جوزها بقلم مني السيد
فتحتُ الظرف الأصفر القديم اللي كان مختوم بشمع أحمر، وكأنني بفتح صندوق أسرار من عالم تاني. أوراق قانونية، صور قديمة، ورسالة بخط إيد أمي، “الحاجة فاطمة”، اللي اكتشفت إنها ما كانتش مجرد ست أعمال وشطارة، دي كانت بتخبي “زلزال” كامل عني.
قرأت الرسالة ويدي بتترعش: “يا مروة يا بنتي، لو وصلك الورق ده، يبقى محمود كشر عن أنيابه، ويبقى أنا خلاص مش جنبك. يا بنتي أبوكي ما ماتش في حادثة، أبوكي كان شريك في أكبر مؤسسة استثمارية في مصر، والورق ده يثبت إن محمود لما اتجوزك، ما كانش بيدور على ست بيت، كان بيدور على “الوارث الوحيد” لشركة “النور”، الشركة اللي محمود وعيلته دمروا حياة أبوكي علشان يسيطروا عليها زمان.. ومحمود ما هو إلا أداة في إيدين ناس أكبر منه بكتير”.
وقفتُ وسط صالة الفيلا، والبيت اللي كان دايماً بيبان لي كبير ومهيب، بدأ يحسسني بضيق تنفس. كل قطعة عفش، كل حيطة، بدأت تحكي لي حكاية خيانة. محمود ما كانش مجرد طماع، كان “مهمة” متنكرة في صورة جوز، وأمه أمينة ونيروز كانوا “الحراس” اللي بيراقبوا “الرهينة” اللي هي أنا.
في اللحظة دي، الموبايل رن. رقم غريب. رديت وقلبي بيدق بعنف.
— مروة.. اسمعيني كويس. محمود وأهله ما دخلوش السجن، حد كبير دفع كفالة وخرجهم، وهما دلوقتي في طريقهم للفيلا.. مش عشان يتفاهموا، بس عشان ينهوا “المشكلة” اللي هي أنتِ.
صوت المحامي عادل كان مليان قلق. قفلت السكة، وبصيت حواليا. كان لازم أتحرك. مش ههرب، المرة دي أنا اللي هحط القواعد. دخلت أوضة المكتب، فتحت اللابتوب، وبدأت أربط الخيوط. اكتشفت إن حسابات الشركة اللي محمود كان بيسرق منها، مربوطة “بسيستم” خارجي، سيستم بيسجل كل حركة دخول وخروج لأي ملف. محمود كان بيعتمد على جهلي بالتكنولوجيا، بس هو نسي إني كنت بقضي ليالي كاملة مع أمي، بشوفها بتدير شغلها، وإني اتعلمت منها أكتر مما كنت فاكرة.
سمعت صوت عربية بتفرمل قدام الفيلا. صوت محمود وهو بيزعق. “افتحي الباب يا مروة، بلاش الهبل ده، الموضوع لسه ممكن يتحل بالود!”
ضحكت بسخرية. ود؟ بعد ما حبسوني عشان أموت بحسرتي؟
فتحت باب الفيلا بهدوء ووقفت في البلكونة اللي بتطل على الجنينة. كانوا واقفين تحت، محمود ونيروز وأمينة، ومعاهم راجل غريب، باين عليه إنه من “رجالة” أصحاب محمود، شكله يبعث الرعب.
— انزلي يا مروة، بدل ما نكسر الباب ونخلص عليكي بطريقتنا، مفيش محامي ولا شرطة هينفعوكِ دلوقتي!
نظرت لهم من فوق، كنت ماسكة “فلاشة” في إيدي، وابتسامة باردة مرسومة على وشي.
— محمود.. أنت فاكر إنك أذكى مني؟ أنت كنت فاكر إنك لما حبستني في أوضة الخزين، إنك حبست مروة الضعيفة؟ أنت حبست الشخص الوحيد اللي كان بيحبك بجد. بس مروة اللي واقفة قدامك دلوقتي، هي مروة اللي ورثت “غضب” فاطمة، وورثت “عقل” أبوها اللي أنت دمرته!
نيروز صرخت:
— اسكتي يا قليلة الرباية! اطلعي هاتيها يا أمي، دي مش وراها حد!
نزلتُ السلم ببطء، خطوة ورا خطوة، زي ما بكون ماشية في استعراض نصر. في اللحظة اللي دخلوا فيها الفيلا، كنت مجهزة “المفاجأة”. ضغطت على زرار في الريموت اللي كان في جيبي، وفجأة، الشاشات الكبيرة اللي في الفيلا كلها نورت، وبدأت تعرض صور، فيديوهات، وتسجيلات صوتية.. كل مكالمة محمود مع أصحابه وهما بيتفقوا على السرقة، صور أوراق التزوير، وحتى فيديو لأمينة وهي بتسرق دهب أمي في أول أيام جوازي.
محمود وقف متجمد، عيونه بتبص على الشاشات برعب.
— إيه.. إيه ده؟
— دي “تذكرة خروجك من حياتي”، يا محمود، ومن حياة الناس اللي سرقتهم. الفلاشة دي مش بس فيها إدانتك، دي فيها نسخة مبعوتة للنيابة، وللصحافة، وللشركاء اللي كنت بتغسل ليهم فلوسهم. أنت النهاردة مش بس فقدت البيت، أنت فقدت مستقبلك كله.
الراجل الغريب اللي كان معاهم اتغير وشه، وبص لمحمود بنظرة كلها تهديد. محمود بدأ يتراجع لورا.
— مروة، اهدي.. نتفاهم، ممكن نرجع كل حاجة، ممكن…
قاطعته بقوة:
— التفاهم خلص يوم ما قفلت الباب عليا وأمي بتموت. النهاردة، أنا مش بطلب حقي، أنا باخد حق كل لحظة انكسار عشتها.
في اللحظة دي، دخلت قوة من الشرطة، بس المرة دي مش جاية للاستجواب، كانت جاية بـ “أمر قبض” مباشر. والمنظر كان مهين، محمود اللي كان بيتعالى عليا، اتقيدت إيديه قدام أمينة ونيروز اللي كانوا بيصرخوا بانهيار.
أمينة بصت لي بضعف:
— مروة، دي مرات ابنك، ده عيش وملح..
بصيت لها ببرود:
— العيش والملح بيصونوا الأصول، وأنتو اللي خنتوا الأمانة.
بعد ما أخدوهم، حسيت بهدوء غريب بيسود الفيلا. قعدت على الكرسي اللي كان محمود بيقعد عليه، وفتحت الورق اللي كان متبقي في ظرف أبويا. لقيت خريطة لمكان، مكان مش في التجمع، مكان في صعيد مصر، في سوهاج، نفس المكان اللي سافرت له أمي قبل وفاتها بشهور.
لقيت رسالة أخيرة: “يا مروة، لو وصلتي للمرحلة دي، اعرفي إن محمود ما كانش إلا “الواجهة”. الحقيقة ورا كل ده موجودة في سوهاج، في الأرض اللي أخدوها مننا بالظلم. هناك هتلاقي “المفتاح” اللي يرجع هيبة العيلة، وهناك هتلاقي الحقيقة اللي محمود كان بيحاول يق*تلك عشان ما تعرفيهاش”.
قمت ووقفت، بصيت في المراية، ملامحي اللي كانت دايماً بتبان مكسورة، بقت دلوقتي قوية، فيها نظرة تحدي. رحلتي لسه ما انتهتش، والحقيقة اللي مستنياني في سوهاج هي اللي هتقرر مروة دي هتبقى مين. أخدت شنطتي، وورق أبويا، وقررت إني مش هسيب حق ليا ولا لأهلي.
أما محمود؟ فقصته انتهت بالنسبة لي، بس الحكاية الحقيقية.. بدأت دلوقتي، وبدأت مع سؤال واحد: هو أبويا فعلاً كان شريك في المؤسسة دي، ولا كان فيه خيانة أكبر بكتير أنا لسه ما عرفتهاش؟
يتبع في الفصل الأخير..
سقطت العربية، والطريق ممتد قدامي زي شريط ذكريات حزين. سوهاج.. البلد اللي أمي راحت لها في سكات، كأنها كانت بتجهز لي “تركة” مش بس أرض وفلوس، كانت بتجهز لي حقي اللي ضاع سنين. الساعات كانت بتعدي، والمسافة اللي قطعتها كانت 909 كيلومتر، كل كيلومتر كان بيخلصني من “مروة” القديمة، وبيصحّي “مروة” اللي قررت إنها ما ترحمش.
وصلتُ المكان اللي مكتوب في الخريطة. كانت أرض زراعية كبيرة، مش مجرد حتة أرض، ده كان “عزبة” كاملة، لكن حالها كان يصعب على الكافر. البيوت مهدومة، والأرض بور، والناس اللي عايشة هناك عيونهم مكسورة، خايفة، بتبص لي بحذر. نزلت من العربية، الكل اتجمع، ستات لابسين أسود، ورجالة ملامحهم شايلة قسوة الشغل في الأرض.
خرج لي راجل عجوز، وشه محفور فيه تعب السنين، بيمشي بعكاز خشب، وقف قدامي وقال بصوت مبحوح:
— إنتِ بنت فاطمة؟
هزيت راسي وأنا بحاول أتمالك أعصابي.
— أيوه.. أنا مروة بنت فاطمة.
الراجل دمعت عينه وقال:
— أمك كانت بتيجي هنا كل سنة، بتوزع رزقها على الناس الغلابة اللي انطردوا من أرضهم لما محمود وأعوانه زوروا الورق وطردوا أهالينا. أمك كانت “الضهر” الوحيد اللي لينا هنا، وكانت بتدفع للمحاميين عشان يرجعوا الأرض، بس كان فيه “حد” أكبر من محمود بيعطل كل حاجة.
في اللحظة دي فهمت. محمود ما كانش هو رأس الأفعى، محمود كان مجرد “مخلب”. دخلتُ البيت القديم اللي كان ملك جدي، بيت ريحة الطين فيه قوية، ريحة أصالة. قعدت على الأرض، وفتحت الصندوق اللي كان مدفون تحت بلاطة في ركن الأوضة، الصندوق اللي أمي سابت لي رسالة عنه.
الصندوق كان فيه “أوراق ملكية” أصلية، ومحاضر رسمية، وتسجيلات صوتية لـ “رجل أعمال” كبير، اسمه “منصور الديب”.. الاسم اللي سمعته كتير في قصص أمي وهي بتترعب منه. طلع هو ده اللي كان بيستخدم محمود كـ “واجهة” عشان ينهب أملاك الناس في الصعيد.
سمعت صوت عربيات داخلة العزبة. الغبار بدأ يعفر المكان. قلبي دق، بس مش خوفاً، ده كان نبض القوة. محمود كان في السجن، بس “منصور الديب” كان طليق، وكان فاكر إن بمجرد ما محمود اتسجن، اللعبة انتهت. نزل من العربية الفارهة، لابس بدلة غالية، ملامحه باردة، وبص لي بنظرة احتقار:
— أهلاً يا مروة. بقالك فترة بتلعبي بالنار. فاكرة إنك لما تحبسي محمود هتهدي اللعب؟
وقفت قدامه، كنت لابسة أسود، وقفتي كانت أقوى من وقفته.
— اللعب ما هداش يا منصور. اللعب بدأ دلوقتي. محمود دفع تمن خيانته، ودورك أنت جاي.
ضحك منصور بسخرية:
— أنتِ فاكرة إنك معاكي ورق؟ الورق ده ملوش قيمة هنا. سوهاج دي بلدي، والقانون فيها أنا.
في اللحظة دي، طلعت من جيبي الموبايل، وعملت “بث مباشر” لكل اللي بيحصل على صفحة “روايات واقتباسات” اللي بقيت أقوى منصة في مصر، والصفحة اللي بقت “صوتي” اللي بيوصل للملايين.
— بص يا منصور، أنا مش لوحدي. أنا ورايا آلاف الستات اللي زيه، وآلاف الناس اللي اتظلمت. أنا سجلت كل كلمة قلتها دلوقتي، وكل تهديد وجهته لي. والناس دي كلها.. بتسمعنا دلوقتي.
الراجل اللي كان معاه تراجع، والناس اللي كانت متجمعة حوالين البيت بدأت تصرخ: “عايزين حقنا! يا حرامية!”. منصور اتغير لونه، وبدأ يحس إن الأرض بتتهز تحت رجله. القوة اللي كان بيستمدها من “الخفاء” اتكشفت.
في الوقت ده، وصلت عربيات الشرطة. بس المرة دي، مش عربيات عادية. كانت لجنة رقابية كبيرة، عرفت عن فساد “الديب” من خلال الفلاشة اللي بعتها المحامي عادل، ومن خلال الضغط اللي عملته على السوشيال ميديا.
لما اتقبض على منصور، حسيت إن جبل من على صدري انزاح. مش بس حق أمي اللي رجع، حق كل فلاح انطرد من أرضه، حق كل إنسان غلبان كان بيفتكر إن الظلم أبدي.
بعد ما هديت الأمور، قعدت مع العجوز في الجنينة، والجو كان هادي لأول مرة.
— عملتيها يا بنتي. رجعتي هيبة العيلة.
بصيت للسما، وشفت خيال أمي.
— مكنش حقي لوحدي يا عمي. ده حق الكل.
رجعت القاهرة، بس ما رجعتش “مروة” اللي كانت بتستنى محمود يرجع من السهرة. رجعت “صاحبة القرار”. محمود خسر كل شيء، وطلبت الطلاق وأخدت كل حقوقي القانونية. أمينة ونيروز؟ دخلوا السجن في قضايا تزوير تانية.
بدأتُ أدير أملاك أبويا وأمي. حولت العزبة في سوهاج لـ “مشروع تنموي” بيشغل شباب البلد، وبيزرع أرضها تاني. بقيت “الكاتبة” اللي بتكتب قصص حقيقية، مش بس خيال، قصص عن القوة بعد الانكسار.
قعدت في مكتبي، بكتب الفصل الأخير من حياتي القديمة. كتبت: “مفيش وجع بيستمر للأبد، ومفيش ظالم بيفضل في مكانه. اللي بيبدأ حياته على أكتاف الناس، بينتهي وهو بيدور على مخرج.. وأنا لقيت مخرجي.. مش في الهروب، بس في المواجهة”.
مسحت الدمعة الأخيرة من عيني، وقمت عشان أقابل المحامي عادل، كان عندي اجتماع بخصوص تأسيس مؤسسة خيرية باسم “الحاجة فاطمة”. خرجت من الفيلا، والشمس كانت طالعة، شمس جديدة، لنفس جديدة، مروة اللي ما بقتش تخاف من الضلمة، لأنها بقيت هي النور اللي بيكشف خبايا الظلمة.
الحكاية ما انتهتش، لأن كل يوم فيه قصة جديدة، وكل قصة محتاجة بطلة تكسر حاجز الصمت. وأنا.. أنا كنت أول واحدة في الصف.
*تمت بحمد الله.*