حماتي دايما بتعيب علي اكلي

حماتي دايماً بتعيب على أكلي وتتريق عليا قدام الناس، بس المرة دي رمت صنيتي في الزبالة وقالت عشان تتعلمي الأصول في بيتي.. مكانتش تعرف إن جوزي وهو بيطلع الصينية المكسورة من وسط الوساخة، هيطلع معاها ظرف بني متبهدل، جواه سر هيدفن هيبتها ويهد مملكتها قدام العيلة كلها في أقل من دقيقة.
ارمي كل ده في الزبالة! أنا ميتفرشش على طبلتي أكل من إيد واحدة مابتسمعش الكلام ومابتفهمش في الأصول.
الحلة البايركس وقعت في قعر باسكيت الزبالة برزعِة مكتومة، تقيلة، تكسر النفس. كنت واقفة على باب المطبخ بتاع حماتي، إيدي لسه ساندة على الحلق، وببص على الحاجة تريزة وهي بتكبس غطا الباسكيت بإيديها الاتنين بكل غِل، وكأنها بتموت حشرة مقرفة.
مكانتش شايفاني.. بس جوزي مصطفى كان شايفها.
والمنظر اللي كان عليه وشه اللي خطفه الدم، وجسمه اللي اتخشب، وفكه اللي اتشنج من الكتمة عرفني إن المرة دي مش هيقولي معلش يا مريم فوتيها ولا عشان خاطري عديها ومتبوظيش اليوم.
حكاية سبع سنين كتمان
أنا اسمي مريم. عندي 34 سنة، ومتجوزة من مصطفى بقالي 7 سنين، وعندنا بنوتة زي العسل عندها 5 سنين اسمها فريدة. شغالّة مسؤولة لوجستيات في شركة شحن في وسط البلد. عيشتي مش رواية، بس عيشة طافحة الكوتة عشان أبنيها شقة صغيرة على قدنا في عين شمس، بنت صحتها كويسة، وجوازة كنت فاكراها لحد اليوم ده هادية ومستقرة.. وطول بال وصبر، ناس كتير افتكروه قلة حيلة وخوف.
عرفت مصطفى في حفلة شوي عند أصحابنا في المعادي. كان هادي، ابن أصول، ولمّاح.. من نوعية الرجالة اللي مابيتكلموش كتير بس تلاقيهم سدّادين وقت الزنقة. أمه بقا، الحاجة تريزة، كانت العكس تماماً صوتها عالي، مسيطرة، وواخدة إن الكل لازم يبصلها ويستأذنها

قبل ما ينطق.
في الأول، قلت عادي.. ده طبعها وطبع ستات كتير من الجيل القديم.
أول عيد أضحى قضيته مع عيلة مصطفى، عملت صينية فتة بالخل والتوم وخدتها معايا. الحاجة تريزة هبشت حتة بالمعلقة على طرف لسانها وقالت
شغالة.. كويسة بالنسبة لواحد أول مرة تطبخ. بكره يدك تاخد على الأكل وتطلع زي أكل عيلتنا.
مصطفى طبطب على إيدي من تحت التربيزة وهمسلي
هي أمي كدة، متزعليش.. فوتيلها.
وفعلاً، فضلت سنين أفوت.
مفوتة لما دخلت شقتي بعد ما ولدت فريدة، وشقلبت حال المطبخ كله وغيرت مكان الحجج بحجة إن الأم الجديدة مابتفهمش في التنظيم.
مفوتة لما جه سبوع البنت، وعملت كل حاجة وخططت لكل حاجة من ورايا، من أول الألوان لحد المعازيم والمغني، ومن غير ما تاخد رأيي في كلمة.
مفوتة لما شافت صورة ليا أنا ومصطفى مع بعض، وراحت قايلة بدم بارد مصطفى كان منور ووشه يرد الروح أيام خطوبته على رانيا إكس بتاعه.. البنت دي كان ليها هيبة وطول بعرض.
كنت ببتسم.. وأبلع ريقي.. وأقول لنفسي مش مستاهلة خناق ونكد.
بس الإهانة مابتختفيش لما بنسكت عليها، دي بتفضل قاعدة في البيت، بتنام معانا في السرير، وبتتحشر وسط الكلام. بتدخل بين الراجل ومراته زي الرطوبة اللي بتبوظ المحارة ورا الدهان.
العزومة السنوية وفخ ست الكل
اللمة السنوية لعيلة السلحدار كانت العشق المر للحاجة تريزة. كانت بتعملها كل سنة في شهر نوفمبر في بيتها الكبير اللي في مصر الجديدة. ييجوا بقا الأعمام، الخالات، الجيران القدام، المعارف، وحتى ناس محدش عارف يقربوا للعيلة من أنهي داهية بالظبط. كانت بتبعت لستة على الواتساب لكل واحدة فينا باللي المفروض تطبخه وتجيبه معاها.
السنة دي، كان نصيبي أعمل رز أحمر بالخلطة.
حاجة تافهة.. ومضمونة.. ومستحيل تبوظ من أي خايبة.
بس قبل العزومة بأسبوعين، خالة مصطفى الكبيرة، خالتي ليلى، كلمتني في التليفون.
يا مريم يا بنتي، عوزاكي في خدمة. أنا مش هقدر أروح العزومة عشان هعمل عملية في ركبتي، بس مش عايزة اللمة تفقد طعمها. عايزاكي تعملي أنتي صينية قرع العسل بالمكسرات والبشاميل المسكر بتاعتي. دي العادة بتاعة كل سنة، والعيلة كلها بتستناها.
أملتني الوصفة خطوة بخطوة، بالجرام، والمقادير، وحتى الدرجة المظبوطة للشربات والبشاميل. وقبل ما تقفل، وطّت صوتها وقالتلي
بس إياكي يا مريم تقولي ل تريزة إن دي وصفتي أو إني أنا اللي قولتلك. لو عرفت إنك أنتي اللي عاملاها مكاني، هتخرب الدنيا وتطلع فيها القطط الفاطسة.
كان المفروض أفهم إن ده تحذير.. مش مجرد سر.
ليلة العزومة.. والسر المدفون
ليلتها، فريدة بنتي سخنت جداً وجالها التهاب في ودنها. منمناش غير 3 ساعات على بعض. ورغم التعب والهدد، فضلت صاحية لحد الساعة 1 بالليل بعمل صينية قرع العسل. البيت كله كان قالب ريحة قرفة، زبدة، مكسرات متحمصة، وقرع مستوي في السكر.
مصطفى دخل عليا المطبخ، وبصلي بقلة حيلة
أنتي عارفة إن أمي كدة كدة هتطلع فيها عيب؟
يمكن المرة دي تعجبها.
بصلي كأنه بيبص لوحدة مستنية الورد يطلع من الحيطة السد.
المهم.. مهما حصل الصبح، أنا في ظهرك والمرة دي مش هسكت.
مكانش يخطر على بالي أبداً إن بعد كام ساعة بس هسمع صوت رقعة الحلة البايركس دي في الزبالة..
ومكانش يخطر على بالي بالذات، الحاجة تريزة رمت إيه تاني مع الأكل وهي مش دارية!
الجزء الثاني المستور لما ينكشف
بيت الحاجة فاتن كان زحمة على آخره لما وصلنا. في الحوش برة، العيال الصغيرة كانت بتجري وتتنطط بين الكراسي الفراشة، والأعمام والخلان شغالين نقاش حامي عن الكورة والوش محمر، والبنات الكبار بيرصوا الأطباق على ترابيزة طويلة مفروش عليها مشمع بنقشة ورد. كنت شيلت صينية قرع العسل في حلة بايركس محملة، ومغطياها بورق فويل. فريدة بنتي أول ما شافت ابن عمتها مروان جريت عليه وهي فرحانة، ومصطفى شال كراتين الحواجة والحاجة الساقعة، وأنا مشيت علطول على ترابيزة الحلويات.
وفجأة ظهرت جمبي رشا أخت جوزي. كانت لابسة فستان بيج شيك ميه فميه، بس عليها نفس الابتسامات المتوترة بتاعت كل مرة.
وقالتلي بصوت واطي
أمي دماغه ناشفة ومقفلّة النهاردة خالص.
أكتر من العادي يعني؟
رشا بصت ناحية المطبخ وقالت
مقموصة وزعلانة عشان خالتي ليلى مجتش العزومة. بتقول إنها عملت كدة قاصدة عشان تصغرها قدام الناس، وتلاقيها قاعدة دلوقتي بتتكلم عليها برة.
يا رشا، دي خالتي هتعمل عملية في ركبتها!
عارفة والله.. بس أنتي عارفاها بقا لما بتقفل من حد.
أه.. عارفاها، وعارفاها كويس أوي كمان.
سم في المطبخ
قبل الغدا بساعة، دخلت التواليت اللي في الطرقة. وأنا خارجة، سمعت صوت الحاجة فاتن جاي من المطبخ وهي بتقول
تخيلي يا بت يا رشا، مريم هانم جايبالي صنف حلو! حتى الرز اللي طلبته منها مجبتهوش.
ابن عم مصطفى، أحمد، رد عليها بكلمتين مسمعتهمش بالظبط، فكملت هي وقالت
طبعاً.. لازم تعمل فيها الست الناصحة اللي بتفهم في كل حاجة. بس في بيتي هنا، كلامي أنا اللي يمشي والأصول تتنفذ. الصينية دي مش هتعتب التربيزة بتاعتي.
حسيت بدمي هرب وجسمي كله سقع. طلعت الحوش جري أدور على مصطفى، لقيته واقف جمب شواية الفحم. حكيتله بالحرف الواحد اللي سمعته. في الأول غمض عينيه ونفخ، وبعدين ساب المساكة من إيده على الترابيزة وقال
أنا داخل أتكلم معاها.
لأ يا مصطفى، مش عايزة مشاكل ونكد في
لمحة نيوز

اللمة.
ولا أنا عايز.. بس أنا خلاص جضيت وتعبت من إن تمن روقان البال والسلام في البيت ده دايماً بتدفعيه أنتي من كرامتك.
دخل البيت وأنا مشيت وراه بعد دقيقة. وهناك شفت المشهد.
المواجهة الكبرى
الحاجة فاتن كانت واقفة قدام باسكيت الزبالة. ورق الفويل كان مكرمش ومحذوف على الرخامة، وصينية قرع العسل مكنتش موجودة على التربيزة. الحلة البايركس بتاعة خالتي ليلى اللي كانت محرجاني ومأكدة عليا أخلي بالي منها عشان دي غالية عليها ومن ريحة أمها كانت مقلوبة جوة الباسكيت، ومردومة تحت مناديل مستعملة وبواقي دهن.
مصطفى كان واقف على بعد 3 خطوات منها. وسألها بصوت واطي وهادي لدرجة إن البيت كله سكت فجأة
أمي.. أنتي لسه عاملة إيه حالا؟
الحاجة فاتن مسحت إيدها في الفوطة ببرود وقالت
نظفت المطبخ بتاعي. مراتك مجبتش الطلب اللي طلبته منها.
قرع العسل ده مكانش دلع من مريم يا أمي.
الحاجة فاتن رفعت راسها ومرخرختش
خلاص، يبقا تتعلم تتكلم وتقول بعد كدة.
خالتي ليلى هي اللي حيلت عليها وعزمت عليها تعملها.
السكوت نزل زي الصاعقة مرة واحدة. رشا ظهرت على الباب وهي شيلة صينية كوبايات، وأحمد ساب قزازة الحاجه الساقعة من إيده ومصبش. وبنت عم تانية قطعت الحكاية والنميمة في نص الجملة.
مصطفى كمل كلامه
دي كانت وصفة خالتي ليلى.. نفس الصينية اللي بتعملها بقالها 20 سنة ومبتنزلش من على سفرتك. مريم وفقت طول الليل تعبانة ومانمتش عشان تعملها، لأن خالتي عيانة وكان نفسها تحس إنها موجودة وسطنا في اللمة دي.
لأول مرة، الحاجة فاتن بربشت بعينيها ومبقتش عارفة تنطق تقول إيه. بس لحقت نفسها بسرعة وقالت
وأنا إيش عرفني؟ مكانت مريم المحروسة تقولي وتعرفني!
بصيتلها وقلت
وكان إيه هيتغير؟
مصوتش.. وده اللي كان مرعب في الموضوع. صوتي طلع هادي، وتعبان، ومكسور
لو كنت قولتلك إنها بتاعة خالتي ليلى، كنتي هتحترميها؟ ولا كنتي هتدوري على أي حجة تانية عشان تكسري نفسي وتصغريني؟
الحاجة فاتن مردتش. والسكوت ده كان أوضح من أي اعتراف.
الثورة الخفية
وفجأة، رشا حطت صينية الكوبايات على الرخامة ورزعتها وقالت
أمي.. مريم عندها حق.
كلنا لفينا وبصينالها. رشا بلعت ريقها وكملت
أنتي دايماً بتعملي كدة. معاها، ومعايا، ومع أي حد مابيرضاش يمشى تحت طوعك وتتحكمي فيه. بتعيبّي على لبسها، على أكلها، على تربيتها لفريدة، على طريقتها في الكلام، وحتى على نفسها! وكلنا بنضحك ونغير الموضوع عشان بنبقى خايفين يجي علينا الدور ونبقى الضحية الجاية.
الحاجة فاتن بصتلها بصة ذهول كأنها مش عارفاها
ملكيش دعوة أنتي يا رشا، ومتحشريش نفسك.
لأ ليا دعوة وأنا حشرت نفسي خلاص.
أحمد بص في الأرض، ورشا خدت نفس طويل وكملت
أنتي عملتي كدة برضه مع مراته لأحمد لحد ما كرهت البيت ومبقتش تعتبلنا رجل. وعملتيه مع بابا الله يرحمه لحد ما طفش وفضل يهرب من البيت. والأعور من كدة إننا كلنا كنا عارفين وساكتين.
الحاجة فاتن كبشت فوطة المطبخ بإيدها بكل عصبية لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت. لثانية واحدة، قولت هتعيط.. بس لأ. قربت من الباسكيت، رفعت الغطا تاني وقالت بغرور
خلاص، ورونا عرض كتافكم بقا.. أي حد شايفني وحشة كدة ياخد بعضه ويمشي من بيتي!
ولما مصطفى مد إيده جوة الزبالة عشان ينقذ الحلة البايركس ويطلعها، في حاجة وقعت من تحت الأكل.. ظرف ورق بني مقفول، متبهدل ومبصم بشربات قرع العسل، ومكتوب عليه بخط الإيد إلى الأخت فاتن.
الظرف ده كان مبعوت من خالتي ليلى.. واللي كان جواه كفيل إنه يهد العيلة دي كلها ويقسمها نصين!
الجزء الثالث والأخير حبل الكذب قصير
مصطفى فضل مبحلق في الظرف البني كأنه مش مستوعب إيه اللي جابه هنا. وأنا كمان مكنتش فاهمة حاجة. قرع العسل كان عمال يسيل ويلغوص حروف الظرف، ووسط المناديل الوسخة وحتت العيش الرديئة، ظهر الورق ده وهو متداري ومحمي جوة كيس بلاستيك شفاف.
الحاجة فاتن أول ما شافته.. وشها اتقلب مية وثمانين درجة!
مكانتش مفاجأة.. ده كان رعب حقيقي في عينيها.
وقالت بلهفة
هات البتاع ده!
مصطفى ماتحركش من مكانه وسألها
إيه ده؟
حاجة ماتخصكش.
رشا أخته قربت خطوة وقالت
لو حاجة ماتخصناش وماتهمش، وشك خطفه الدم كدة ليه يا أمي؟
الحاجة فاتن مدت إيدها تخطفه، بس مصطفى رفع إيده بالظفت لفوق بعيد عن متناولها. المطبخ بقى هسسسس، لدرجة إننا كنا سامعين صوت العيال برة في الحوش وهم بيلعبوا، وكأنهم عيال من بيت تاني ودنيا تانية خالص ملهمش دعوة بالهم ده.
أنا بصيت على الاسم المكتوب بالحبر الأزرق برة
إلى الأخت فاتن. لو فكرتي في يوم تمحي حد من العيلة دي وتصغريه، افتكري كويس اللي أنتي خبتيه وسرقتيه.
النفس اتمسك في زوري وماعرفتش أتنفس.
الحاجة فاتن قالت بصوت هربان منه العزم
الورق ده مش بتاعك يا مصطفى.
بس مصطفى فتح الظرف علطول. وجواه لقى رسالة مكتوبة بخط الإيد، وصورتين قدام، ونسخة صفراء وقديمة من عقد موثق في الشهر العقاري.
الحاجة فاتن قالت بنبرة رجاء، ولأول مرة صوتها مايكونش فيه كبرياء
يا مصطفى.. بلاش تعمل كدة هنا قدام الناس، عشان خاطري.
هو رفع عينه وبص لها وقال بجمود
ياما طلبتي من مريم إنها تستحمل وتعدي إهاناتك هنا قدام الناس؟ ياما صغرتيها وكسرتي نفسها قدام الرايح والجاي؟ م تطلبيش مني أداري على حقيقة أنتي بنفسك رميتيها في الزبالة.
الفضيحة بجلاجل
رشا حطت إيدها على بوقها من الصدمة. وأحمد رجع وقف على الباب لما حس بالسكوت المريب ده. وخلتين من الخالات أتوا من الصالة ووقفوا يتفرجوا. محدش كان قادر يدخل المطبخ، بس الكل كان هيموت ويعرف في إيه.
مصطفى فرد الرسالة، وعرفنا خط خالتي ليلى علطول من شكل الحروف اللي كانت كاتباهالي في الوصفة
فاتن.. لو أنتي بتقري الكلام ده دلوقتي، يبقى أنتي عملتي بالظبط اللي أنا كنت عارفاكي هتعمليه. رميتي صينية قرع العسل من غير حتى ما تذوقيها، مش عشان الأكل وحش، لأ.. عشان جاي من مريم. أنا عارفاكي وعارفة غلك، وعارفة هوسك بإنك أنتي اللي تقرري مين يقعد على السفرة ومين ياخد إذن عشان يتنفس.
الحاجة فاتن غمضت عينيها بكسرة. ومصطفى كمل قراية بصوت تقيل زي الحجر
سنين وأنا شيفاكي بتعاملي ستات العيلة دي كأنهم غُرب وأغراب. مروة مرات أحمد طفشتيها بكلامك السم اللي كنتي بتغلفيه في شكل نصايح. ورشا بنتك كسرتي مقاديفها وكل ما تحاول تعيش بطريقتها بتهديها. ومريم بقا، بتعاقبيها لسبب واحد إن مصطفى اختارها وحبها من غير ما يرجعلك وياخد إذنك.
حسيت بحاجة فكت في صدري وقلبي ارتاح.. مكانتش فرحة، كانت حزن قديم ومكتوم لقى أخيراً حد يشهد عليه وينصفه.
الرسالة كانت مكملة
بس اللي وجعني بجد مش كل ده.. اللي وجعني إنك نسيتي أصلك وفصلك. نسيتي إنك أنتي كمان دخلتي العيلة دي بشنطة هدوم مستلفة، لا ليكي قرش ولا جاه، وبسر كبير أمي الله يرحمها رضيت تدفنه وتداري عليه عشان تحميكي وتسترك.
رشا نزلت إيدها براحة وسألت
سر إيه؟
حماتي دندنت بصوت مخنوق
ليلى ملهاش حق تعمل كدة.
مصطفى بص في العقد الموثق وحواحبه عقدت
بس العقد ده بيقول إن بيت الست وأمي كريمة مكانش ليكي لوحدك يا

أمي!
الهمس والوشوشة قالبوا الصالة والمطبخ. البيت الكبيييير اللي احنا واقفين فيه ده، واللي الحاجة فاتن كانت بتتنطط بيه وتعتبره ورثها الشرعي وعرشا ومملكتها، طلع فيه كلام تاني!
مصطفى كمل قراية في سرة لثواني، ووشه اتخطف من الصدمة والذهول
أمي.. البيت ده مكتوب باسم تلاتة.. أنتي، وخالتي ليلى، وخالي رأفت!
أحمد فتح بوقه
إيه؟!
رشا لفت لأمها وصرخت
أنتي مش طول عمرك بتقوليلنا إن البيت ده ملكك أنتي لوحدك ورثاه من جدتي؟!
الحاجة فاتن صلبت طولها وحاولت ترجع هيبتها المكسورة
عشان أنا اللي شيلته! أنا اللي كنت بصرف عليه وبوضبه، وأنا اللي بلمكم فيه، وأنا اللي خدمت أمي وشيلتها في مرضها لما كان محدش بيعبرنا!
وفجأة، دخلت من الصالة خالتي الكبيرة خديجة وقالت بصوت هادي
الكلام ده مش مظبوط يا فاتن.
حماتي اتسمرت مكانها. خالتي خديجة قربت من الرخامة، وصوتها كان بيرعش من كبر السن بس مكانتش خايفة
ليلى كانت بتبعتلك فلوس كل شهر من بورسعيد عشان البيت. ورأفت هو اللي دفع دم قلبه في تصليح السقف لما وقع في أواخر التسعينات. أنتي خدمتي أمك يا فاتن ومحدش أنكر فضلك، بس ما خدمتيهاش لوحدك.. أنتي اللي طمعتي وعايزة تكوشي على كل حاجة وتعملي فيها الست الوالدة.
مصطفى بص في الصورتين. واحدة فيها الحاجة فاتن وهي شابة صغيرة ببلوزة بسيطة واقفة جمب جدتي وخالتي ليلى. والتانية جدتي الله يرحمها وهي بتبصم على ورق قدام موظف، ومكتوب وراها تاريخ 2003.
رشا عينيها اتملت دموع وبكت
يا أمي.. خبيتي علينا كل ده ليه وعيشتينا في كدبة؟
الحاجة فاتن بصتلها بغل وكسوف
عشان لو مكنتش عملت كدة، العيلة دي كانت هتتفركش وتضيع!
مصطفى رد عليها
لأ.. هي ااتفركشت وضاعت لأنك بنيتي كل حاجة على الخوف والكدب.
الكلمة اللي قطمت الوسط
محدش نطق بكلمة. وفجأة، سمعنا صوت فريدة بنتي من على باب الحوش
ماما.. هي تيتة رمت الحلو بتاعك في الزبالة ليه؟
لفيت بسرعة. بنتي كانت واقفة، شعرها منكوش، وخدودها حمرا من الجري، وفي إيدها مصاصة سايحة. وراها العيال الصغيرة كانوا واقفين بيبصوا ومش فاهمين حاجة، بس حاسين بالخناقة والغم.
الحاجة فاتن فتحت بوقها ومعرفتش تنطق. أنا روحت لفريدة، نزلت على ركبي ومسحتلها فرفوتة سكر من على دقنها وقلت
عشان الكبار ساعات بيغلطوا ويعملوا حاجات وحشة لما بيزعلوا يا حبيبتي.
فريدة بصت لجدتها ببراءة وقالت
بس ماما كانت عاملاها بحب ونفسها تفرحنا.
محدش كان مستعد للكلمة دي من طفلة.. ولا حتى حماتي.
الحاجة فاتن نزلت عينيها الأرض، ولأول مرة من يوم ما عرفتها، مالقتش رد ترد بيه على طفلة عندها 5 سنين.
مصطفى مسك إيدي وقال
يلا بينا.. نمشي.
حماتي رفعت راسها وقالتله
هتمشي وتسيبني عشان صينية أكل؟
هو ضحك ضحكة كلها وجع وقال
لأ يا أمي.. أنا ماشي عشان بقالي 7 سنين ساكت وكاتم في نفسي. أنا ماشي وبحمي كرامة مراتي وبنتي.
قربت منه وقالت
مصطفى، أنا أمك!
ومريم مراتي، وفريدة بنتي. عيلتي ومملكتي مابتتولدش من المكان اللي أنتي بتديني فيه إذن وتصريح.
وش الحاجة فاتن اتقسم نصين من الوجع والخزي، بس مكنتش من النوع اللي هيقول أنا آسفة. في ناس تموت وماتعترفش بغلطها.
رشا لمت شنطتها وقالت
وأنا كمان ماشية.
الحاجة فاتن برقتلها
رشا!
لأ.. مش هخاف النهاردة تاني.
أحمد بص لمراته اللي كانت واقفة بعيد ومربعة إيديها، بلع ريقه وقال
احنا كمان هنستأذن يا جماعة.
في أقل من 10 دقائق، اللمة السنوية لعيلة السلحدار اتقلبت لمشهد هروب جماعي. كله بيلم عياله، والخالات بيوشوشوا بعض، والأكل برد على السفرة ومحدش مأد إيده. محدش زعق ولا شتم، وده اللي كان قوي.. الناس ببساطة مابقتش تسمع الكلام ولا تطيع الظلم.
بداية الحُرية
برة البيت، الجو كان مغيم وريحته مطر. فريدة سألتنا وهي في العربية يعني كدة مفيش حلو؟
مصطفى شالها وضحك
لأ داحنا هنروح ناكل أحلى قنبلة وكنافة وبسبوسة في السيدة زينب!
البنت ضحكت وهي مش فاهمة إن أبوها لسه كاسر حالا حلقة غل وظلم ممتدة من سنين وسنين قبل ما هي تتولد.
رشا اخت جوزي مشيت معايا لحد رصيف العربية، وعينيها منفوخة من العياط
سامحيني يا مريم.
مفيش حاجة يا رشا، مش أنتي اللي رميتي الأكل.
بس أنا اللي كنت بضحك وأجاريها في الكلام وأسكت عشان أحمي نفسي ومانضربش في وشي.
سكت.. لأن ده كان حقيقي، ولأن الحقيقة برضه إن الواحد بيبدأ يتغير ويتولد من جديد في اللحظة اللي بيبطل فيها يمثل ويزيف مشاعره.
قلتلها
المهم إنك اتكلمتي النهاردة.
رشا خدتني في حضنها.. وكان أول حضن منها بجد، من غير ما نحس إن عيون حماتي بتراقبنا.
بليل، بعد ما أكلنا الحلو ورجعنا، نيمنا فريدة. نامت والسكر على شفايفها وعروستها في حضنها. وقعدت أنا ومصطفى في المطبخ قدام كوبايتين شاي محدش فينا شرب منهم بؤ.
كان وشه أحمر وعينه مغرغرة
أنا أسف.
يا مصطفى…
لأ، سيبيني أقولها وأبرد ناري. أسف على كل مرة قولتلك عديها وفوتيها وهي كانت حاجة تكسر النفس. أسف لأني عيشتك في وهم إن روقان بالي تمنه كرامتك أنتي. أسف إني سبت أمي تعاملك كأنك ضيفة تقيلة على العيلة وأنتي اللي كنتي بتديهم حب من قلبك بجد.
بصيت للترابيزة واشتميت ريحة الأيام.. افتكرت أعياد الأضحى، وأعياد الميلاد، والمرات اللي طبخت فيها وكنت مستنية كلمة حلوة تطيب خاطري. والهدوم اللي كنت بنقيها عشان تعجبها وماتعلقش عليها. وصوتي اللي كنت بوطيه عشان مايقولوش عليا حسيسة وبتاعة مشاكل.
وقلت
وأنا كمان لازم أعتذر لنفسي.
مصطفى استغرب
ليه؟
لأني اتعودت اختفي وأصغر عشان أرضي الناس.
مسك إيدي، ومكنش فيه وعود أفلام ولا مزيكا.. كان فيه اتنين تعبانين بس قايمين على حيلهم، وعرفوا إن الحب معناه كمان إنك تقف وتتحامى في ظهر اللي بتحبه.
الحقيقة المرة
بعدها كلمت خالتي ليلى في التليفون، ردت بصوت تعبان من المرض
صينية قرع العسل وصلت بالسلامة؟
ضحكت بمرارة
وصلت.. بس قعر الباسكيت.
سكتت شوية ونهدت
يبقى قرت الرسالة وشافت الورق.
حكيتلها كل حاجة بالحرف. وفي الآخر، خالتي ليلى قالتلي
سامحيني يا مريم.. أنا استخدمتك كطُعم عشان الكل يشوف اللي أنا عارفاه من سنين. مكنتش عايزة أوجعك، بس فاتن بقالها سنين مدارية على ورق وتاريخ وحقوق عيال، وكنت عارفة إني لو واجهتها لوحدي هتقول عليا حاقدة وبغير منها. لكن لما تعمل عملتها السودة دي قدام العيلة كلها، محدش هيقدر يقول علينا بنتبلى عليها أو بنأفور.
بصيت على الصالة، لقيت مصطفى بيطبق بطانية فريدة.
الخطة نجحت يا خالتي.
ساعات الحقيقة بتحتاج باب ورِخ ومقرف عشان تدخل منه وتكشف المستور.
حياة جديدة بدون قيود
في الأسابيع اللي وراها، مكنش فيه صلح معجزات ولا أحضان. الحاجة فاتن كلمت مصطفى 3 مرات. أول مرة عشان تقوله إن مراته بتمشيه وبتلعب في دماغه. تاني مرة عشان تلوم رشا وتقول إنها خانتها. وتالت مرة عشان تقول كلمتها الشهيرة بعد كل اللي عملته عشان العيلة دي!
مصطفى سمعها للأخر وقالها
عملتي حاجات كويسة يا أمي.. بس ده مايمحيش المُر والظلم اللي دوقتيهولنا. لما تقرري تتكلمي من غير ما تجيبي سيرة مريم بالباطل، نبقى نتكلم. وقفل السكة.
رشا كمان جالها مكالمات تلطيش
كتير، عيطت واحتارت وكانت هترجع في كلامها.. بس في ليلة كلمتني وأنا بعمل شوربة لفريدة وقالتلي
مريم.. أنا النهاردة قولتلها إني بحبها، بس مبقتش أخاف منها.
وكانت دي أول مكالمة حقيقية بيننا كأخوات وسلايف بجد. وبعدها بقينا نتكلم في كل حاجة عن شغلها، عن واحد زميلها متقدملها، وعن قد إيه صعب عليها تاخد قرار من غير ما تطلب إذن. وأنا حكيتلها عن تعبي وشغلي، وقد إيه صعب أثق في الناس تاني بعد سنين الوشوش الخشب والابتسامات الفيك.
خالتي ليلى جابت محامي وفتحت ورق البيت، وخالي رأفت اللي كان طافش من سنين ظهر ومعاه مستندات تؤكد الكلام. الحاجة فاتن كانت مستغلة توكيلات قديمة وسكوت العيلة وخوفهم عشان تتصرف كأنها المالك الوحيد لحاجة عمرها ما كانت ملكها لوحدها.
محدش حب يوديها المحاكم ولا يسجنها، محدش كان عايز كدة.. بس اضطرت قانوناً تمضي وتتنازل عن حقوق إخواتها. البيت مبقاش تاج على راسها، واللمة مبقتش تتعمل فيه. ولأول مرة من سنين، العيلة بقت تتجمع في حتت ملهاش ملكين جنينة الأزهر، مطعم في المنيل، شقة رشا، أو حتى في شقتنا الصغيرة في عين شمس وبكراسي مستلفة من الجيران.
الحاجة فاتن مجتش أول كام مرة. بس في يوم ظهرت عصر كده، كانت خاسة، وساكتة، وفي إيدها كيس فيه شريك وقرص بعجوة. مطلبتش السماح علني، بس قعدت بعيد وحطت إيدها على جلبابها.
فريدة بنتي، اللي مابتفهمش في خصام الكبار، راحتلها وبيدها حتة قرصة وقالتلها
تيتة.. خدي كلي، احنا هنا مابنرميش الأكل في الزبالة.
الكل اتسمر مكانه ومحدش اتنفس. الحاجة فاتن خدت اللقمة منها، وعينيها اتملت دموع وقالت بصوت هربان
لأ يا قلب تيتة.. هنا لأ.
مكانش اعتذار كامل، بس كانت أول شرخ في الحيطة السد اللي بنيتها سنين.
أنا مجريتش عليها ولا أخدتها بالأحضان، ولا قلتلها حصل خير.. لأن م حصلش خير. ساعات الشفاء مش معناه إنك ترجع تقعد في نفس المكان اللي اتجرحت فيه. ساعات الشفاء معناه إنك تحدد المسافة المظبوطة اللي تبص فيها للشخص من غير ما تخسر نفسك تاني.
مصطفى اتغير.. مش فجأة زي الأفلام، بس اتغير. بقى بيقول لأ من غير ما يبرر كتير. بقى يلمح نظرة التوتر في عيني قبل أي لمة عيلة، ويمسك إيدي ويطمني من غير ما أطلب.
وأنا كمان اتغيرت. في شغلي، دخلت لمديرتي وطلبت إعادة تقييم لشغلي وضغط العمل. رجلي كانت بتخبط في بعضها وأنا داخلة مكتبها، بس دخلت. قولت أنا بعمل إيه، وبساوي كام، ومستحقة إيه. ماخدتش كل حاجة، بس أخدت أكتر بكتير ملي كنت هاخده وأنا ساكتة ومستنية الرضا.
وده علمني حاجة غريبة بعد ما تشوف صينية أكل متعوب فيها ومصنوعة بحب بتترمى في الزبالة بدافع الكبر والغل، أي مناقشة صعبة في الدنيا بتبقى بنظرك تافهة ومش مستحيلة.
حلة خالتي ليلى البايركس عمرنا ما رجعناها، اتكسرت ومصطفى بيطلعها من الباسكيت. بس خالتي قالتلي كلمة عمري ما هنساها
الحلة دي عملت دورها وزيادة يا بنتي.. شالت أكل سنين كتير، بس في اليوم ده.. شالت حقيقة وحمت عيلة.
دلوقتي، كل سنة في نوفمبر، بعمل صينية قرع العسل في بيتي وبنفسي. فريدة بتقف جمبي ترش المكسرات على الوش وتسألني ماما، هنعزم العيلة النهاردة؟ ساعات بنقول أه وساعات بنقول لأ.. بس الفرق الكبير إن الإجابة مبقتش تطلع من الخوف.
الحاجة فاتن لسه مابتفهمش تعتذر من غير ما تدافع عن نفسها في نص الكلام، بس مابقاش ليها سلطة تقرر أنا أسوى إيه في الدنيا.
ودي بقا العدالة الحقيقية..
لأن في ناس في حياتك عمرهم ما هيدوكي الرضا والقبول اللي بتدورى عليه سنين، مش عشان أنتي ماتستاهليش، لأ.. عشان لو ادهولك، هيحسوا إنهم خسروا القوة والتحكم اللي فاكرين إنهم يملكوها عليكي.
أنا قعدت 7 سنين عشان أفهم ده. وفهمته في اليوم اللي حماتي رمت فيه أكلي وهي فاكرة إنها بتكسرني.. ومكنتش دارية إنها بتطلع من قعر الزبالة حقيقة العيلة كلها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *