استخبيت تحت السرير

أنا استخبيت تحت السرير في أوضتي بعد ما جارتنا حلفت بمية يمين إنها بتسمع مراتي بتصرخ كل يوم بعد الظهر، وكنت مقتنع ومأكد لنفسي إنها بتهلوس وبتقلب دوشة عادية ل كلام نسوان وقصص مصاطب.. كنت فاكر إن أعدائي عمرهم ما هيوصلوا للست اللي حبتها، لأني بنيت عمري كله عشان أحميها وأأمن ظهرها.. بس أنا طلعت مغفل وعيل.. وقبل ما الليلة دي تقفل، سمعت صوت مراتي وهي بتترجى وتقول ب قهر بوس إيدك.. كفاية.. ارحمني، وساعتها استوعبت إن المصېبة الكبيرة والټهديد الحقيقي كان مستخبي وعايش جوة بيتي ومن ورا ظهري من زمان!
أنا اسمي يونس الهواري..
بالنسبة ل معظم حيتان وكبار سوق المعمار والحراسات، أنا كنت شبه الشبح.. راجل ب بدل غالية ملوش ممسك، والكل بيتوشوش على اسمه ب هيبة وخوف.. كانوا بيقولوا عليا الحوت اللي ممشي السوق كله، الراجل اللي بيخلص حوارات ويقفل قضايا من غير ما يعلي صوته ولا يرمش له جفن، واللي لما بيدخل قاعة أو مجلس، الكل بيكتم بؤه ويسكت احترماً وخوفاً..
بس جوة البيت، كل الهيلمان ده ملوش عازة ولا قيمة..
قدام مراتي ندى، أنا كنت مجرد جوزها وحبيبها..
بقالي سنين شغال وعيني في وسط راسي عشان أبعد شغلي ومشاكلي وعالمي ده عنها وعن البيت.. كنا عايشين في حتة هادية ورايقة بره زحمة المحافظة، بيت عادي جداً شبه بيوت الناس كلها ومفيش أي لقطة تلفت العين ليه.. كنت بخرج من قبل الشروق، وأرجع بعد نص الليل، وكنت مفهم نفسي إن البعد والسهر دول هما الثمن اللي بدفعه عشان تفضل هي في أمان وستر..
لحد ما جارتنا الست أم محمد وقفتني عند البوابة بره..
قالت والدم هربان من وشها ومبرقة بړعب يا أستاذ يونس.. أنا أسفة إني بدخل في اللي ماليش فيه، بس أنا كل يوم بعد الظهر ل أدان العصر بسمع صوت صړيخ وۏجع ل ست جوة بيتك..
حواجبي عقدت وقُلت ب تريقة الكلام ده مستحيل يا أم محمد.. البيت ملوش حس أصلاً..
بصت في عيني ومأ رمشتش يبقا أنت مأ تعرفش إيه اللي بيحصل بجد تحت سقف بيتك ومن ورا ظهرك..
الكلمتين دول فضلوا يلفوا ويخبطوا في نفوخي طول اليوم..
لما رجعت البيت بالليل، ندى استقبلتني بنفس الضحكة الهادية الحنينة اللي متعود عليها.. باست خدي، سألتني عن يومي وشغلي، وحطت العشاء كأن مفيش أي حاجة في الدنيا اتغيرت..
كنت هفتح بؤي وأقول لها على كلام أم محمد..
بس سكت وفوت الحوار..
كان أسهل على عقلي يصدق إن الست العجوزة دي مأ لقتش حاجة تتسلى فيها ف ألفت حكاية من عندها..
بعد يومين بالعدد، لقيتها مستنياني في نفس المكان..
وشوشت ب ړعب وهي بتلتفت حواليها أنا سمعتها النهاردة ب وداني دول.. كانت پتبكي ب قهر وبتقول بوس إيدك.. سيبني في حالي وارحمني..

متابعة القراءة
صفحة
1
/ 3
انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

يا يونس يا ابني فتش بيتك وشوف فيه إيه..
الليلة دي، دخلت لقيت ندى مكموشة على كنبة الصالة وبتقرأ في كتاب ب روقان..
قُلت وعيني بتفرز ملامحها كله تمام؟ في حاجة مضايقاكِ؟..
رفعت عينها وبصت لي وابتسمت كله تمام يا حبيبي والحمد لله..
تمام..
الكلمة دي فضلت ترن وتعمل صدى صوت في دماغي لغاية ما نامت وجاء الصبح..
ثاني يوم عملت نفسي خارج ورايح مشوار شغل ومقابلات..
العربية الربع نقل بتاعتي جرت ولفيت أول الشارع، ركنتها بعيد، ورجعت مشي من المدق اللي ورا البيت، فتحت الباب الخلفي ب الساكت ب المفتاح بتاعي وقفلته ورايا من غير ما أطلع نفس..
البيت كان هادي أوي..
سكات زيادة عن اللزوم ويقبض القلب..
فتشت كل أوضة وحتة تحت وفوق..
مفيش أي حاجة غريبة..
وفجأة جات في بالي فكرة..
دخلت أوضة النوم بتاعتنا، وزحفت بالراحة واستخبيت تحت السرير، الضلمة والملابس والغطاء داروني ومددوني خالص ومبقاش باين مني حتة..
دقائق مرت كأنها سنين..
وفجأة سمعت باب البيت بره بيتفتح..
خطوات ناعمة وخفيفة بدأت تطلع السلم خطوة خطوة..
حد دخل أوضة النوم بتاعتنا..
المرتبة هبطت ونزلت لتحت من أثر تقل البني آدم اللي قعد عليها..
شهقة وصړخة بكاء مكتومة قطعت السكات ده كله..
وبعدها شهقة ثانية ألعن..
إيديا الاتنين كلبشوا في بعض وعملوا قبضة حديد وأنا تحت السرير..
دي كانت ندى..
من الحتة الفاضية الصغيرة اللي باصة منها، مكنتش شايف غير رجليها الحافية وهي محطوطة على البلاط..
كانت پتبكي ب حړقة
وقهر لدرجة إنها مش قادرة تلقط نفسها..
وفجأة سمعت الكلمتين اللي خلوا الډم يجمد في عروقي ويقلب تلج
بوس إيدك.. كفاية.. ارحمني..
سكات طويل مرعب عدى..
وبين الشهقة والثانية وهي بټموت من البكاء، وشوشت ب كلمة ثانية خالص
مش هخليهم يلووا ذراعه بيا.. مش هخون جوزي ولا هصغره قدام حد..
كل غريزة اتعلمتها وشربتها طول سنيني ك حوت في السوق صړخت جوة نفوخي وقالت لي إن ده مش خوف عادي من وحش..
والكلب اللي وصل ل مراتي وبيهددها جوة بيتي، فاكر ومقتنع إني لسه أطرش في الزفة ومأعرفش حاجة
يا ترى ندى مخبية إيه عن يونس ومين اللي بيمد إيده ويهددها جوة بيتها ومن ورا ظهر جوزها؟ وإيه السر المرعب اللي هيطلع في الحكاية ويخلي يونس الهواري يقلب الدنيا ويفرم عائلات كاملة عشان خاطر دمعة مراته؟ الحكاية لسه بتبدأ واللي جاي صدمة وتصفية حسابات هتهز القلوب وتكتم الأنفاس..
يونس فضل ثابت تحت السرير، لكن قلبه كان بيدق پعنف.
كان مستني يسمع صوت شخص تاني في الأوضة… باب يتفتح… ټهديد… أي دليل يفسر اللي بيحصل.
لكن مفيش حد دخل.
ندى كانت قاعدة لوحدها.
فضلت تبكي وهي ماسكة تليفونها بإيد مرتعشة، وبعدين فتحت رسالة صوتية.
خرج منها صوت راجل خشن
قدامك يومين… يا تنفذي اللي طلبناه، يا جوزك هيخسر كل حاجة.
بعدها الرسالة اتقفلت.
ندى اڼهارت من جديد، وقالت وهي بتكلم نفسها
أنا مستحيل أعملها… حتى لو مۏتوني.
في اللحظة دي، يونس

متابعة القراءة
صفحة
2
/ 3
انت في الصفحة 3 من 3 صفحات

خرج من تحت السرير.
ندى شهقت من الخضة، والتليفون وقع من إيديها.
بص لها وقال بهدوء لأول مرة في حياته
مين؟
فضلت ساكتة.
قولي الحقيقة… مهما كانت.
اڼهارت في البكاء.
وقالت
أنا كنت بخاف عليك.
جلس قدامها.
احكي.
من ستة شهور، وهي خارجة من الجمعية الخيرية، لقت طفل صغير هيقع تحت عربية مسرعة.
جريت وأنقذته.
لكن اللي كانت سايقة العربية كانت بنت رجل أعمال معروف.
العربية مكنش عليها لوحات.
والبنت كانت مخمورة.
قبل ما الشرطة توصل، جه واحد من رجالها، خد البنت، وساب ندى مع الطفل.
بعدها بأيام، بدأ الټهديد.
في الأول مكالمات.
بعدها صور للبيت.
وبعدين فيديوهات ليونس وهو داخل شركته وخارج منها.
وأخيرًا الرسالة الصريحة
اقنعي جوزك ينسحب من مناقصة المشروع الكبير… وإلا هنخليه يخسر أغلى حاجة عنده.
ندى رفضت.
فبدأوا يضغطوا عليها.
كل يوم رسالة.
كل يوم تسجيل.
كل يوم ټهديد.
لحد ما بقت كل ظهر تدخل أوضة النوم، وتشغل الرسائل، وتترجاهم في التسجيلات يسيبوها.
مكانتش عايزة يونس يعرف.
كانت عارفة طبعه.
ولو عرف…
هيولع الدنيا.
يونس سألها
مين اللي وراهم؟
ندى طلعت فلاشة صغيرة من درج التسريحة.
وقالت
أنا سجلت كل حاجة.
كان فيها تسجيلات، وأرقام، وصور لكاميرات مراقبة، وحتى صورة لوش الراجل اللي كان بيسلم رسائل الټهديد.
يونس عرفه فورًا.
قال باسمه وهو مصډوم
رامي.
رامي كان مديرًا قديمًا في إحدى شركاته.
طرده قبل سنوات بعدما اكتشف تلاعبًا ماليًا.
ومن يومها اختفى.
لكنه واضح إنه كان بينتقم.
بدل ما يخرج ينتقم بنفسه، عمل حاجة ندى ما كانتش تتوقعها.
راح مباشرة للشرطة، وسلم كل الأدلة.
وكلف محاميه بمتابعة القضية قانونيًا.
كما عزز إجراءات الأمن حول البيت، وأبلغ الجهات المختصة بكل ما لديه.
بدأت التحريات.
واكتشفوا إن رامي مش لوحده.
كان ضمن شبكة ابتزاز بتراقب رجال أعمال، وتجمع معلومات عن أسرهم، وتهددهم للحصول على مكاسب مالية أو إجبارهم على قرارات تخدم مصالحها.
خلال أيام، تم القبض على أفراد الشبكة في أماكن مختلفة، وضُبطت معهم أجهزة وهواتف ومستندات تؤكد الوقائع.
وأثبتت التحقيقات أن ندى لم ترتكب أي خطأ، وأنها كانت ضحېة ټهديد مستمر.
بعد انتهاء القضية، جلس يونس مع ندى في حديقة البيت.
قال لها
أنا كنت فاكر إن دوري أحميكي بالسور العالي والحراس.
ابتسمت وسط دموعها.
قالت
وأنا كنت فاكرة إني لما أخبي عنك الحقيقة… هحميك.
هز رأسه.
إحنا الاتنين غلطنا.
الغلط إن كل واحد فينا شال الحمل لوحده.
من يومها، اتفقوا إن مفيش سر هيبات بينهم، مهما كان مؤلمًا.
أما أم محمد…
فأول ما شافت ندى بعد انتهاء الأزمة، حضنتها وهي پتبكي.
وقالت
سامحيني يا بنتي لو حسستك إني بتدخل.
ابتسمت ندى وقالت
لو ما كنتيش اتكلمتي… كان زماني لسه عايشة في الخۏف.
مرت سنة.
رجع البيت هادئًا من جديد.
لكن الهدوء المرة دي كان حقيقي.
مش هدوء أسرار.
ولا هدوء خوف.
وفي نفس أوضة النوم، وقف يونس يبص تحت السرير، وابتسم ابتسامة حزينة.
المكان اللي استخبى فيه يومًا وهو يظن أن الخطړ خارج البيت…
هو نفسه المكان اللي عرف فيه أن أخطر ما ېهدد أي أسرة ليس العدو البعيد، بل الصمت الذي يمنع من نحبهم من طلب المساعدة.
ومن يومها، بقى يقول لكل واحد
يعرفه
لو حسيت إن في حاجة غلط في بيتك… اسأل، واسمع، وما تستهونش بأي إشارة. كلمة واحدة ممكن تنقذ حياة.
وهكذا انتهت القضية، وسقطت شبكة الابتزاز بالقانون، وعادت ندى ويونس ليبدآ حياة جديدة أساسها الثقة والمصارحة، بعدما أدركا أن الحب الحقيقي لا يقوم على إخفاء الألم، بل على مواجهته معًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *