفلت التليفون وشيلته في الشنطة. وبصيت من الإزاز الكبير على الطيارة اللي واقفة على الممر مستنياني.

​حطيت إيدي على قلبي، وبسم الله توكلت على الله. مشيت بخطوات ثابتة وواسعة، وفي عيني لمعة أمل حقيقي مكنتش موجودة من سنين.. لمعة ست وثقت في ربها، فصان شرفها، ورجع لها حقها، وخرجت من وسط النار.. مفيش في إيدها غير حريتها وكرامتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *