حماتي والمعاش حكايات منال علي

“حماتي قالتلي: هقعد عندكم كام يوم لحد ما أخو جوزك يتجوز… ماكنتش أعرف إن الكام يوم دول هيقلبوا بيتي، وجيبي، وصحتي رأسًا على عقب… واللي حصل قبل ولادتي بأيام خلاني أقف حائرة بين إني أسكت… أو أخسر ناس كتير!” بقلـم حكايات منـال علي

كنت فاكرة إن أصعب حاجة ممكن أعيشها هي الحمل وأنا عندي طفل صغير متعلق بيا طول الوقت… لكن اكتشفت إن الأصعب بكتير إنك تحاولي ترضي كل الناس، وفي الآخر تلاقي نفسك الوحيدة اللي بتدفعي التمن.

أنا متجوزة بقالي كام سنة، والحمد لله ربنا رزقني بابن عنده سنة ونص، ودلوقتي حامل في آخر شهور حملي، ومستنية ولادتي في أي وقت.
وجوزي راجل محترم، والله ما أقدر أنكر ده، لكنه على قد حاله جدًا.

مرتبه يادوب بيكفينا بالعافية.بقلـم حكايات منـال علي
بعد ما ندفع الإيجار، اللي بياخد تقريبًا نص المرتب، ونجيب بامبرز لابني، وأكل وشرب، وفواتير، ومواصلات… بنفضل نحسب الجنيه قبل ما نصرفه.

ومع ذلك كنا راضيين.
الحمد لله على كل حال.

أنا طول عمري مقتنعة إن البر بالأهل واجب، وإن أم الزوج زي الأم، وعشان كده عمري ما كنت أحب أزعل حماتي أو أحسسها إنها تقيلة علينا.
لكن اللي حصل الفترة الأخيرة خلاني لأول مرة أقف وأسأل نفسي…

هو للصبر حدود… ولا أنا اللي بقيت أنانية؟
قبل فرح أخو جوزي بفترة، حماتي قالت إنها هتقعد عندنا كام يوم.
قالت إنها بتخاف تقعد لوحدها في بيتها لحد ما الفرح يخلص.
بصراحة…
أنا ماعنديش مشكلة.
بالعكس.

قلت دي أم جوزي، ووجودها وسطنا خير وبركة.
رحبت بيها من قلبي، وجهزتلها أوضة، وكنت بحاول أخليها مرتاحة.
لكن بعد أول يومين… بدأت ألاحظ حاجات مضايقاني.
أول حاجة…
الأكل.

حماتي نفسها مفتوحة جدًا للأكل، وده حقها طبعًا، ربنا يديها الصحة.بقلـم حكايات منـال علي
لكن المشكلة إنها كانت تاكل من غير ما تفكر إحنا ظروفنا عاملة إزاي.
تفتح التلاجة كذا مرة.
تعمل فطار لوحدها.
وبعدها بساعتين تقول جعانة.
وبالليل تطلب عشا.
ولو في فاكهة أو حلويات تخلصها من غير ما تحسب حساب لحد.

وأنا كل يوم أقعد أحسب هنعمل أكل بإيه بكرة.

كل ما أجيب حاجة للبيت ألاقيها خلصت بسرعة.

في الأول كنت بقول يمكن إحساسي غلط.

لكن لما المصاريف زادت بشكل واضح… بقيت خايفة.

كل مرة أقول لجوزي:بقلـم حكايات منـال علي

“المصاريف زادت أوي.”

يرد وهو مخنوق:

“ربنا كبير.”

وأعرف من وشه إنه مش قادر يعمل حاجة.

كنت مستحية أتكلم.

أقول لنفسي…

دي أمه.

عيب.

لكن الحقيقة إن الحمل كان مخليني أضعف بكتير.

جسمي تعبان.

وظهري بيوجعني.

وابني الصغير محتاجني طول اليوم.

وفوق كل ده… البيت بقى محتاج يتنضف مرتين وتلاتة في اليوم.

ليه؟

عشان حماتي، ربنا يهديها، كانت مبتحبش تحافظ على أي حاجة.

تاكل…

وتسيب بواقي الأكل على الترابيزة.

تشرب الشاي وتسيب الكوباية مكانها.

تقوم تغير هدومها وترميها على الكنبة.

ولو وقعت منها حاجة في الأرض… تكمل مشي كأنها مش شايفاها.بقلـم حكايات منـال علي

وأنا…

أنزل أوطي وأنا حامل في شهري الأخير، ألم من هنا، وأنضف من هنا.

كل مرة أوطي فيها أحس بطني بتشد.

وأرجع أقول لنفسي…

معلش.

ربنا يجازيني خير.

مرة كنت بمسح الأرض، لقيتها دخلت المطبخ، عملت سندوتش، وفتفت العيش في كل حتة، وسابت السك..ينة والطبق على الرخامة، وخرجت.

بصيت للمطبخ…

وحسيت إني هعيط.

مش عشان الطبق.

ولا عشان الفتافيت.

لكن عشان حاسّة إن محدش حاسس بيا.

ولا بتعبي.

ولا بحملي.

ولا حتى إن عندي طفل صغير بيشدني من هدومي وأنا بحاول أخلص شغل البيت.

الأصعب من كل ده…بقلـم حكايات منـال علي

إن حماتي كان معاها معاش كويس.

يعني الحمد لله مش محتاجة.

لكن عمرها ما قالت:

“خدي يا بنتي هاتوا بيهم طلبات.”

ولا حتى جابت كيس سكر.

ولا زيت.

ولا فراخ.

ولا حتى شوكولاتة لابني الصغير.

كل يوم تاكل وتشرب كأن البيت بيصرف لوحده.

وأنا كل يوم أحسب الميزانية بالعافية.

لحد ما في مرة…

فضلت أبص للمحفظة.بقلـم حكايات منـال علي

لقيت الفلوس اللي كانت مكفيانا آخر الشهر، ناقص منها حاجات كتير بسبب المصاريف الزيادة.

وقعدت أفكر…

هو أنا لو طلبت منها تشارك في مصاريف البيت أبقى غلطانة؟

ولا ده حقي؟

فضل السؤال ده ياكل في دماغي يومين.بقلـم حكايات منـال علي

كل ما أبص لجوزي وهو راجع من الشغل مرهق، أعرف إنه مش ناقص حمل جديد.

وكل ما أبص لابني وهو بيطلب حاجة، أخاف يجي يوم أعجز أجيبها.

وفي ليلة…

بعد ما الكل نام…

بصيت لجوزي وقلتله بهدوء:بقلـم حكايات منـال علي

“ممكن أقولك على حاجة… بس أوعدني متزعلش؟”

بصلي باستغراب…

وقال:

“خير… مالك؟”

أخدت نفس طويل…بقلـم حكايات منـال علي

وكانت دي أول مرة أقرر أتكلم في الموضوع…
لكن عمري ما توقعت إن الكلمتين اللي هقولهم هيقلبوا البيت كله… ويخلوني أندم إني فتحت الموضوع من أساسه.
يتـبع 👀

الكتابة

أول ما قلتله:

“ممكن أقولك على حاجة… بس أوعدني متزعلش؟”

رفع عينه من الموبايل وبصلي باستغراب، وقال بهدوء:

“خير يا حبيبتي… في إيه؟”

قعدت ساكتة ثواني، بحاول أرتب كلامي.

والله ما كنت عايزة أوقعه بيني وبين أمه، ولا كنت مستنية منه يقف في صف حد ضد حد.

أنا كل اللي كنت محتاجاه إنه يفهم أنا بمر بإيه.

قلتله وأنا باخد نفس طويل:

“أنا تعبت يا أحمد… والله تعبت.”

وشه اتغير على طول.

قال وهو قرب مني:

“مالك؟ في حاجة وجعاكي؟ نروح المستشفى؟”

هزيت راسي بسرعة.

“لا… الحمل الحمد لله، بس أنا مش قادرة أكمل بالشكل ده.”

سكت.

كان مستني أكمل.

قلت وأنا ببص في الأرض:

“مامتك منورة البيت والله… وأنا عمري ما هقول إنها تمشي… بس إحنا ظروفنا صعبة.”

فضل ساكت.

قلت:

“المصاريف زادت جدًا… والأكل بقى يخلص بسرعة… وأنا كل شوية أنزل أجيب طلبات، وإنت عارف إحنا يادوب بنلحق آخر الشهر.”

تنهد وقال:

“عارف.”

كملت وأنا خايفة من رد فعله:

“هي معاها معاش كويس… لو حتى شاركت بحاجة بسيطة… كيس خضار… فراخ… أي حاجة… هتفرق معانا.”

أحمد غمض عينه شوية.

ولما فتحها قال:

“يعني عايزة أقول لأمي تصرف علينا؟”

الكلمة وجعتني.

قلت بسرعة:

“لا… مش كده خالص.”

“أمال إيه؟”

“أنا بقول تشارك وهي قاعدة… مش أكتر.”

فضل ساكت.

كنت شايفة الحيرة في عينه.

هو فاهم إن كلامي منطقي.

وفي نفس الوقت أمه بالنسبة له خط أحمر.

بعد شوية قال بصوت هادي:

“سيبيني أفكر.”

قلت:

“أنا مش مستعجلة… بس والله الحمل تعبني.”

لأول مرة من أيام حسيت إنه حاسس بيا.

مسك إيدي وقال:

“حقك عليا.”

الكلمتين دول هونوا عليا شوية.

لكن اللي حصل بعدها خلاني أقول يا ريتني ما فتحت الموضوع.

…

تاني يوم الصبح.

صحيت بدري كالعادة.

حضرت الفطار.

حماتي خرجت من أوضتها وقالت:

“فيه جبنة تانية؟”

قلت بابتسامة:

“خلصت يا ماما.”

قالت وهي مكشرة:

“إيه ده… كل شوية الحاجة تخلص.”

بصيتلها وسكت.

أنا نفسي كنت مستغربة الحاجة بتخلص إزاي.

بعد الفطار لقيتها فاتحة التلاجة.

طلعت الزبادي اللي كنت جايباه مخصوص عشان الدكتور كاتبهولي.

وأكلته.

رجعت من أوضة ابني لقيت العلبة فاضية.

قلت بهدوء:

“يا ماما… ده كان ليا.”

ردت بمنتهى البساطة:

“هاتيلك غيره.”

ابتسمت ابتسامة باهتة.

وأقول أجيب منين؟

الفلوس محسوبة.

بعد الضهر كنت بغسل المواعين، وهي قاعدة تتفرج على التلفزيون.

ابني شدني وقال:

“ماما… جعان.”

روحت أفتح التلاجة.

لقيت الفراخ اللي كنت عاملاها للعشا ناقصة أكتر من النص.

عرفت إنها أكلت منها.

وقفت قدام التلاجة شوية.

حاسّة إني مخنوقة.

مش عشان الفراخ.

عشان كل حاجة بقت محسوبة.

حتى اللقمة.

وبالليل أحمد رجع من الشغل.

وشه كان مرهق جدًا.

أول ما دخل قال:

“النهارده المدير خصم مني.”

قلبي وقع.

قلت:

“ليه؟”

قال:

“اتأخرت الصبح.”

حاول يبتسم.

“معلش… تتعوض.”

لكن أنا كنت عارفة إن الخصم ده معناه أزمة جديدة.

بعد العشا قعد يحسب الفلوس.

مرة يبص للمحفظة.

ومرة يبص في الورقة اللي كاتب فيها المصاريف.

وفجأة قال:

“إحنا مش هنكمل آخر الشهر.”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.

لأني كنت عارفة إنها حقيقية.

ساعتها أخدت قرار بيني وبين نفسي.

لو أحمد مش هيقدر يفتح الموضوع…

أنا هكلم حماتي بنفسي.

بس بكل احترام.

ومن غير ما أجرحها.

فضلت طول الليل أفكر أبدأ الكلام إزاي.

أقولها إيه؟

وهل هتفهم ظروفي؟

ولا هتزعل؟

وفي اليوم اللي بعده، وأنا بعمل الغدا، لقيتها داخلة عليا المطبخ.

بصت في الحلل وقالت:

“بس كده؟”

ابتسمت وقلت:

“على قدنا يا ماما.”

قالت وهي بتقلب في التلاجة:

“اعملي صنف تاني… نفسي في محشي.”

ابتسمت غصب عني.

وقلت:

“الموجود ده يا ماما.”

ردت بضيق:

“هو أنا هفضل آكل نفس الأكل كل يوم؟”

وقفت مكاني.

ولأول مرة حسيت إن دموعي قربت تنزل.

لأنها ما كانتش تعرف… إن تمن المحشي اللي طلبته، هو نفس تمن البامبرز اللي ابني هيحتاجه آخر الأسبوع.

وقبل ما أرد عليها… سمعت صوت جرس الباب.

بصيت من العين السحرية…

واتصدمت لما شفت مين اللي واقف برا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *