ظلم حماتي
مريم كانت بتترعش في حضني، وإيدها متثبتة على بطنها بكل قوتها، ووشها اتحول للون أزرق باهت كأن الدم هرب من عروقها في ثانية، وبصوت طالع من وسط الأنين وهمست في ودني بكلمة واحدة نزلت عليا زي الصاعقة: “الحقني يا دانيال… أنا بنزف من الصبح وأمك حلفاني ما أقولكش عشان ما أعطلكش عن الشغل!”.
الكلمة دي لفت بيا الشقة، حسيت إن الحيطان بتلف، والأرض بتميد تحت رجلي، بنزف من الصبح؟ بنزف وهي واقفة على رجليها بتغسل مواعين وتخدم أربع ستات طول بعرض؟! بصيت تحت رجليها، ووسط قزاز الطبق المكسور، لمحت نقط دم نازلة على البلاط الساقع، نقط كانت كفيلة تخلي عقلي يطير، في اللحظة دي الهدوء اللي كان جوايا اتقلب لبركان، طاقة غضب عمري ما حسيت بيها في حياتي كلها، لفيت وشي ناحية باب المطبخ وخرجت الصالون زي الوحش الجريح، صدمة عمري كانت في منظرهم؛ أمي لسه بتهز رجليها وبتنقنق في اللب، وأخواتي باصين في شاشات الموبايلات ولا كأن في روح بتموت جوة.
زعقت بعلو صوتي، صوت هز جدران البيت وشرخ الإزاز: “بقى بتموتوها؟! بقالها شهرين بتموتوها وساكتين؟! وكمان بتنزف من الصبح ومخبيين عليا يا ظلمة؟! دي ملائكة؟ دول أهل دول ولا عقارب؟!”.
أمي اتخضت من صوتي وقامت نص قعدة، وشها جاب ألوان بس حاولت تبان قوية ومسيطرة، لوحت بإيدها وقالت ببرود مقرف: ” جرى إيه يا واد أنت؟ هتعلي صوتك على أمك عشان حتة بت فرفورة؟ نزيف إيه وولية إيه، دي تلاقها شوية مية نازلة منها من التعب، ما تهولش الأمور وتقف صفها علينا، إحنا أهلك اللي لحمك من كتافنا!”.
شيماء قامت وقفت وهي حاطة إيدها في وسطها وقالت بجاحة: “جرى إيه يا دانيال؟ إحنا مالنا؟ هي اللي فضل تنضف وتقول أنا كويسة، إحنا طلبنا منها حاجة؟ وبعدين دي حامل يعني مش عيانة، ما تعملناش فيها سبع الرجال هنا!”.
ما رديتش عليهم، الكلام معاهم في اللحظة دي كان تضييع وقت وروح مراتي وابني بتتسحب، دخلت المطبخ شلت مريم بين إيديا، كانت خفيفة قوي، خست النص من الهم والتعب وأنا مش واخد بالي، نايمة في حضني زي العصفورة المبلولة وبتتأوه بصوت مكتوم وتقول: “ابننا يا دانيال… ابني هيروح مني”، خبيتها في صدري وخرجت بيها الصالون، أمي لما شافت منظر مريم ووشها اللي زي الجثة، عيونها زاغت، وأخواتي رجعوا لورا خطوتين والخوف ظهر على وشوشهم لأول مرة، بصيت لأمي بنظرة حقد عمري ما تخيلت إني أبص لها بيها، وقلت لها بصوت واطي ومزلزل: “لو مراتي أو ابني جرى لهم حاجة، انسوا إن ليكم أخ أو ابن اسمه دانيال، وحسابكم معايا لسه ما بدأش”.
نزلت بيها السلم جري، السلالم كانت بتخلص تحت رجلي في ثانية، وفي شارع عين شمس الضلمة، فضلت أصرخ وسط العربيات زي المجنون: “تاكسي! حد يلحقني بتاكسي!”، الناس اتلمت عليا، وجاري أبو أحمد صاحب المحل جرى عليا وشاف المنظر، فتح باب عربيتة الـ 128 وقال لي: “اركب يا دانيال بسرعة!”، ركبت ورا وأنا واخد مريم في حضني، بمسح على وشها العرقان وبقول لها: ” خليكي معايا يا مريم، عشان خاطري افتحي عينك، أنا جنبك ومش هسيبك، حقك هيرجع والله العظيم هيرجع”.
العربية كانت بتجري في شوارع القنابل والزحمة، وأنا حاسس إن الوقت بيخنقني، كل دقيقة بتعدي كأنها سنة، مريم غابت عن الوعي تمامًا ودموعها نشفت على خدها، لما وصلنا مستشفى الدمرداش، نزلت بيها وجريت على الطوارئ وأنا بصرخ: “دكتور! مراتي بتموت! الحقوني!”، الممرضين جابوا الترولي بسرعة وأخدوها مني، ودخلوا بيها على غوطة العمليات، وواحد من الدكاترة زقني لبرة وقال لي: “استنى هنا يا أستاذ، حالتها حرجة جدًا والنزيف شديد”.
وقفت في الطرقة لوحدي، هدومي متبهدلة دم وعرق، إيد اللى شقيت ١٤ ساعة في المخازن كانت بترتعش زي ورقة شجر في الخريف، قعدت على الرصيف في الطرقة، حطيت راسي بين ركبي وانفجرت في العياط، عياط راجل حس إنه اتغفل واتغدر بيه من أقرب الناس ليه، أنا اللي كنت بحرم نفسي من اللقمة عشان أمي تاخد علاجها الضغط والسكر، أنا اللي كنت بشتغل شيفتين عشان أخواتي البنات يلبسوا أحسن لبس ويمسكوا أحدث موبايلات عشان محدش يبص لهم بنظرة نقص، أنا اللي كنت فاكر إني بعمل بأصلي وبحمي ضهري، في الآخر ضهري هو اللي انطعن من أهلي!
ساعتين مروا عليا كأنهم دهر، طرقة المستشفى كانت ساقعة وموحشة، ريحة المطهرات بتخنقني، وكل شوية يتهيأ لي إني سامع صوت مريم وهي بتناديني، فجأة الباب اتفتح وخرج الدكتور، وشه كان مرهق ونازل منه العرق، جريت عليه ومسكت في قميصه: “طمني يا دكتور، أرجوك قولي إنهم كويسين”.
الدكتور اتنهد وبص لي بنظرة شفقة وقال: “الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة، النزيف كان بسبب انفصال مبكر في المشيمة نتيجة ضغط عصبي ونفسي وجسدي شديد جدًا، الست كانت شيلالها جبال مش حملها، اضطرينا نعمل عملية قيصرية طارئة لإنقاذ الجنين”.
قلبي دق بسرعة: “والولد؟ ابني عايش؟”.
الدكتور ابتسم نص ابتسامة وقال: “عايش الحمد لله، بس نازل ناقص ومحتاج يتحط في الحضّانة فورًا لإن رئته لسه ما اكتملتش، وأمه اتنقلت أوضة الرعاية المركزة وهتفضل تحت الملاحظة ٢٤ ساعة لحد ما نطمن على العلامات الحيوية، ادعيلهم”.
مشيت ورا الدكتور لحد ما وراني ابني من ورا لوح إزاز الحضّانة، حتة لحمة حمراء، صغير جداً، متوصل بخراطيم وأجهزة بتساعده يتنفس، عيني دمعت وأنا شايفه بيصارع عشان يعيش، همست له من ورا الإزاز: “سامحني يا ابني… سامحني إني ما عرفتش أحميك أنت وأمك، بس وحياة دموع أمك الشقا اللي فات كوم، واللي جاي كوم تاني خالص”.
سبت المستشفى بعد ما اطمنت إن مريم نايمة ومستقرة تحت تأثير البنج، وركبت مواصلات ورجعت على شقتي في عين شمس، الساعة كانت داخلة على ٤ الفجر، الشوارع هادية، بس جوايا كان في إعصار مش هيسيب الأخضر واليابس.
فتحت باب الشقة، لقيتهم قاعدين زي ما هم، بس الجو كان مشحون بالخوف، أمي كانت صاحية وبتشرب شاي، وأخواتي الثلاثة متجمعين حواليها وبيتكلموا بصوت واطي، أول ما دخلت، كلهم بصل لي بترقب، أمي حطت الكوباية وقالت بنبرة حاولت تخليها حنينة بس مكشوفة: “حمد الله على السلامة يا ضنايا، طمنا، البت جرى لها إيه؟ والواد عايش؟”.
ما ردتش عليها، دخلت الأوضة بتاعتي، طلعت شنطة سفر كبيرة، وفتحت الدولاب، وبدأت ألم هدوم مريم وهدومي وهدوم البيبي اللي كنا شاريينها ومجهزينها، بكل هدوء وبدون ولا كلمة، أخواتي دخلوا ورايا الأوضة، ومنة قالت بخوف: “أنت بتعمل إيه يا دانيال؟ بتلم هدومك ليه؟”.
خرجت بالشنطة الصالون ورزعتها في الأرض، وبصيت لأمي اللي وقفت وقالت بغضب: “أنت هتسيب البيت وتكسر بيا عشان خاطر مرتك؟ دي آخرة تربيتي فيك؟”.
وقفت قدامها، وبكل ثبات وجبروت عمري ما عشته، قلت لها: “تربيتك؟ التربية دي هي اللي خلتك تشوفي واحدة حامل في الشهر الثامن بتموت وبتنزف وتجبريها تخاف تقول لجوزها عشان ما تعطلوش عن الشغل؟ التربية دي هي اللي خلت بناتك الكبار البايرات يقعدوا حاطين رجل على رجل ويشغلوا مراتي السرحانة عندهم خدامة؟”.
أمي زعقت: “أنا أمك! ليا حق عليك وعلى اللي يتجوزك!”.
قلت لها بصوت حاد زي الموس: “حقك عليا كان بيتدفع من دمي وصحتي كل شهر، بس من اللحظة دي، مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده، الشقة دي إيجار جديد باسمي، والايجار هيخلص الشهر الجاي، ورقتكم هتوصلكم من صاحب البيت عشان تخلوا الشقة، الموبايل اللي في إيدك يا شيماء، القسط بتاعه مش هيدفع والشركة هتيجي تاخده منك، ومصاريف كليتك يا نهى ودلعك يا منة، انسوه، من النهاردة كل واحدة فيكم تشمر كمامها وتشوف هتعيش إزاي، أنا كنت شايلكم على راسي وكنتم فوق راسي، بس لما تدوسوا على مراتي وابني وتجيبوا دمهم، يبقى تداسوا تحت رجلي”.
أمي لمت الملاية حواليها وصوتت: “يا لهوي! بتطرد أمك وأخواتك البنات في الشارع يا دانيال؟ بترميهم عشان حتة حُرمة؟”.
قلت لها وأنا بفتح باب الشقة وبشيل الشنطة: “الحُرمة دي هي اللي صانتني وصانت بيتي في غيابي وهي تعبانة، وأنتم اللي أكلتم خيري ونهشتم في لحمي، الشقة دي تسيبوها خلال ٣٠ يوم، وعلاقتي بيكم انتهت لحد ما أشوف ابني هيخرج من الحضّانة ولا هيدفن بسببكم”.
خرجت ورزعت الباب ورايا، وسبت ورايا صوت صريخهم وعياطهم اللي مابقاش يحرك فيا شعرة واحدة، نزلت الشارع والهوا الفجر الساقع ضرب وشي، حسيت لأول مرة إني بتنفس صح، إني بقيت راجل حر، ومسؤول عن عيلتي الحقيقية اللي بتبدأ بمريم وابني.
رجعت المستشفى وقضيت الليلة على الكرسي جنب أوضة الرعاية، الصبح طلع، ومريم بدأت تفوق، فتحت عينها بتعب، أول ما شافتني، دموعها نزلت وهمست: “البيبي فين يا دانيال؟ مات؟”.
قعدت جنبها على السرير، أخدت إيدها بين إيديا وبستها وقلت لها والدموع في عيني: “البيبي عايش وزي الفل يا قلب دانيال، في الحضّانة وهيطلع قريب، وأنا سبت البيت وطردتهم كلهم، من النهاردة مفيش مخلوق هيقدر يرفع عينه فيكي، إحنا هنبدأ من جديد، في مكان نضيف وبعيد عن أي حد يؤذينا”.
مريم ابتسمت وسط دموعها، وحسيت إن الروح رجعت لها تاني، قعدت معاها طول اليوم لحد ما حالتها استقرت تمامًا، والدكاترة قالوا إنها ممكن تخرج بعد يومين، بس الولد هيفضل في الحضّانة حوالي أسبوعين لحد ما وزنه يزيد ورئته تكتمل.
في اليومين دول، ما قعدتش مكاني، كلمت واحد صاحبي شغال في المعادي، وقلت له يشوف لي شقة صغيرة إيجار على قدنا، وفعلاً لقى لي أوضة وصالة وحمام في منطقة هادية وقريبة من شغلي الجديد اللي هبدأ فيه، نقلت الشنطة اللي لميتها هناك، واشتريت مرتبة ومرجحة صغيرة للبيبي وشوية حاجات أساسية، البيت كان بسيط وصغير، بس كان مليان سلام، مفيش فيه ريحة حقد ولا غل.
يوم خروج مريم من المستشفى، أخدتها في تاكسي ورحنا على شقتنا الجديدة، أول ما دخلت وبصت حواليها، عيطت بس المرة دي كانت دموع فرحة، لفت دراعاتها حوالين رقبتي وقالت: “أنا مش مصدقة إننا بقينا لوحدنا يا دانيال، المكان هنا فيه أمان عمري ما حسيته”.
قلت لها: “ده بيتك، وأنتي الملكة فيه، ومحدش هيدخله غير بإذنك”.
الأيام بدأت تمر، كنت بطلع من الفجر أشتغل في المخزن، وأرجع بعد الضهر أروح المستشفى أطمن على ابننا اللي سميناه “يوسف”، وأقعد مع مريم نجهز للبيت الجديد، تليفوني ما بطلش رن من أمي وأخواتي، مكالمات وتوسلات ورسايل عياط وندم، شيماء بتبكي وبتقول إن الشركة هترفع عليها قضية بسبب قسط الموبايل، وأمي بتبعت ناس من المنطقة يصالحوني ويقولوا لي “دي أمك ومهما كان مالكش غيرها”، بس قلبي كان زي الحجر، كنت برد بكلمة واحدة: “اللي يعمل في ابن ابنه ومراته كدة، ملوش مكان في حياتي”.
بعد أسبوعين، جه اليوم المنتظر، الدكتور اتصل بيا وقال لي: “يا أستاذ دانيال، يوسف بقى وزنه كويس ورئته اكتملت وتقدروا تيجوا تستلموه النهاردة”.
الفرحة ما كانتش سايعانا، جيت أنا ومريم وجرينا على المستشفى، استلمنا يوسف، كان حتة سكرة، عينيه شبه عيون مريم، لفيناه في بطانية دافية وأنا شلته على إيدي لأول مرة، حسيت إن الدنيا كلها ملكي في اللحظة دي، ضحكته الصغيرة ونفسه الهادي كانا بيمسحوا كل تعب وشقا السنين اللي فاتت.
ركبنا التاكسي ورجعنا شقتنا في المعادي، مريم كانت طايرة من الفرحة وهي شايلة يوسف وبتمشي بيه في الأوضة، وأنا كنت واقف على الباب بتفرج عليهم ومبتسم، حاسس إني حققت أكبر إنجاز في حياتي إني حميت عيلتي الصغيرة دي.
الدنيا بدأت تضلم، والليل ليل علينا، عملت لمريم كوباية لبن دافي، وقعدنا في الصالة الصغيرة، ويوسف نايم في سريره الصغير جنبنا، فجأة، سمعنا خبط قوي ومفاجئ على باب الشقة!
استغربت جداً، إحنا في مكان جديد ومحدش يعرف عنواننا هنا خالص غير صاحبي اللي أجر لي الشقة، ومستحيل ييجي يخبط بالطريقة دي في وقت زي ده، مريم خافت وشلت يوسف في حضنها وبصت لي بقلق: “مين ده يا دانيال؟ محدش يعرف طريقنا هنا!”.
قمت براحة، وقلبي بدأ يدق بسرعة، الخبط زاد وبقى أعنف، كأن اللي برة عايز يهد الباب، مشيت خطوتين لحد الباب، وقبل ما أفتح، بصيت من العين السحرية، وجسمي كله اتصلب في مكانه، الدم هرب من عروقي تاني، واللي شفته برة خلى عقلي يقف تمامًا، الخبط وقف، وسمعت صوت مألوف جداً بس مرعب بيتكلم من ورا الباب بنبرة فحيح الأفاعي: “افتح يا دانيال… فاكر إنك لما تهرب بالبت والواد في آخر الدنيا مش هعرف طريقك؟ افتح عشان تاخد الأمانة اللي سيبتها وراك في الشقة القديمة، والأمانة دي هتدفع تمنها غالي قوي النهاردة!”.