تعبت فتره وجبت شغاله.
تعبت فترة، وجبت شغالة تقوم بشغل البيت بدالي، كانت بنت شابة في بداية العشرينات اسمها هند. وقتها كنت باخد منوم ومسكنات قوية بسبب تعبي، فكنت بروح في نوم عميق ومبصحاش غير بالعافية. كنت فاكرة إن البيت في أمان، وإن جوزي ياسر مقدر تعبي وواخد باله من البيت ومني.
لكن الحقيقة اللي فوقت عليها كانت مختلفة تمامًا.
في يوم، المنوم مأخدش مفعوله الكامل، وصحيت قبل ميعادي بساعتين. وأنا ماشية في الممر سمعت صوت ياسر وهند بيتكلموا في المطبخ بصوت واطي.
هند قالت بتردد يا أستاذ ياسر… مدام روفيدة لو عرفت اللي بيحصل هتزعل جدًا.
رد ياسر بسرعة عشان كده لازم ما تعرفش دلوقتي… لحد ما كل حاجة تخلص.
وقفت مكاني، وقلبي بدأ يدق بعنف.
إيه اللي لازم ما أعرفوش؟
قربت أكتر، فسمعت هند تقول بس أنا مش مرتاحة… كل يوم بتطلب مني أجيب الورق من أوضتها أو أرتب المكتب وهي نايمة.
رد ياسر بنبرة حاسمة اعملي اللي بقولك عليه وبس… وأنا هتحمل المسؤولية.
رجعت أوضتي بسرعة قبل ما يشوفوني، لكن الشك بدأ ياكلني.
فضلت طول اليوم أراقب من بعيد.
ولاحظت إن هند كل شوية تدخل مكتب ياسر وتخرج وهي شايلة ملفات أو أوراق.
وفي الليل، لما الكل نام، قررت لأول مرة من شهور ما آخدش المنوم.
استنيت لحد ما البيت هدي تمامًا.
خرجت بهدوء، ولما عدّيت جنب المكتب، سمعت صوت درج بيتفتح.
بصيت من فتحة الباب.
لقيت ياسر واقف يقلب في أوراق كتير، وهند واقفة بعيد وهي باين عليها التوتر.
هند قالت أنا خايفة يا أستاذ ياسر… مدام روفيدة لو سألتني مش هعرف أكدب.
رد عليها ولا هتسألك أصلًا… هي مشغولة بعلاجها، وأول ما كل الإجراءات تخلص هنبقى نرتاح.
في اللحظة دي رجعت أوضتي قبل ما يحسوا بيا.
تاني يوم، صحيت ولقيت ياسر بيقولي بابتسامة إنتِ مضيتي امبارح على ورق العلاج، فاكرة؟
بصيتله باستغراب.
أنا ما
مضيتش على أي حاجة.
لكن بسبب الأدوية، بدأت أشك في نفسي.
يمكن فعلًا نسيت؟
فضل السؤال ده يطاردني أيام.
لحد ما في مرة كنت برتب الدولاب، لقيت ظرف أبيض واقع ورا درج قديم.
فتحته.
كان جواه صورة ضوئية لورقة عليها توقيع يشبه توقيعي جدًا.
لكن التاريخ كان في يوم أنا كنت فيه محجوزة في المستشفى.
اتجمدت.
إزاي أمضي وأنا أصلًا ماكنتش في البيت؟
في نفس اللحظة، رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت بتردد.
جالي صوت راجل كبير في السن بيقول مدام روفيدة… لو عايزة تعرفي الحقيقة، دوري على الملف الأزرق اللي في مكتب الأستاذ ياسر… ومتقوليش لحد إنك عرفتي.
وقبل ما أسأله أي حاجة…
قفل الخط.
قلبي كان بيدق بعنف.
وفي اللحظة دي بالذات…
سمعت صوت مفتاح باب الشقة بيلف…
وعرفت إن ياسر رجع قبل معاده روفيدة بسرعة خبّت الظرف جوه هدومها، ومسكت فوطة كأنها كانت بترتب الدولاب من الأول.
دخل ياسر الشقة، وبص حواليه باستغراب.
قال إنتِ صاحية؟ كنت فاكرك نايمة.
ابتسمت روفيدة ابتسامة هادية وقالت النوم طار من عيني.
فضل يبصلها كام ثانية، وكأنه بيحاول يعرف إذا كانت عرفت حاجة ولا لأ.
بعدها دخل مكتبه وقفله بالمفتاح.
الحركة دي لفتت نظرها.
لأول مرة تلاحظ إنه بقى يقفل المكتب حتى وهو جوه البيت.
استنت لحد ما خرج بعدها بنص ساعة، وأول ما نزل من الشقة، راحت بسرعة ناحية المكتب.
لكن الباب كان مقفول.
فضلت تدور لحد ما لقت نسخة من المفتاح معلقة وسط مجموعة مفاتيح قديمة في المطبخ.
فتحت الباب بهدوء.
المكتب كان مرتب بشكل مبالغ فيه.
كل حاجة في مكانها.
لكن وهي بتلف بعينها، لاحظت إن في إطار صورة على الحائط مائل سنة بسيطة.
عدّلته.
فسمعت صوت تك.
استغربت.
ضغطت عليه مرة تانية.
وفجأة جزء صغير من المكتبة اتحرك.
وراها كان فيه تجويف صغير.
جواه ملف أزرق.
نفس الملف اللي الراجل قالها عليه.
طلعت الملف بسرعة، وقبل ما تفتحه سمعت صوت الأسانسير وقف عند دورها.
قفلت التجويف بسرعة، ومسكت أول كتاب وقع قدامها.
بعد ثواني، دخل ياسر الشقة.
وقف عند باب المكتب وقال باستغراب
بتعملي إيه هنا؟
ردت بثبات كنت بدور على كتاب قديم.
فضل يبصلها، وبعدين دخل المكتب بنفسه.
أول حاجة عملها إنه بص ناحية المكتبة.
روفيدة لاحظت إن وشه اتغير للحظة، لكنه رجع طبيعي بسرعة.
قال لو احتجتي أي حاجة من المكتب، قوليلي وأنا أجيبهالك.
هزت رأسها وخرجت.
لكن الملف الأزرق كان لسه مستخبي تحت شالها.
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت الملف ببطء.
كان مليان مستندات وصور لإيصالات وتحويلات مالية.
وفي آخر الملف، لقت ورقة مكتوب عليها بخط اليد
لو وصل الملف ده لروفيدة، يبقى لازم تعرف إن في مستند واحد ناقص… وهو أخطر ورقة في كل الملف.
تحت الجملة كان مكتوب عنوان واحد فقط
المخزن القديم… الدور الأرضي.
وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة على هاتفها من رقم مجهول.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
أوعي تروحي لوحدك… في حد بيراقب كل خطوة بتعمليها.
وقبل أن تستوعب الرسالة…
سمعت صوت مفتاح بيتحط في كالون أوضتها من الخارج ببطء… وكأن شخصًا بيحاول يفتح الباب دون أن يشعرها اتجمدت روفيدة في مكانها، وقفلت الملف بسرعة وحطته تحت المرتبة.
صوت المفتاح اختفى فجأة.
وبعد ثوانٍ، سمعت خبطتين خفاف على الباب.
روفيدة… إنتِ صاحية؟
كان صوت ياسر.
ردت وهي بتحاول تخلي صوتها طبيعي أيوه… كنت بريح شوية.
قال من بره خدي راحتك.
سمعت خطواته وهي بتبعد عن الأوضة.
استنت دقيقتين، وبعدين فتحت الباب بحذر.
الصالة كانت فاضية.
لكن على الترابيزة كان في كوب عصير، وجنبه ورقة صغيرة مكتوب عليها
اشربي الدوا في معاده.
بصت للكوب طويلًا، لكن لأول مرة قررت ما تشربوش.
دخلت المطبخ وسكبته في الحوض، وبعدها أخدت الكوباية وغسلتها كأنها شربته فعلًا.
في الليل، ياسر سألها أخدتي العلاج؟
ابتسمت وقالت آه… ونمت شوية كمان.
هز رأسه باقتناع، ودخل أوضته.
أما هي ففضلت صاحيه.
الساعة عدت اتنين بعد منتصف الليل.
وفجأة سمعت صوت باب الشقة بيتفتح بهدوء شديد.
بصت من فتحة باب أوضتها.
شافت ياسر خارج من البيت وهو شايل شنطة جلد سوداء.
استنت دقيقة، ولبست بسرعة ونزلت وراه من غير ما يحس.
ركب عربيته، وهي وقفت تاكسي ومشت وراه.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مبنى قديم مهجور نسبيًا.
نزل وهو ماسك الشنطة، ودخل من باب جانبي.
استنت روفيدة لما اختفى، وبعدها قربت من المبنى.
لكن قبل ما تدخل، سمعت صوت حد بيناديها من وراها
مدام روفيدة…
لفت بسرعة.
كان نفس الرجل الكبير اللي كلمها في التليفون.
قال لها بهدوء كويس إنك ما دخلتيش… لأن اللي جوا مش مكان آمن.
سألته بسرعة إنت مين؟ وإيه اللي بيحصل؟
رد دلوقتي الوقت أهم من التعارف. الشنطة اللي معاها ياسر فيها آخر مجموعة مستندات، ولو خرج بيها من المكان، هتبقى الحقيقة أصعب بكتير.
روفيدة قالت بقلق أعمل إيه؟
ناولها ظرفًا صغيرًا وقال فيه مفتاح وكارت دخول. هتحتاجيهم… لكن لازم تدخلي من الباب الخلفي، مش الرئيسي.
أخدت الظرف وفتحته.
كان فيه مفتاح معدني صغير، وكارت مكتوب عليه
المستودع B3.
وفي نفس اللحظة…
انطفأت كل أنوار المبنى مرة واحدة.
ثم دوّى من الداخل صوت ارتطام قوي… أعقبه صرخة رجل، جعلت روفيدة والرجل الكبير ينظران إلى بعضهما بصدمة، قبل أن يندفعا نحو الباب الخلفي روفيدة سكتت ثواني، وبعدين قالت بثبات
لو كنت خايف عليّا فعلًا… كنت قلتلي الحقيقة من الأول.
وأغلقت المكالمة.
بعد أقل من دقيقة، وصلت رسالة من ياسر
آخر مرة بقولك… متروحيش هناك.
بصت للرسالة، وقفلت التليفون تمامًا.
الرجل الكبير أشار إلى الخريطة وقال
المكان ده مخزن قديم على أطراف المدينة. من سنين كان بيتستخدم لحفظ أوراق وأجهزة، وبعدها اتقفل.
ركبوا العربية واتجهوا للمكان.
كل ما كانوا
لمحة نيوز
يقربوا، كان قلب روفيدة يدق أسرع.
بعد حوالي نصف ساعة، وصلوا.
كان مبنى قديم محاط بسور حديدي، وبابه الخارجي مقفول بسلسلة كبيرة.
لكن الغريب…
إن السلسلة كانت مفتوحة، كأن حد دخل قبلهم بدقائق.
دخلوا بحذر.
المكان كان هادئ بشكل مريب.
وفجأة سمعوا صوت خطوات في الدور العلوي.
رفع الرجل الكبير المصباح وقال
في حد فوق.
طلعوا السلم بهدوء.
ولما وصلوا آخر درجة، شافوا باب خشبي نص مفتوح.
خرج منه نور خافت.
روفيدة قربت، ودفعت الباب بإيدها.
الأوضة كانت مليانة دواليب حديد وكراتين مرقمة.
وفي منتصفها كانت الشنطة الجلد اللي شافوها مع الشخص الهارب.
جرت ناحيتها بسرعة.
فتحتها…
لكن اتصدمت.
الشنطة كانت فاضية تمامًا.
وفي قاعها ورقة واحدة فقط.
رفعتها.
كان مكتوب فيها
لو لقيت الشنطة فاضية… يبقى الشخص اللي سبقك أخد اللي كان بيدور عليه.
وفجأة سمعوا صوت باب المبنى الرئيسي بيتقفل بقوة.
ثم خطوات بطيئة بتقرب منهم.
نظر الرجل الكبير من شق الباب، واتغير لون وشه.
همس
إحنا مش لوحدنا…
وفي اللحظة نفسها، ظهر ظل شخص طويل عند نهاية الممر، وماكانش واضح مين هو، لكنه وقف ساكت، وكأنه كان مستنيهم من البداية.
يتبع…روفيدة مسكت الكارت بإيد مرتعشة، وفتحت الباب الخلفي بالمفتاح.
الباب أصدر صريرًا خافتًا، ودخلت هي والرجل الكبير بحذر.
المكان كان شبه مظلم، والممرات مليانة مخازن وأرفف حديد.
الصوت اللي سمعوه اختفى تمامًا.
همس الرجل امشي ورايا… ومستحيل تسيبي إيدك من الملف لو لقيناه.
فضلوا يتحركوا لحد ما وصلوا لباب مكتوب عليه
B3
روفيدة استخدمت الكارت.
الباب فتح.
دخلوا بسرعة، لكنهم اتفاجئوا إن الأوضة فاضية.
لا ياسر… ولا الشنطة.
على الترابيزة كان فيه جهاز كمبيوتر شغال، ولسه الشاشة منورة.
اقتربت روفيدة، ولقت على الشاشة رسالة واحدة
تم نقل جميع الملفات إلى الموقع البديل.
وقبل ما تلحق تستوعب المكتوب، سمعت صوت باب بيتقفل من آخر المخزن.
جروا ناحية الصوت.
ولحقوا يشوفوا شخص لابس جاكيت أسود خارج من باب حديدي وهو شايل نفس الشنطة الجلد.
صاحت روفيدة استنى!
لكن الشخص جري بأقصى سرعته.
خرجوا وراه، لحد ما وصلوا لساحة خلفية.
كان فيه عربية واقفة والمحرك شغال.
ركب الشخص العربية وانطلقت بسرعة.
لكن قبل ما تختفي، وقع من الشنطة ملف صغير على الأرض من غير ما ينتبه.
جريت روفيدة والتقطته.
فتحته بسرعة.
كان بداخله مجموعة مستندات، وفي آخرها خريطة بسيطة مرسومة بالقلم.
الخريطة كانت بتشير إلى مكان واحد فقط، ومكتوب تحته
الموقع البديل.
وفي أسفل الخريطة عبارة بخط واضح
لو وصلت لهنا… يبقى باقي الحقيقة هناك.
الرجل الكبير نظر إلى الخريطة، واتغيرت ملامحه فجأة.
قال بصوت منخفض
أنا أعرف المكان ده… لكن الوصول له مش هيكون سهل.
وقبل أن يكمل كلامه، رن هاتف روفيدة.
المتصل هذه المرة… كان ياسر نفسه.
نظرت إلى الشاشة في صمت، ثم ضغطت على زر الرد.
جاءها صوته هادئًا على غير عادته
روفيدة… ارجعي البيت حالًا. لو رحتي للمكان اللي في الخريطة، هتدخلي نفسك في مشكلة أكبر بكتير مما تتخيلي.
نظرت إلى الرجل الكبير، ثم إلى الخريطة في يدها…
وشعرت أن قرارها في اللحظة دي هيغيّر كل مجرى الأحداث الظل بدأ يقرب خطوة… خطوة.
روفيدة رجعت لورا بغريزة، بينما الرجل الكبير وقف قدامها يحاول يحجبها.
ولما الشخص دخل في دائرة النور، اتفاجأت روفيدة.
ماكانش ياسر.
وماكانش الشخص اللي هرب بالشنطة.
كان راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادية، وماسك ملف سميك تحت دراعه.
رفع إيده بهدوء وقال
متخافوش… لو كنت عايز أأذيكم، ماكنتش استنيت لحد دلوقتي.
قالت روفيدة بحذر إنت مين؟
رد اسمي عادل… وأنا المسؤول السابق عن أرشيف الشركة اللي كان ياسر شغال فيها.
اتسعت عيناها.
وشركة إيه علاقتها بكل اللي بيحصل؟
تنهد عادل وقال كل اللي لقيتيه لحد دلوقتي مجرد جزء صغير. في أوراق خرجت من الشركة من غير إذن، وأنا بقالي شهور بدور عليها.
ثم رفع الملف اللي في إيده وقال
وده الدليل.
وقبل ما يناوله لروفيدة، انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل ياسر وهو بيجري، وكان باين عليه الإرهاق.
وقف وهو بياخد نفسه وقال
إوعوا تفتحوا الملف!
بصتله روفيدة بصدمة.
قالت كل شوية تقول متفتحوش… من غير ما تشرح حاجة!
رد بسرعة
لأن في ناس بتدور على الأوراق دي من زمان، ولو وقعت في إيدهم هيستخدموها بطريقة غلط.
قاطعهم عادل وقال بحزم
يبقى خليها هي تقرر.
مد الملف ناحية روفيدة.
أخدته بإيد مرتعشة.
فتحت أول صفحة.
كان فيها كشف بأسماء شركات، وتواريخ، ومستندات تثبت نقل مبالغ مالية بين حسابات مختلفة.
قلبت الصفحة الثانية.
ثم الثالثة.
وفجأة لقت اسمها مكتوب في أحد المستندات.
رفعت رأسها بذهول.
اسمي أنا ليه موجود هنا؟
ساد الصمت.
وياسر قال لأول مرة بصوت هادئ
لأن في حد استخدم بياناتك من غير علمك… وكنت بحاول أوصل للحقيقة قبل ما أقلقك.
روفيدة ماقدرتش تعرف إذا كانت تصدقه أم لا.
لكن قبل أن يشرح أكثر…
صدر صوت إنذار قوي في المبنى كله.
وبدأت الأضواء الحمراء تومض.
ونادى صوت آلي عبر السماعات
سيتم إغلاق المبنى خلال خمس دقائق.
نظر عادل إلى الجميع وقال بسرعة
لازم نخرج دلوقتي… والملف يفضل مع روفيدة، لأنه بقى أهم دليل عندنا.
وانطلقوا جميعًا نحو المخرج، بينما كان صوت الإنذار يزداد ارتفاعًا، وروفيدة تشعر أن ما ينتظرهم خارج المبنى قد يكون أخطر بكثير مما كان بداخله.
يتبع…خرجوا مسرعين من المبنى قبل ما الأبواب المعدنية تبدأ تقفل.
أول ما وصلوا للساحة، وقف عادل فجأة وقال
الملف لازم يتصور في أكتر من نسخة، لأن لو النسخة دي ضاعت هنرجع لنقطة الصفر.
روفيدة كانت لسه محتفظة بالملف، وما سلمتوش لحد.
بصت لياسر وقالت ببرود
قبل أي خطوة… هتجاوبني. من أول يوم وأنا تعبانة، ليه كنت مخبي عني كل ده؟
أخذ ياسر نفسًا طويلًا وقال
لأن كل ما كنا نقرب من الحقيقة، كانت المستندات بتختفي. ولما مرضتِ، لقيت إن في حد بيستغل وجودك في العلاج ويحاول يستخدم بياناتك في أوراق أنا نفسي ماكنتش أعرف عنها حاجة.
قاطعه عادل
وده اللي خلانا نراقب حركة المستندات من بعيد.
روفيدة عقدت حاجبيها وقالت
طيب وهند؟
رد ياسر
هند كانت شغالة عندكم، وبعدين لاحظت إن في حد بيدخل المكتب وقت غيابنا ويغير أماكن الأوراق. خافت تبلغك مباشرة، فبلغتني أنا.
وفي اللحظة دي، ظهر صوت عربية وقفت قدام المبنى.
نزلت منها هند.
كانت ماسكة حقيبة صغيرة، ووشها باين عليه القلق.
قربت من روفيدة وقالت بسرعة
الحمد لله إني لحقتكم.
فتحت الحقيبة، وأخرجت دفترًا صغيرًا.
قالت
لقيته جوه درج قديم في المطبخ، وخبيتُه علشان محدش ياخده.
أخذت روفيدة الدفتر.
أول صفحة كانت عبارة عن مواعيد وأرقام.
لكن في آخر صفحة، كان فيه عنوان مكتوب بخط كبير
نسخة الأصول محفوظة داخل خزينة البنك.
وتحت العنوان مباشرة رقم خزينة واسم فرع بنك.
نظر عادل إلى الدفتر، وقال بدهشة
يبقى دي آخر قطعة ناقصة.
لكن قبل أن يتحركوا، وصل إلى هاتف روفيدة إشعار برسالة جديدة من رقم غير معروف.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة فقط.
صورة لخزينة البنك المشار إليها في الدفتر.
وتحتها عبارة واحدة
إذا وصلتم إليها متأخرين… فلن تجدوا بداخلها شيئًا.
رفعت روفيدة رأسها بسرعة، وقالت بحسم
لازم نتحرك حالًا… قبل ما حد يسبقنا.
ثم ركب الجميع السيارة واتجهوا نحو البنك، دون أن يعلموا أن شخصًا آخر كان يراقبهم من سيارة متوقفة على الجانب الآخر من الطريق، وأخرج هاتفه قائلًا
اتحركوا… هم في طريقهم للخزينة.
يتبع…انطلقت السيارة بأقصى سرعة، وكل دقيقة كانت بالنسبة لروفيدة كأنها ساعة.
كانت ممسكة بالدفتر والملف بقوة، وعيناها لا تفارقان الطريق.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلوا أمام البنك.
لكن أول ما نزلوا، لاحظ عادل شيئًا غريبًا.
قال بصوت منخفض
بصوا هناك…
التفت الجميع.
كانت هناك سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، وبداخلها شخص يراقب مدخل البنك دون أن يتحرك.
قالت روفيدة بقلق
هو مستني مين؟
رد عادل
غالبًا مستني اللي هيفتح
الخزينة.
دخلوا البنك بهدوء.
توجهوا إلى قسم الخزائن.
أخرجت روفيدة بطاقتها، وسلمتها للموظف.
راجع الموظف البيانات على جهازه، ثم رفع رأسه باستغراب وقال
الخزينة لسه موجودة… لكن في شخص حضر الصبح وسأل عنها.
تبادل الجميع النظرات.
قالت روفيدة بسرعة
وفتحها؟
هز الموظف رأسه.
لا… مقدرش، لأن ملوش صفة.
تنفست روفيدة الصعداء.
اصطحبهم الموظف إلى غرفة الخزائن.
وقف أمام الخزينة التي تحمل الرقم الموجود في الدفتر.
أدخلت روفيدة المفتاح.
ثم كتبت الرقم السري الموجود داخل الورقة.
صدر صوت خفيف…
وانفتح الباب ببطء.
حبست روفيدة أنفاسها.
داخل الخزينة كان يوجد صندوق معدني صغير فقط.
رفعته ووضعته على الطاولة.
فتحته بحذر.
وجدت بداخله ظرفًا كبيرًا، ودفترًا قديمًا، ووحدة تخزين إلكترونية.
لكن أكثر ما لفت انتباهها كان ورقة فوق الجميع مكتوب عليها بخط واضح
إذا وصلت هذه الأمانة إلى روفيدة، فلا تُسلَّم لأي شخص قبل مراجعتها مع محامٍ والجهات المختصة.
نظرت إلى عادل.
قال بهدوء
يبقى صاحب الأمانة كان متوقع إنك توصلي لها.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الموظف.
استمع لثوانٍ، ثم أغلق الخط، ونظر إليهم بتوتر.
قال
في ناس موجودين بره بيسألوا إذا حد فتح الخزينة دي.
ساد الصمت.
أغلقت روفيدة الصندوق بسرعة، وقالت
إحنا هنخرج من الباب الخلفي.
لكن قبل أن يتحركوا، انفتح باب غرفة الخزائن ببطء…
وظهر شخص يقف عند المدخل، ينظر مباشرة إلى الصندوق الذي في يد روفيدة، ثم قال بهدوء
واضح إنكم وصلتوا قبلي بدقائق…
يتبع…الشخص دخل بخطوات هادئة، وكان يرتدي بدلة رسمية ويحمل بطاقة تعريف معلقة في رقبته.
رفع يديه وقال
متقلقوش… أنا مش جاي آخد الصندوق.
روفيدة ضمت الصندوق إلى صدرها وقالت بحذر
أمال جاي ليه؟
أخرج الرجل ظرفًا مختومًا من حقيبته وقال
أنا مكلف أوصل الرسالة دي لصاحبة الخزينة، لكن ماكنتش أعرف إنها هتيجي النهارده.
أخذت روفيدة الظرف وفتحته بسرعة.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها غريبة.
لا تثقي في أي مستند قبل التأكد من أصله، ولا تسلمي أي ملف قبل تصويره وحفظ نسخة منه. الحقيقة الكاملة موجودة في الدفتر القديم.
أغلقت الرسالة ونظرت إلى الدفتر الموجود داخل الصندوق.
كان جلده مهترئًا من كثرة السنين.
فتحته بحذر.
الصفحات الأولى كانت عبارة عن ملاحظات يومية، وأرقام ملفات، وأماكن حفظها.
لكن في منتصف الدفتر، توقفت فجأة.
وجدت صفحة مكتوب في أعلاها
في حالة فقدان أي مستند، راجع الخزنة الاحتياطية.
وتحتها عنوان جديد لم يروه من قبل.
قال عادل بدهشة
يبقى فيه مكان تاني!
وقبل أن يكمل كلامه، سمعوا جلبة في الممر خارج غرفة الخزائن.
فتح الموظف الباب بحذر، ثم عاد بسرعة وهو يقول
في مجموعة أشخاص بيسألوا عنكم في الاستقبال.
نظر ياسر من فتحة الباب وقال
لازم نخرج من الباب الخلفي قبل ما يوصلوا.
أغلق عادل الدفتر ووضعه داخل الحقيبة، بينما حملت روفيدة الصندوق بنفسها.
خرجوا من الممر الخلفي للبنك، ووصلوا إلى ساحة صغيرة خلف المبنى.
لكنهم فوجئوا بأن سيارة كانت تنتظر هناك بالفعل.
فتح بابها رجل مسن، وقال لهم بسرعة
اركبوا… مفيش وقت.
تردد الجميع للحظة.
لكن قبل أن يقرروا…
وصلت أصوات خطوات تقترب من نهاية الممر.
التفتت روفيدة لترى عدة أشخاص يخرجون من باب البنك الخلفي وينظرون في جميع الاتجاهات، وكأنهم يبحثون عن شخص بعينه.
قبضت على الحقيبة بقوة، ونظرت إلى السيارة ثم إلى الممر…
وكان عليها أن تتخذ قرارًا خلال ثوانٍ فقط.
يتبع…روفيدة نظرت بسرعة إلى عادل وياسر.
قال عادل بحزم
القرار ليكي… لكن الوقت مش في صالحنا.
من غير تردد، فتحت باب السيارة وركبت.
ركب الباقون بسرعة، وانطلقت السيارة قبل ما الأشخاص اللي خارجين من البنك يوصلوا لهم.
بعد دقائق من السير، لاحظت روفيدة إن السواق ما بيتكلمش خالص.
قالت له
إحنا رايحين فين؟
رد بهدوء
للمكان اللي فيه نسخة احتياطية من كل حاجة.
استغربت.
يعني في مستندات تانية؟
هز رأسه وقال
مش مستندات بس… في تسجيلات كمان.
تبادل عادل وياسر النظرات، وكأنهم أول مرة يسمعوا المعلومة دي.
بعد حوالي نصف ساعة، وصلوا إلى فيلا قديمة على أطراف المدينة.
كان واضح إنها مقفولة من سنين.
نزل السائق، وأخرج مفتاحًا كبيرًا من جيبه.
فتح البوابة الحديدية.
دخلوا جميعًا.
كانت الحديقة مليانة أشجار، وفي آخرها مبنى صغير منفصل عن الفيلا.
أشار السائق إليه وقال
كل اللي بتدوروا عليه هناك.
دخلوا المبنى.
في منتصف الغرفة كانت توجد خزانة حديدية ضخمة.
اقترب السائق منها، لكنه توقف.
وقال
أنا دوري خلص هنا.
ناول روفيدة مفتاحًا صغيرًا، ثم استدار وغادر من غير ما يشرح أي حاجة.
وقفت روفيدة أمام الخزانة.
أدخلت المفتاح.
لكن القفل ما اتحركش.
لاحظ عادل وجود لوحة أرقام صغيرة بجانب القفل.
قال
واضح إنها محتاجة رقم سري.
ساد الصمت.
وفجأة افتكرت روفيدة الرقم اللي كان بيتكرر في كل المستندات…
427.
كتبته.
أصدر القفل صوتًا خافتًا…
ثم انفتح الباب ببطء.
داخل الخزانة كانت عشرات الملفات مرتبة بعناية.
لكن في الرف الأوسط كان يوجد جهاز تسجيل قديم، وفوقه ظرف كبير مكتوب عليه
إلى روفيدة… يُفتح عندما تصبح كل الأوراق في يدك.
مدت يدها نحو الظرف…
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت محرك سيارة يقف خارج الفيلا.
ثم صوت باب البوابة الحديدية وهو يُفتح ببطء…
نظر الجميع إلى بعضهم في صمت.
فمن الواضح أن أحدًا آخر عرف مكان الفيلا… ووصل إليها قبل أن يتمكنوا من معرفة ما بداخل الظرف.
يتبع…بينما كان الجميع ينظر ناحية الباب، أمسك عادل بعصا خشبية كانت بجواره، واستعد لأي طارئ.
لكن المفاجأة…
أن الشخص الذي دخل لم يكن غريبًا.
كان محامي الأسرة، وبرفقته اثنان من الموظفين المختصين بحفظ المستندات، بعدما تلقوا بلاغًا بوجود أوراق يجب حفظها رسميًا.
تنفست روفيدة الصعداء، ثم فتحت الظرف الأخير.
كانت بداخله رسالة تقول
إذا وصلتِ إلى هنا، فقد جمعتي كل أجزاء الحقيقة. لا تثقي بالذاكرة وحدها، ولا بالشائعات، واجعلي المستندات هي الفيصل.
وخلف الرسالة كانت توجد النسخ الأصلية لكل الأوراق، مرتبة حسب التواريخ، مع تقارير تثبت أن عددًا من المستندات التي نُسبت إلى روفيدة تم تحريرها أثناء فترة علاجها، ولذلك كان لا بد من مراجعتها قانونيًا قبل اعتمادها.
وقف ياسر صامتًا، ثم قال بصوت منخفض
أنا أخطأت لما أخفيت عنك كل اللي كنت أعرفه، وافتكرت إني أقدر أحل الموضوع لوحدي. كان المفروض أصارحك من البداية.
لم ترد روفيدة فورًا.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت
إخفاء الحقيقة كسر الثقة بينا. والثقة لما بتتهز، محتاجة وقت طويل علشان ترجع.
تم تسليم جميع المستندات إلى المحامي، وتم تصويرها وحفظها في أكثر من مكان، ثم بدأت الجهات المختصة مراجعة كل ورقة للتأكد من صحتها وإعادة أي حقوق لأصحابها وفق الإجراءات القانونية.
أما هند، فثبت أنها لم تكن طرفًا في أي تزوير، وكانت مجرد عاملة تؤدي ما يُطلب منها داخل المنزل دون أن تعرف الصورة الكاملة، فتركت العمل بعد انتهاء الأزمة وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن كل ما حدث.
بعد عدة أشهر، استعادت روفيدة عافيتها تدريجيًا، وأصبحت تشارك بنفسها في كل ما يخص بيتها وأوراقها، ولم تعد توقع على أي مستند قبل قراءته بعناية.
أما ياسر، فحاول إصلاح ما أفسدته قراراته، لكن روفيدة أوضحت له أن استعادة الثقة لا تكون بالكلام، بل بالأفعال، وأن أي علاقة لا تقوم على الصراحة والاحترام يصعب أن تستمر كما كانت.
أغلقت روفيدة آخر ملف، ووضعت عليه كلمة واحدة بقلمها
انتهى.
ثم أغلقت الخزانة للمرة الأخيرة، وخرجت وهي تشعر أن أصعب فصول حياتها قد انتهى، وأن بداية جديدة تنتظرها، هذه المرة بعينٍ مفتوحة، وقلبٍ أقوى، وثقةٍ لا تمنحها إلا لمن يستحقها.
تمت.