بعتو الجرسونه الغلبانه
بعتوا الجرسونة الغلبانة عشان يحرجوها قدام زعيم أخطر عيلة في البلد اللي ما بيسمعش لكن أول ما رفعت إيديها، المطعم كله سكت.
الجزء الأول
كل العاملين في المطبخ كانوا متجمعين ورا باب السيرفيس
مستنيين يشوفوا ندى وهي بتتفضح.
طبعًا محدش فيهم كان بيسمي اللي بيعملوه قلة أدب.
لأ
شريف كان بيسميها
هنخلي البنت المغرورة تاخد ترابيزة تستاهلها.
أما منى فقالت وهي بتضحك
أخيرًا هتعرف إنها مش أحسن من حد.
وأحمد، أصغر الجرسونات، ضحك هو كمان
مش لأنه مقتنع
بس عشان الكل بيضحك.
ندى ما سمعتش أي حاجة من ده.
كان عندها سبعة وعشرين سنة.
شايلة صينية فضية، وماشية في ممر مطعم فاخر في الزمالك.
المكان اللي رجال الأعمال بياكلوا فيه، والناس اللي معاها فلوس بترجع الأكل لو برد شوية.
فستان الشغل الأسود كان متخيط مرتين من تحت.
وجزمتها متلمعة
بس نعلها خلاص قرب يخلص.
وشعرها البني كان مربوط بسرعة.
وعينيها كان فيهم هدوء غريب
هدوء واحدة اتعودت إن محدش يطبطب عليها.
بقالها أربع سنين بتشتغل شيفتين في اليوم.
بتسد ديون مستشفى.
وبتبعت فلوس لأخوها عشان يتعلم صنعة.
وعمرها ما حكت لحد في الشغل أي حاجة عن حياتها.
فالناس اخترعوا عنها قصص.
قالوا إنها متكبرة.
وإنها شايفة نفسها.
وإنها رافضة تقعد معاهم بعد الشغل.
ولا بتحب الرغي.
ولا الاختلاط.
ولا حد كان يعرف
إن كل أربع بالليل بعد الشغل
كانت تركب مواصلة لمركز صغير
عشان تتعلم لغة الإشارة.
لأن أخوها الصغير آدم فقد جزء كبير من سمعه وهو طفل بعد مرض شديد.
في الأول كانت بتتعلم من الكتب.
وبعدين من فيديوهات.
وبعدين من كورسات ببلاش.
لحد ما بقت تعرف تتكلم مع أخوها بإيديها
ويضحك لأول مرة بعد شهور.
عمر حد ما عرف إن سكوتها
ما كانش غرور.
كان طريقة نجاة.
وفجأة
شريف نادا عليها
يا ندى
رفعت راسها.
قال
الأوضة الخاصة ترابيزة سبعة.
ندى بصتله.
المطعم كله هدي فجأة.
كل اللي شغالين هناك كانوا عارفين ترابيزة سبعة.
ما كانتش ترابيزة أصلًا.
كانت أوضة مقفولة في آخر المطعم.
بابها تقيل.
وحوايطها خشب.
وكل جرسون يعدي جنبها
يوطي صوته.
كل خميس
كان بيجي نفس الراجل.
لوحده.
عاصم الدمنهوري.
عنده تلاتة وتلاتين سنة.
طويل.
ضخم.
شعره أسود.
وفيه شعيرات بيضا عند الصدغ.
وفي وشه علامة صغيرة جنب خده.
وعينيه
كانت تخوف أي حد يبص فيها.
الناس كانت بتحكي عنه حكايات.
إنه صاحب شركات.
وإنه محدش يقدر يقف قدامه.
وإنه لو ڠضب
ناس بتختفي.
لكن أكتر إشاعة كانت ماشية في المطعم
إنه ما بيردش على حد.
وإنه بيتظاهر إنه ما بيسمعش
عشان يخوف الناس أكتر.
وشريف كان عامل المقلب كله على الإشاعة دي.
كان عايز ندى تدخل تكلمه.
وهو ما يردش.
فتتوتر.
وتتلخبط.
وتخرج والكل يضحك عليها.
ندى بصتله وقالت بهدوء
في مشكلة؟
ابتسم وقال
خالص.
روحي بس خدي الأوردر.
ندى شالت الصينية.
ومشت.
وهي ماشية
شريف همس للباقيين
استنوا العرض.
خبطت على الباب مرة.
محدش رد.
دخلت.
الأوضة ريحتها خشب غالي وعطر رجالي.
وعاصم كان قاعد لوحده.
قدامه كباية مية.
ما شربش منها.
ندى قالت
مساء الخير.
أنا هكون المسؤولة عن خدمتك النهارده.
ما ردش.
كان باصص على شفايفها.
مش على عينيها.
ندى استنت شوية.
وساعتها افتكرت آدم.
وافتكرت إنه دايمًا كان بيبص على شفايفها قبل ما تفهم لغة الإشارة.
ساعتها فهمت.
هو مش بيتجاهلها.
هو بيقرأ كلامها.
بهدوء
حطت الصينية.
ورفعت إيديها.
وقالت بلغة الإشارة
مساء الخير أنا ندى هكون الجرسونة بتاعتك النهارده. تحب تشوف المنيو؟
عاصم اتجمد مكانه.
كل ملامحه اتغيرت.
رفع راسه.
وبصلها كأنه شاف معجزة.
ثواني
ولا واحد فيهم اتحرك.
وبعدين
رفع إيديه هو كمان.
وسألها بالإشارة
إنتِ بتعرفي لغة الإشارة؟
ابتسمت ندى وهزت راسها.
وقالت
أخويا عنده ضعف سمع اتعلمتها عشانه.
عاصم فضل باصلها.
كأنه أول مرة حد يكلمه بالطريقة دي من سنين.
ورا الباب
شريف همس وهو مصډوم
هي بتعمل إيه؟!
منى بطلت تضحك.
جوا
ندى ادته المنيو.
بس هو ما بصش فيها.
بصلها.
وقال بالإشارة
معظم الناس بيزعقوا.
ندى ابتسمت.
وقالت
بحاول مازعقش للزبون إلا لو يستاهل.
وفي اللحظة دي
ولأول مرة
طرف بق عاصم اتحرك.
مش ابتسامة كاملة
لكن كانت كفاية
عشان ټحرق ډم شريف.
الخمس دقايق
بقوا عشرين دقيقة.
ندى شرحتله الأكل كله بالإشارة.
وردت على أسئلته.
واكتشفت إنه عنده حس فكاهة هادي.
لما قالتله إن الشوربة حلوة
بس ساعات المطبخ بيتأخر فيها
رد عليها بالإشارة
الشوربة لو بردت
موقع أيام نيوز
مش هسمعها وهي بتشتكي.
ندى ضحكت من قلبها.
ضحكة خرجت منها من غير ما تحس.
وعاصم فضل باصصلها
كأنه نسي آخر مرة سمع فيها الضحكة دي.
ولما خرجت أخيرًا من الأوضة
كان شريف مستنيها.
لكن المرة دي
هو اللي ما كانش بيضحك.
بصلها وقال
إيه اللي أخرك كل ده؟
ندى وقفت قدامه، ما رفعتش صوتها، ولا غيرت تعابير وشها اللي كانت هادية زي ما هي دايماً بتكون. قالتله ببساطة الراجل محتاج وقت يا شريف، مش معقول أسيبه ومش خلصت معاه.
شريف عقد حواجبه، وحط إيده على رف الخشب اللي جنب الباب، واقترب منها شوية كأنه بيحاول يخوفها محتاج وقت إيه يا بنت الكلاب؟ ده انتِ كنتِ جوا عشرين دقيقة! ده الراجل ده محدش بيقعد معاه أكتر من خمس دقايق وبيخلص كل حاجة! إيه اللي كنتِ بتعمليه جوا بالظبط؟
ورا شريف، منى وأحمد وباقي العاملين كانوا واقفين يبصوا، عيونهم كلها فضول وقلق. كانوا متوقعين إنها تطلع متبهدلة، عيونها مدمعة، وتقولهم إنه زعق فيها أو طلب يغيرها، لكنهم لقوها طالعة ماشية مرفوعة الراس، ووشها حتى فيه لمعة سعادة خفيفة ما شافوهاش عليها قبل كده.
ندى بصت لشريف في عينيه، وقالتله بنفس النبرة الهادية كنت بشرحله المنيو، وبجاوب على أسئلته. وعلي فكرة، هو مش بيسمع يا شريف مش بيتجاهل حد زي ما انت قلت. هو فعلاً ما بيسمعش الكلام اللي بنقوله، إلا لو قربنا من وشه ونقرأ الشفايف، أو نكلمه بلغة الإشارة.
كلمة لغة الإشارة طلعت منها خفيفة، لكنها ضربتهم كلهم زي الصاعقة. شريف رجع لورا خطوة، فتح بقه مش عارف يقول إيه. منى غطت بقه بإيدها، وأحمد الصغير نطق من غير ما يحس إيه انتِ بتعرفي لغة الإشارة يا ندى؟ من امتى؟
ندى بصتله، وابتسمت بابتسامة حزينة شوية من سنتين ونص تقريبًا. أخويا الصغير آدم فقد سمعه بعد مرض الكحة الشديدة اللي خدته، فكنت لازم أتعلمها عشان أقدر أتكلم معاه.
سكتوا كلهم. ما كانش عارفين يقولوا إيه. كل الحكايات اللي كانوا مخترعينها عنها، إنها متكبرة، إنها شايفة نفسها عليهم، إنها بتتكبر في سكوتها كلها اتكسرت قدام الحقيقة البسيطة دي. هي مش كانت بتتكبر، كانت مشغولة بحاجة أهم، كانت بتكافح عشان تفضل على اتصال بأقرب الناس ليها.
شريف أول من كسر الصمت، بس صوته كان متهدج شوية، ومش عارف يخبي دهشته وعاصم يعني عاصم الدمنهوري هو اللي سألكِ؟ ولا إيه؟
أنا اللي بدأت يا شريف. لاحظت إنه كان بيبص على شفايفِي طول ما أنا بتكلم، فافتكرت الحال، فرفعت إيدي وكلمته بالإشارة. هو تفاجئ أوي، وقالي إن محدش كلمه كده من سنين طويلة.
ساعتها سمعوا صوت الباب الخشبي وراها بيفتح ببطء. كلهم التفتوا بسرعة، وقلوبهم وقعت في بطونهم لما شافوا عاصم واقف ورا ندى. كان طويل وضخم زي ما هو، وعينيه كانت بتلمع بنظرة ما شافوهاش من قبل. مش نظرة الټهديد والڠضب اللي كانوا متعودين عليها، كانت نظرة فيها استغراب، وشكر، وشيء من الدهشة العميقة.
شريف اتعدل وقفته فورًا، ومسح إيده في بنطلونه، وقال بصوت مهزوز يا سيد عاصم آسف يا سيد عاصم، كنا بس كنا بنتأكد إن كل حاجة تمام؟
عاصم ما ردش عليه ولا بلفتة. عينيه كانت متسخة بندى، ورفع إيديه ببطء، وسألها بالإشارة هتأخدي طلب الأكل دلوقتي ولا إيه؟
ندى ابتسمت، وردت عليه بالإشارة قدامهم كلهم طبعًا يا سيد عاصم، هروح أجهزهلك فورًا. تفضل أي حاجة تانية؟
هز راسه، وبص شوية لشريف، وبعدين رجع بصره لندى وقلعها نظرة دافئة، وسارع خطواته وخرج من الممر واختفى.
لما
اختفى، شريف لسه واقف مكانه مش عارف يتحرك. منى قربت شوية من ندى، وقالت بصوت خاڤت ومش عارفة تجمع كلامها ندى إزاي إزاي عملتي كده؟ ده الراجل ده ما بيتكلم مع حد، ولا حد يفهمه، ولا هو يفهم حد!
ندى شالت الصينية الفضية اللي كانت حطتها على الرف، وقالت مش معجزة يا منى، مجرد إن الواحد يحاول يفهم التاني بدل ما يحكم عليه من بره. دلوقتي لو سمحتوا، لازم أروح أجهز طلبه، الوقت بيجري.
ومشت من قدامهم، ودخلت المطبخ، وتركتهم وراها في حيرة وندم وذهول.
الجزء التالت ندم ومفاجآت
طول ما ندى كانت بتجهز طلب عاصم، شريف كان واقف في زاوية المطبخ مش عارف يعمل إيه. كان قلبه دقه سريع، وكل دقيقة بيحس بذنب أكبر. هو اللي خطط للمقلب ده، هو اللي قال لمنى ولأحمد، هو اللي كان عايز يحرجها ويردها ل مكانها زي ما كان بيقول في نفسه. وطلع كل الكلام اللي كان يقوله عليها غلط في غلط، وطلع هي الوحيدة اللي عندها قلب وعقل، وهو اللي كان ضيق النظر ومغرور.
منى قربت منه، وقالتله بصوت خاڤت أنت كنت عارف إنها بتتعلم لغة الإشارة؟
هز شريف راسه بثقل لا ولا حد منا كان يعرف. كلنا كنا نحسبها شايفة نفسها عشان ما تتكلمش معانا ولا تخرج معانا بعد الشغل.
وعمرها ما طلبت مننا أي حاجة، ولا شكت ولا بكت ولا قالت إنها تعبانة ولا ديونها كتير ولا أي حاجة. كانت بتجي تشتغل، تخلص شغلها، وتمشي، وسكتنا كلنا فكرنا السكوت غرور. قالت منى، وصوتها كان مليان ندم.
أحمد اللي كان ساكت طول الوقت، قال فجأة أنا شفتها مرة قبل كده في مركز الإعاقة في العباسية، كانت داخلة دروس، سألتها إيه الحكاية، قالتلي بس إنها بتتعلم حاجة، ومش حابة تتكلم فيها. أنا كنت غبي وسكت، ما سألتهاش تاني.
سكتوا كلهم تاني. كانوا حاسين إنهم ظلموا بنت طيبة ومجتهدة، وإن كل كلمة قالوها فيها كانت رصاصة في ظهرها، وهي كانت تستاهل أحسن من كده كتير.
بعد نص ساعة، ندى طلعت بطبق الأكل، ومشت تاني نحو الأوضة رقم سبعة. خبطت بخفة، ودخلت، ووراها كانت عيون شريف وباقي العاملين تتتبعها من ورا الباب المفتوح شوية.
حطت الطبق قدامه، وقالت بالإشارة الأكل زي ما طلبته، لو عايز أي تعديل قولي لي ولا تتردد.
عاصم بص للطبق، وبصلها، ورفع إيديه تعالي شوية عايزك.
ندى قربت شوية من الطاولة، وهو مد لها ورقة صغيرة ومبلغ من الفلوس، ومش الفلوس العادية اللي بيتديها للجرسونات، كان مبلغ كبير، وورقة مكتوبة بخط واضح شكرًا لأنك كلمتني كإنسان، مش كغريب أو كمرعب. هذا تعويض بسيط عن مجهودك، ومكافأة للي فعلتيه النهارده. لو عايزة أي حاجة في أي وقت، اطلبي هذا الرقم.
ندى قرت الكلام، ورفعت عينيه متفاجئة، وقلتله بالإشارة شكرًا جزيلًا، بس المبلغ ده كبير أوي، مش عايزة أكتر من حقي.
هو هز راسه پعنف شوية، ورد بالإشارة بسرعة ده حقك وحق اللي عملتيه. ولا تقللي من قيمة نفسك، ولا من قيمة ما تعرفيه. لغة الإشارة دي كنز، ومش كل حد بيتعلمها عشان خاطر الناس.
بعد كده أشار عليها تجلس شوية، وبدأ يسألها عن آدم، عن عمره، عن مستواه في السمع، عن الحاجات اللي بيحبها. كانت بتجاوبه بكل هدوء، وكل ما تتكلم عن أخوها تضحك، ووشها يضيء. هو كان بيسمعها بعينيه، وكل كلمة منها كانت بتخليه أكتر إعجاب بيها، وأكتر شكرًا للي جمعه بيها النهارده.
عندما لاحظ إنها
بتتكلم عن الديون اللي عليها في المستشفى، والفلوس اللي بتدفعها عشان علاج آدم، وإن الشغل هنا مش بيكفيها دايماً، سكت شوية، وبعدين قال أنا عندي فريق عمل في الشركات بتاعتي فيهم ناس بتستخدم لغة الإشارة، ومحتاجين مترجمين ومترجمات. لو عايزة تشتغلي معاهم بجانب الشغل هنا، أو حتى بدله، المرتب هيكون مضاعف، ومش هتضطري تشتغلي شيفتين في اليوم.
ندى فتحت بقه من الدهشة، وعيونها دمعت يعني يعني بتعرض عليا شغل تاني؟
أكيد، وأنتِ أهل له. اللي فعلتيه النهارده يدل على إنك صبورة، ومتفهمة، وتقدري تتعاملي مع الناس بكل حالاتهم. دي صفات مش بتتكرر كتير.
كانت عايزة تتكلم، عايزة تقول كلام كتير، لكن الكلام ما طلعش، غير دموع الفرح اللي نزلت من عينيها.
الجزء الرابع الحقيقة كاملة
لما خرجت ندى من الأوضة بعد ما خلص عاصم أكله، كانت وشها مبلل بالدموع، لكن الابتسامة ما فارقتها. شريف كان مستنيها قدام الباب، المرة دي مش عايز يضحك ولا يحرجها، كان واقف خجلان ومكسوف من نفسه لدرجة ما يعبر عنها.
قرب منها، وقال بصوت خاڤت ومليان ندم ندى أنا آسف. آسف أوي على كل حاجة قلتها، وكل حاجة خططت لها. كنت غبي ومغرور، وظلمتك من غير ما أعرف حقيقة حالك. سامحيني من فضلك.
ندى بصتله، وشافت الخجل في عينيه، فابتسمت وقالت خلاص يا شريف، ما حصلش حاجة. كلنا بنخطئ، وكلنا بنحكم على الناس من بره أحيانًا. المهم إننا فهمنا بعض دلوقتي.
منى جت هي كمان، وعانقتها بسرعة وأنا كمان آسفة يا ندى، كنت بقلدك وبضحك عشان خاطر الباقي، ومش عارفة قيمتك ولا حياتك. من النهارده أنا صاحبتك لآخر العمر، ولا يهمك أي حاجة.
حتى أحمد جت وقال وأنا كمان، لو عايزة أي مساعدة في الشغل، أو حتى في أي حاجة تانية، أنا معاكِ.
كانت اللحظة دي غريبة ومبهجة. السكوت اللي كان يحيط بندى سنين طويلة اتكسر، والجدران اللي كانت بتبنيها حول نفسها عشان تحميها اتشالت، ولقت نفسها أخيرًا بين ناس بيفهموها وبيحترموها.
بعد كده جالها مدير المطعم نفسه، اللي كان عارف باللي حصل، وقال لها يا ندى، سمعت كل الحكاية. أنا فخور بيكِ أوي، وقرارنا إن مرتبك يتضاعف من النهارده، ولو عايزة أي إجازة عشان تروحي مع أخوكِ لطبيب أو أي حاجة، قولي لي من غير ما تقللي.
كانت مش عارفة تشكرهم إزاي، كانت الدنيا أضيق منها بفرحتها.
وبعد يومين، جالها اتصال من مكتب عاصم الدمنهوري، وقالو لها إنهم حجزوا لآدم في أفضل مستشفى في القاهرة، وعملوا له كل الفحوصات اللازمة، وإن العلاج كله على حساب الشركة، وحتى السماعة الطبية الحديثة اللي كانوا بيقولوا إنها غالية ومش هتقدر تجيبها طول عمرها، هيكون متوفرة له خلال أسبوع.
ندى سقطت على الأرض من الفرحة، وبكت طويلًا، وبعدين ركبت الأتوبيس وراحت لبيت خالتها اللي كان آدم عايش معاها، ولما شافها ركض ناحيتها، وهي قالتله بالإشارة يا آدم قريب هتسمع صوتي تاني، هتسمع كل حاجة.
هو ما فهمش كل الكلام، لكن شاف الفرحة في عينيها، فضحك وضحك معاها، ولف دراعه حول رقبتها.
الجزء الخامس ما وراء الصمت
في الأيام اللي جت، اتعرفت ندى على حاجات تانية كتير عن عاصم الدمنهوري، حاجات ما كانتش تتخيلها أبدًا.
عرفت إنه فقد سمعه وهو في العشرين من عمره، بعد حاډث سيارة مروع قتل أبوه وأمه، ونجا هو بس فقد السمع تمامًا. عرفت إنه السنين اللي بعده كانت أصعب سنين في حياته، إن الناس كانت بتتعامل معاه زي إنه مش
موجود، أو زي إنه غبي، أو زي إنه شخص غريب مش من عالمهم. عرفت إن الإشاعة اللي كانت بتقول إنه بيتجاهل الناس عشان يتكبر، جت منه هو عشان يبعدهم عنه، لأنه كان تعبان من الأسئلة، وتعبان من نظرات الشفقة، وتعبان من الناس اللي كانوا بيزعقوا في وشه زي إنه مش بيسمع صوتهم كمان، أو بيتكلموا ورا ظهره زي إنه مش فاهم لغة الإشارة ولا قراءة الشفايف.
عرفت كمان إنه أنشأ مؤسسة خيرية ضخمة باسم أبوه وأمه، بتساعد الأطفال اللي عندهم ضعف سمع، بتعلمهم، بتجيب لهم الأجهزة، بتدعم أسرهم، بس كان بيعمل كل ده في الخفاء، ومش بيحب يتكلم عنه ولا يظهر في الإعلام.
يوم من الأيام، دعاها عاصم تزور المؤسسة، وشافت الأطفال هناك، وشافت كيف كان بيتعامل معاهم، كيف كان يلعب معاهم، وكيف كان بيفهم كل طفل وكل طفلة مهما كانت حالتهم. ساعتها عرفت إن الهدوء اللي كان عليه، والقوة، جايين من معاناة طويلة، وإن ما كانش زعيم أخطر عيلة في البلد وبس، كان إنسان تعبان ووحيد بيدور عشان حد يفهمه بصدق.
وفي المقابل، عاصم عرف عنها حاجات كتير إعجاب بيها أكتر عرف إنها بتدفع كل فلوسها عشان الخير، وإنها بتعلم أطفال الحي اللي ساكنة فيه القراءة والكتابة بلغة الإشارة ببلاش، وإنها عمرها ما شكت من ضيق الحال ولا طلبت من أحد مساعدة إلا لما كانت مضطرة أوي.
كانت علاقتهم بتبنى ببطء، مش علاقة عادية، كانت علاقة تفاهم صامت، لغة مش محتاجة كلام، مجرد نظرة أو حركة إيد واحدة كل واحد بيفهم منها التاني كل حاجة.
الجزء السادس العدالة والفرح
بعد شهور، آدم ركب السماعة الطبية، وسمع أول صوت في حياته من سنين صوت ندى وهي بتقول له يا حبيبي، أنا هنا، سامعني؟
آدم بص حوله متفاجئ، وبعدين بص لأخته، ودموعه نزلت وهو بيقول بصوت متهدج ومقطع ن ندا؟
كانت اللحظة دي أجمل لحظة في حياتها، وحياة كل اللي بيحبوها.
وفي نفس الوقت، شريف وباقي العاملين في المطعم كانوا بيتعلموا لغة الإشارة من ندى في أوقات فراغهم، قرروا إنهم يكونوا أول مطعم في الزمالك يوفر خدمة لغة الإشارة للي بيتعاملوا معاهم، وإنهم يخليوا المكان متاح للكل بلا استثناء.
ندى استمرت تشتغل في المطعم فترة، لكنها بدأت تاخد شغل تاني كمترجمة مع مؤسسة عاصم، وبدأت تساعد في تأسيس مدارس متخصصة للطلاب الصم وضعاف السمع، وبدأت قصتها تنتشر في القاهرة، وناس كتير جت تتعلم منها، وتشجعها، وتقول لها إنها غيرت فكرتهم عن الناس اللي مختلفين عنهم.
والمقلب اللي كانوا خططوا له عشان يحرجوها، طلع هو السبب في إن حياتها تتغير للأبد، وإن حياة عاصم تتغير كمان، وإن ناس كتير تانية تتغير معاهم.
كانت الدنيا علمتهم درس كبير إن السكوت مش غرور، وإن الاختلاف مش عيب، وإن أجمل ما في الإنسان قلبه اللي بيفهم، وعقله اللي بيحاول، وإيده اللي تمد للمساعدة بدل ما ترفع للتجريح.
وآخر ما قالتله ندى لعاصم في يوم من الأيام، لما كانوا قاعدين في حديقة المؤسسة وبينهم آدم بيلعب مع الأطفال كل واحد فينا عنده صوت، بس مش كل واحد عنده أذن تسمعه. الحمد لله إنك سمعتني، والحمد لله إنني سمعتك.
هو ابتسم، ورفع إيده بحركة بسيطة معناها وأنا سمعتك أحسن من أي حد في الدنيا.
وبكده كانت القصة كاملة، قصة بدأت بمقلب وحقد، وانتهت بفرح وعدالة وتفاهم، وخلّفت وراها أثر طيب مش ھيموت بسرعة.