اهلي طنشو تسع مكالمات

أهلي طنشوا تسع مكالمات مستعجلة وأنا بين الحيا والموت في المستشفى، عشان كانوا بيساعدوا أختي تفرش فيلتها الجديدة في التجمع. عشان كده، كلمت محامي الورث وجبته لحد عندي، وغيرت كل حاجة في لحظتها. ولما شرفوا أخيرًا، عرفوا بالظبط قسوتهم دي كلفتهم إيه.
​كنت بعد المكالمات لأن ساعة الحيطة بتاعة المستشفى كانت في وشي بالظبط فوق السرير.
​تسعة.
​تسع مرات صباعي كان بيرتعش على شاشة الموبايل والأجهزة حواليا بتزن بصوت واطي. تسع مرات اتصلت بأمي، وبعدها بأبويا، وبعدين على جروب العيلة على الواتساب. والتسع مرات كان بيجيلي نفس الرد: يا إما الموبايل يرن ومحدش يرد، يا إما صمت تام، ورسالة واحدة قصيرة جت من أمي بتقول: “إحنا عند منة.. هو الموضوع مستعجل؟”
​فضلت باصة لكلمة “مستعجل” والممرضة بتركبلي المحلول في عروقي جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قبلها بيوم، عربية نقل مقطورة قطعت الإشارة على الدائري ودخلت في عربيتي. إصاباتي كانت خطيرة، والدكاترة حذروني إن الـ 24 ساعة الجايين دول هما اللي هيحددوا هعيش ولا لأ.
​فـ آه، فكرت في نفسي.. الموضوع كان مستعجل جدًا.
​بس أختي منة كانت لسه عازلة لفيلا جديدة في كومباوند في “التجمع الخامس”، بمطبخ أمريكاني شيك، وأوضة أطفال لسه مفيش فيها أطفال، وجوزها “شريف” شايف إن شيل الصناديق ده مش من مقامه ولا برستيجه. أبويا وأمي سافروا هناك من الصبح بعد ما طلعت من العمليات عشان يلحقوا “الوليمة والفرش”. واتصوروا وهما بيضحكوا على باب الفيلا، وأنا كنت هنا تحت كشافات المستشفى.
​على الساعة 6:40 المغرب، موبايلي اتهز.
منة نزلت ستوري على إنستجرام.
​”مكنتش هعرف أعمل كل ده من غير بابا وماما حبيبي!” منة كانت بتتكلم في الفيديو بدلع وهي بتلف الكاميرا عليهم.
أبويا كان شايل أباجورة كريستال.
وأمي كانت بترص المخدات الفرو.
​دوست على زرار الاستدعاء، بس مش عشان أنادي الممرضة.
​لما الممرضة “ميرفت” قربت من سريري، طلبت منها تطلبلي الرقم المتسجل عندي باسم “مكتب الأستاذ عادل الشناوي — محاماة واستشارات”. صوتي كان ضعيف، بس نطقت كل كلمة بوضوح تّام.
​سألتني: “أنتِ متأكدة يا بشمهندسة نادية؟”
قلتلها: “على الآخر.”
​على الساعة 8:15 بالليل، كان محامي الوصايا وعقودي، “الأستاذ عادل”، واقف عند رجلي ببدلته الكحلية الشيك وشنطته الدبلوماسية على الكرسي. الراجل ده ماسك شغلي من ساعتها لما بعت شركتي بتاعة برمجيات العيادات والمستشفيات من سنتين.
​أهلي كانوا عارفين إني ميسورة ومعايا فلوس.
بس مكانش عندهم فكرة أنا غنية قد إيه. والأهم من كده، مكانش عندهم فكرة إنهم لسه مكتوبين في وصيتي وعقود أملاكي.
​الأستاذ عادل قاللي بالراحة: “يا نادية يا بنتي، مش لازم تعملي كده الليلة دي، أنتِ تعبانة.”
همستله: “لأ، لازم، ودلوقتي حالا.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قرأ كل تغيير بصوت عالي عشان الممرضة والدكتورة يشهدوا:
​شلنا أبويا وأمي من أي إرث أو حق بيع وشراء.
​منة اتمسحت من الدفاتر تمامًا.
​اتلغى حقهم في توكيل إدارة حسابات الطوارئ وبنوكي.
​شاليه الساحل في “هاسيندا” اللي بيموتوا فيه.. بح.
​فلوس المدارس الإنترناشونال والجامعات اللي كانوا مستنيينها لعيال منة اللي لسه مجوش.. راحت.
​كراسي مجلس إدارة المؤسسة الخيرية اللي باسم العيلة وكانوا بيتمنظروا بيها في وسط البلد.. باي باي.
​كل حاجة اختفت.
​على الساعة 10:03 بالليل، أمي دخلت الأوضة أخيرًا وهي شايلة كوباية قهوة من بن معروف.
​تنهدت وقالت: “نادية، أنتِ خضيتينا وتعبتي أعصابنا، إيه اللي جابلك حادثة بس!”
​الأستاذ عادل لف ضهره وبص من الشباك على الشارع.
وأنا بصيت في عينها علطول.
​وقلتلها بكل هدوء: “لأ.. أنتوا اللي خضيتوني.”
​الجزء الثاني: المواجهة الفاضحة
​أبويا وقف متثبت في نص الباب، وكان لسه لابس السويت شيرت الرمادي القديم اللي بيلبسه دايما لما يكون عايز يبان قدام الناس في الكومباوند إنه راجل عملي وبيشرف على العمال بنفسه. كان فيه حتة لزق كرتون عريضة ملزوقة على كمّه. وأمي كان الميكاب مجير في التجاعيد اللي تحت عينها من التعب، بس قصة شعرها كانت متظبطة عند الكوافير ومثبتينها بالسبراي عشان الصور اللي منة فضلت تنزلها طول النهار.
​ومن وراهم، منة كانت بتبص جوة الأوضة كأن الرعاية المركزة دي شقة معروضة للبيع وهي مش عاجباها الفرشة أصلاً.
​أبويا سأل وهو بيشاور براسه ناحية الأستاذ عادل: “هو المتر بيعمل إيه هنا في وقت زي ده؟”
​الأستاذ عادل قفل شنطته بتكة واطية وقال: “أنا هنا بناءً على طلب موكلتي البشمهندسة نادية.”
​كوباية القهوة اتهزت في إيد أمي وقالت: “موكلتك؟ نادية، يا حبيبتي، أنتِ تحت تأثير البنج والمصكنات.. مش في وعيك عشان تمضي على أي ورق أو عقود.”
​قلت لها: “مش متبنجة لدرجة إني أنسى تسع مكالمات يا أمي.”
​منة لوت بوزها وقالت: “يا ربي! هو إحنا بجد هنعمل الحوار والدراما دي دلوقتي؟ ماما كلمت المستشفى وقالوا إن حالتك مستقرة.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​”مفيش مخلوق في المستشفى قالها كده،” الممرضة ميرفت هي اللي قالت الجملة دي وهي واقفة عند الباب، صوتها كان هادي بس حامي يقطع الإزاز. وكملت: “أنا بنفسي كلمت أرقام الطوارئ المتسجلة لآنسة نادية الساعة 11:18 الصبح، وسبت رسالة وقلت إنها في حالة حرجة في الرعاية بعد الحادثة، وطلبت إن أهلها من الدرجة الأولى يجوا فورًا.”
​وش أبويا خشب.. مش من الكسوف أو الندم، لأ، من الضيق والزهق إن كدبهم اتكشف!
وقال: “جرى إيه يا ميرفت يا بنتي؟ العائلات بيمروا بأكير من ظرف طارئ في نفس الوقت، وأختها كانت بتنقل!”
​كنت هضحك، بس ضلوعي والمتثبت فيها خراطيم كانت بتوجعني وبتولع نار: “إنكم تفرشوا صالون مدهب.. ده مش ظرف طارئ يا بابا!”
​منة طلعت لقدام وقالت بنبرة مستفزة: “أنتِ دايما بتعملي كده! دايما بتخلي كل حاجة تتمحور حواليكِ أنتِ وبس! أنا لسه عازلة في بيتي الجديد، وده يوم العمر بالنسبة لي ولشريف.”
​الأستاذ عادل بص في ورقه، وحتى هو كان باين عليه إنه محتاج ثانية يستوعب بجاحتهم وأنانيتهم. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​أمي قربت من السرير ووطت صوتها بالبرود والنبرة اللي بتستخدمها لما تحب تخلي السيطرة والتحكم باينين في صورة خوف وحنية: “نادية، أي حاجة غيرتيها مع المتر هنصلحها الصبح.. أنتِ بس زعلانة ومأفورة، وطول عمرك غيورة وبتعملي حوارات لما بتحسي إننا بنهتم بمنة شوية.”
​غيورة؟!
أنا ناقصة طحال، ونازفة كيسين دم، وخسرت أي وهم كان جوايا إن أهلي ممكن يحبوني من غير شروط.. وبكل بساطة في نظر أمي أنا بس “مأفورة ومغيرونة”!
​قلت لها: “لأ.. إحنا خلاص صلحنا كل حاجة الليلة دي ومفيش حاجة هتتأجل للصبح.”
​أبويا عينه ضيقت.. هو بيفهم في القرش والفلوس أسرع بكتير من المشاعر، وسأل: “أنتِ غيرتي إيه بالظبط في العقود والوصية؟”
​الأستاذ عادل رد قبل ما أنا أتكلم: “الآنسة نادية عدلت كل أوراق ممتلكاتها، والوصية الشرعية، والقرارات الطبية، وتعديلات الحسابات الاستئمانية، وشالت المستفيدين بالاسم.. وكل ده توثق رسمي وبشهادة الطاقم الطبي. وكمان ألغت التفويضات والتوكيلات القديمة اللي كانت مدياها لحضراتكم بخصوص التصرف في فلوسها أو اتخاذ قرارات طبية بالنيابة عنها.”
​الأوضة اتكتت.. ومحدش نطق.
منة بصت للمحامي وبعدين بصتلي وقالت بذهول: “يعني إيه الكلام ده؟”
​قلت لها: “يعني.. مش هتاخدوا مكافأة على إنكم بعتوني وسبتوني أموت لوحدي.”
​أمي طلعت صوت متألم ونبرة عياط: “بعد كل التضحيات اللي ضحيناها عشانك يا نادية؟” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​رديت عليها: “أنتوا ضحيتوا بطفولتي عشان منة تعيش الدلوعة.. ضحيتوا بحفلة تخرجي من هندسة عشان منة كان عندها عيد ميلاد صاحبتها في النادي.. ضحيتوا بعزومة قراية فاتحتي عشان منة كانت متخانقة مع خطيبها وزعلانة.. والنهاردة ضحيتوا بحياتي كلها عشان تفرشوا لها أوضة الضيوف!”
​بوق منة اتلوى وقالت بغيظ: “أنتِ أكيد اتجننتي من الصدمة!”
​ميرفت الممرضة قالت من بعيد بهدوء: “لأ.. البشمهندسة فايقة ومدركة ومؤهلة قانونيًا، وده متسجل في التقرير الطبي للرعاية.”
​أبويا شاور بصابعه في وش الأستاذ عادل وقال: “الكلام ده مش هيمشي في المحاكم والوصية دي باطلة.”
​ملامح الأستاذ عادل متهزتش وقال بثقة: “لأ.. هتمشي وقانونية 100%.”
​في اللحظة دي بالظبط، أمي فهمت.. يمكن مش كل حاجة، بس فهمت الخلاصة: شاليه الساحل اللي بيتمنظروا بيه قدام صحابهم.. الأقساط اللي كنت بدفعها من سكات عشان أسدد ليهم القرض العقاري بتاع بيتهم القديم.. خطة التأمين الطبي الخاص اللي كنت عاملاها عشان مصاريف علاجهم لما يكبروا في السن.. المستقبل اللي كانوا فاكرين إنهم يقدروا يعاملوني فيه زي الزفت وبرضه هيورثوا الملايين في الآخر.
​مدت إيدها عشان تمسك إيدي وتستعطفني.
فـ سحبت إيدي منها بعنف.
​ولأول مرة الليلة دي، محدش في الأوضة اتكلم.. الأجهزة بس هي اللي كانت بتتكلم، وبتعد كل دقة من دقات قلبي كأنها شهادة قاطعة في المحكمة.
​الجزء الثالث والأخير: الحساب الختامي
​أمي حاولت تلطف الجو وتلعب دور الضحية، بدأت تعيط عياط مزيف ونبرة كلها عتاب مسرحي: “يعني هتهدي كل اللي بنيناه وصلة الرحم عشان شوية كراسي وصناديق وشاليه؟ إحنا لحمك ودمك يا نادية!”
بصيت لها وقلت لها بكل برود: “كنتوا أهلي لحد الساعة 11:18 الصبح النهاردة.. من بعدها، كيس المحلول اللي متعلق في عروقي ده بقى أقرب لي منكم.”
​أبويا لما لقى إن السكة الحنينة مش جايبة همها، وشّه قـِلب وبان الجشع اللي جواه، وبص للأستاذ عادل وزعق: “المحاكم بينا.. البنت دي مش في كامل قواها العقلية وإحنا هنرفع قض..ية حجر ونلغي كل العك والتزوير ده.”جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​هنا الأستاذ عادل ابتسم ابتسامة هادية وثقة تخوف، وطلع من شنطته تابلت صغير وقاله: “كل دقيقة من الجلسة والتوقيع دي متسجلة فيديو وصوت بطلب رسمي من موكلتي، ومعانا شهادة دكتورة الرعاية المركزة والممرضة المسؤولين ومختومة بختم المستشفى.. تحبوا ترفعوا القض..ية الصبح في مجمع المحاكم ولا تستنوا للأسبوع الجاي؟”
​منة بدأت تنهار وتستوعب إن “السبوبة” الكبيرة ضاعت، وإن الشياكة والمنظرة وجوزها شريف والفيلا الجديدة مش هيلاقوا اللي يدفع أقساطهم ولا مصاريف الصيانة بعد كده. بصتلي بغل وقالت: “أنتِ طول عمرك غيورة وحقودية.. مش قادرة تشوفيلي يوم حلو في حياتي! عشان كده بوظتي فرحتي ببيتي الجديد!”
​رديت عليها وأنا مغمضة عيني من التعب والألم: “أنا ميرضينيش أبداً أبوظ فرحتك وعزوتك.. عشان كده اطلعي برة أوضتي حالا، وارجعي فيلتك الجديدة.. افرشيها، وعيشي فيها، بس من غير ولا مليم واحد من فلوس نادية.”
​أمي حاولت تقرب تاني من السرير، ودموعها المرة دي كانت حقيقية.. دموع الخوف من بكرة ومن الفقر وقلة الفلوس اللي مستنياهم، وقالت بصوت مكسور: “نادية.. فكري في شكلنا قدام الناس وقرايبنا.. هنقولهم إيه لما يسألونا عن شاليه الساحل وعن فلوسنا؟”
​وقفت ثواني وبصتلها، وقلت لها الكلمة اللي قطمت وسطهم: “قوليلهم الحقيقة يا أمي.. قوليلهم إن تمن فرش أوضة الضيوف لـ منة.. كان غالي شوية.. كلّفكم بنتكم الكبيرة.. وكلّفكم ورثكم كله.”
​أبويا شد أمي ومنة من إيديهم وخرجوا من الأوضة وهم بيشتموا ويزعقوا في الممر، وصوت خناقهم وصراخ منة على الفلوس سمع في المستشفى كلها برة.
​الأوضة رجعت هادية تاني.. مفيش غير صوت الأجهزة بتزمر بانتظام. الأستاذ عادل لم ورقه وبصلي بكل احترام وتقدير وقال: “ألف سلامة عليكِ يا بشمهندسة نادية.. أوراقك كلها في الحفظ والصون، وتقدري ترتاحي وتنامي وأنتِ مطمنة دلوقتي.”
قلت له: “شكرًا ليك يا أستاذ عادل، تعبتك معايا بالليل.”
​لما قفل الباب وراه، ميرفت الممرضة قربت مني، عدلتلي المخَدة بالراحة، وبصتلي بإعجاب وقالت: “أنتِ بجد قوية وست بـ 100 راجل.”جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ابتسمت لها ودمعة واحدة سخنة نزلت من عيني.. مكنتش دمعة حزن على ناس ميسواش، كانت دمعة راحة وفوقان.
​لأول مرة في حياتي، نمت وأنا مش مستنية موبايلي يرن أو حد يفتكرني.. نمت وأنا عارفة إن اللي باقي من عمري هعيشه لنفسي، وصحتي، ولفلوسي وبس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *