كذبه الحب حكايات مني السيد
## الفصل الثالث: في جوف شبرا.. المحاولة الأخيرة
العربية السوزوكي وقفت قدام المحل وهي بتترعش، كأنها هي كمان كانت شايلة هم المحتوى اللي جواها. نزلت ورجلي مش شيلاني، وأحمد ماسك في ديل فستاني وهو باصص لبرة بخوف.
قدام باب المحل، مكنش فيه هدوء شبرا اللي متعودة عليه في الساعات المتأخرة دي. مكنش فيه عم جرجس اللي قاعد على الكشك بتاعه بيشرب شاي، ولا شباب الحتة اللي واقفين يسيروا. كان فيه عربيتين جيب سود، كبار، من بتوع الحراسات، واقفين سادين الشارع الضيق. وواقف حواليهم أربعة رجالة ببدل سوداء ونظارات شمس—رغم إننا كنا بقينا نص الليل.
قلبي وقع في رجلي. “أمي!” الكلمة خرجت من بوقي صرخة خطفت رجلي وجريت على السلم بتاع البيت اللي فوق المحل.
فتحت الباب وراسي بتلف، كنت متخيلة هشوف أمي مخطوفة، أو البيت متبهدل، أو ناس من طرف إلهام القاضي جايين يهددونا عشان “الفضيحة” اللي حصلت في التجمع. بس المشهد جوة كان أغرب من الخيال.
أمي كانت قاعدة على الكنبة القطيفة القديمة بتاعتنا، وشها أصفر وبتترعش، وجنبها واقفة واحدة ست لابسة أسود في أسود، وشكلها مبهدل، عينيها حمرة من العياط. أول ما شافتني، الست دي جريت عليا وترمت تحت رجلي.
“أنا وبوس أيدك يا بنتي.. قولي له يرحمنا! قولي له يرجع في كلامه! إحنا ملناش ذنب في اللي بتعمله أمه!”
### زلزال في الحارة
برقت بعيني وأنا برجع لورا، مش فاهمة حاجة. أمي قامت بتعرج على رجلها التعبانة ومسكتني: “ريتان يا بنتي.. دي أم حسن.. حسن الشاب الغلبان اللي مات في الحادثة بتاعة الدليفري. حمزة جه هنا من ساعة.. جه متبهدل، بدلت الغالية متقطعة، وعينه مش شايف بيها من كتر العياط. قلب الدنيا يا بنتي.”
“حمزة؟ جه هنا؟”
أم حسن رفعت راسها وهي بتشهق: “حمزة بيه قلب الدنيا على أمه وعلى الشركة يا فندم. أول ما مشيتي من الحفلة، كلم المحامين بتوعه، ورفع قضية علني على شركة أمه.. اتهمهم بالإهمال الجسيم والتسبب في قتل ابن وحيد، وراح للنيابة وقدم الورق والتقارير اللي أمه كانت مخبياها عشان تداري على الحادثة! هو مش بس هدم الصفقة مع عيلة فريدة هانم.. ده بيهدم مجموعة القاضي كلها عشانك!”
نزلت على ركبي جنب الست، حاسة إن دماغي هتنفجر. حمزة عمل كده؟ حمزة دمر الإمبراطورية اللي أمه عاشت عمرها تبنيها عشان يثبت لي إنه مش زيها؟
أم حسن كملت بعياط يقطع القلب: “أمه لما عرفت، بعتت ناس يهددونا عشان نغير شهادتنا ونقول إن حمزة بيه اتجنن وبيتبلى عليها. حمزة بيه لما عرف، جاب الحراسة دي كلها وحطهم تحت بيتك وبيت الشغل بتاعك عشان محدش يلمس شعرة منك أو من أمك.. وقال لي استناكي هنا عشان أقولك الحقيقة. هو برة يا بنتي.. واقف برة على المحطة مش راضي يدخل الشارع عشان قال مش هيدخل شبرا تاني إلا لو إنتِ سمحتِ له.”
بصيت لأمي، لقيت في عينيها نظرة لوم، بس ممزوجة بشفقة. أمي اللي ياما شافت قسوة الدنيا، قالت لي بصوت واطي: “الراجل الكداب بيبان يا ريتان لما الكدبة تظهر.. والراجل اللي بيشتري بيبان لما يبيع الدنيا كلها عشان خاطرك. حمزة باع اسمه وفلوسه وأمه الليلة دي.. روحي شوفيه.”
### مواجهة تحت المطر (تاني)
الجو بدأ يمطر.. مطر خفيف وخبيث، بيفكرني بالليلة اللي حضني فيها وقال لي “إنتِ بيتي”. نزلت السلم وخطواتي كانت مسموعة في هدوء الشارع اللي الحراس ماليينه. مشيت لحد أول الشارع، عند محطة الأتوبيس القديمة اللي كنا بنقف فيها سوا لما الموتوسيكل بتاعه يعطل.
وهناك.. شفته.
مكانش حمزة القاضي بتاع التجمع الخامس. البدلة الشيك كانت متبهدلة، الجاكيت مرمي على الرصيف، قميصه الأبيض مبلول بالماية والطين، وشعره نازل على وشه. كان قاعد على نفس الرصيف اللي أكل عليه معايا سندوتش الفول، وحاطط راسه بين إيديه.. بينهار.
وقفت قدامه. ظلي نزل عليه، فرفع راسه بالراحة. عينه كانت مكسورة كسر عمري ما شفته في راجل غني ومسنود.
“ريتان..” صوته خرج شرخ، كأنه مأكلش ولا شرب من سنة.
“إنت بتعمل إيه هنا يا حمزة؟” سألته، وبذلت كل جهدي عشان صوتي يطلع ناشف، رغم إن قلبي كان بيتقطع عليه. “إنت خربت بيتك وبيت أمك؟ القضية دي هتخسركم ملايين.. وممكن تسجن أمك!”
قام وقف ببطء، خطى خطوة ناحيتي، بس وقف لما شافني برجع خطوة. احترم مسافتي، وده وجعني أكتر.
“الملايين دي متساويش جزمة عمر الدليفري اللي كان بيمشي في الشارع ده وهو فرحان يا ريتان.” مسح الماية من على وشه بوجع وتعب: “أنا مكنتش هقدر أعيش دقيقة واحدة وأنا شايف النظرة اللي شفتها في عينك في الحفلة. نظرة إنك شايفاني وسخ.. طماع.. بيلعب بيكِ. أنا مكنتش بلعب.. أنا كنت بموت في اليوم ميت مرة وأنا بعيد عنك.”
“بس إنت كدبت!” زعقت، والمطر بدأ يزيد: “الكدب ملوش مبرر يا حمزة! كنت تقدر تقولي.. كنت هفهم! كنت هقف جنبك ضد أمك وضد الدنيا! لكن تسيبني أبني أحلام، وأفكر في جهاز، وأقول لأمي ‘عمر جالي.. عمر جاب طلبات’.. وأنا في الآخر مجرد قصة مؤثرة؟”
“كنت خايف!” صرخ وهو بيقرب، والدموع نزلت تالت مع المطر: “كنت مرعوب تسبيني! لو كنت جيت قلتلك أنا حمزة القاضي الملياردير اللي شركته داست على ابن حتتكم وموتته، كنتِ هتبصي في وشي؟ كنتِ هتدخليني المحل بتاعك؟ كنتِ هتوكليني لقمة من إيد أمك؟ كنتِ هتطرديني كأني وباء! أنا كدبت عشان أحافظ على الجنة اللي لقيتها معاكِ. الجنة الوحيدة اللي مفيش فيها ورق، ولا صفقات، ولا ستات شبه العرايس البلاستيك زي فريدة!”
### المستحيل لأجل الرضا
قعد على ركبه في الطين قدامي، وسط شارع شبرا، قدام حراسه، وقدام كام واحد من الجيران اللي بدأوا يفتحوا الشبابيك يتفرجوا. رجل أعمال من أكبر عائلات مصر، راكع في الطين تحت المطر.
“أنا مش قايم من هنا يا ريتان.. مش قايم إلا وأنا مخلص حق حسن، ومخلص حقك. أنا تنازلت عن كل أسهمي في مجموعة القاضي للجمعيات الخيرية ومستشفى علاج الغلابة. مش عايز قرش واحد من فلوس أمي. المحامين شغالين دلوقتي على نقل ملكية شركة التوصيل بالكامل لاسم أم حسن وباقي العمال الغلابة اللي اتظلموا. أنا خرجت من القصر بقميصي وبنطلوني ده.. مملكش في الدنيا دي كلها غير الموتوسيكل الأحمر اللي بره ده.. وقميصي المبلول.. وقلبي اللي بينزف تحت رجلك.”
بصيت له وذهولي بيزيد. هو بجد ساب كل حاجة؟ الثروة، النفوذ، الاسم، الجاه.. كل ده رماه في الزبالة عشان يرجع “عمر”؟
“إنت مجنون يا حمزة..” همست والدموع مغرقة وشي.
“أنا مجنون بيكِ يا ريتان. أنا جربت أكون غني، ولقيت نفسي كلب فلوس وسط وحوش. ولما جربت أكون دليفري معاكِ، لقيت نفسي ملك. أنا مش طالب منك تتجوزيني دلوقتي، ولا طالب منك تسامحيني بكامل قلبك.. أنا طالب بس تديني فرصة. سيبيني أشتغل في المحل.. سيبيني أشيل شكاير الدقيق بجد، مش كدب. سيبيني أكفر عن ذنبي قدام ربنا وقدامك. لو مشيتي دلوقتي وسيبتيني.. أنا هفضل قاعد هنا لحد ما المطر يخلص عليا.”
في اللحظة دي، عربية تالتة وصلت الشارع بسرعة وبشياكة مقززة وسط الطين. الباب اتفتح، ونزلت منها إلهام القاضي، بس المرة دي مكانتش الهانم المتكبرة المبتسمة ببرود. كانت ست مكسورة، شعرها متبهدل من الجري، وعينيها فيها رعب حقيقي.
### المواجهة الكبرى
إلهام جريت على ابنها الراكع في الطين، مسكته من كتافه وبقت تهزه بعنف: “حمزة! إنت اتجننت؟ النيابة باعتة لي استدعاء! المحامين بيقولوا إنك وقعت على تنازل عن كل حاجة! إنت بتهد اسم عيلتنا عشان حتة بت بتاعة حلويات؟ إنت بتسجن أمك عشان خاطر دول؟”
حمزة مرفعش عينه ليها، فضل باصص للأرض ولقطرات المطر اللي بتنزل على الطين: “أنا بنقذك يا ماما.. بنقذك من الفلوس الحرام اللي كلتي بيها حق الغلبان وموتيه. السجن في الدنيا أهون بكتير من اللي كنتِ هتشوفيه برة. أنا مش ابنك من النهارده لو مروحتيش واعترفتِ واديتي الناس حقوقها.”
إلهام بصتلي بغل، كانت عايزة تأكلني بسنانها: “إنتِ! إنتِ السبب! خربتي بيت ابني، سحرتي له؟ عملتي له إيه عشان يرمي ملايين تحت رجلك؟”
قبل ما أنطق، حمزة وقف ووقف بيني وبين أمه زي السد المنيع. صوته كان حاد زي الموس: “ماتجيبيش اسمها على لسانك! ريتان هي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي دخلت حياتي. إمشي من هنا يا ماما.. روحي للمحامين بتوعك، وحاولي تفتكري يوم واحد كنتِ فيه بني آدمة.”
إلهام القاضي بصت لحمزة، وبعدين بصت للناس اللي واقفة في الشبابيك، واستوعبت إنها خسرت كل حاجة. خسرت الصفقة، وخسرت هيبتها، والأهم.. خسرت ابنها الوحيد اللي كان سندها. ركبت عربيتها وهي بتصرخ في السواق، ومشيت والعربية بتطرطش طين على حيطان شبرا اللي رفضت تقبلها.
### اللحظة الحاسمة
الشارع رجع يسكت تاني، مفيش غير صوت المطر الخفيف. حمزة التفت ليا، متبهدل، ضايع، معندوش ملجأ ولا بيت ولا فلوس.
مد إيده وجاب الدبلة الفضة الرخيصة من جيبه.. مكنتش ضاعت، كان محتفظ بيها كأنها حبل الغسيل اللي متعلق فيه روحه.
“دي لسه معايا يا ريتان.. مش هلبسها غير لما تقولي لي إن عمر لسه ليه مكان في المحل ده.”
قلبي كان صراعه رهيب. جزء مني عايز يجري عليه ويحضنه ويقوله أنا مسامحاك، وجزء تاني لسه خايف من جرح الكدبة، خايف يكون ده كله مجرد فصل في رواية درامية وهو بيمثله بجدارة.
بصيت للدبلة الفضة، وبعدين بصيت في عينه المبلولة.. المرة دي مكنش فيه غموض، كان فيه صدق عاري ومخيف. الراجل ده عمل المستحيل عشان يثبت إنه بيشتريني.
أخدت نفس عميق، ومسحت دموعي.
“المحل بيفتح الساعة سبعة الصبح يا حمزة..” قلتها بصوت هادي بس ثابت. “وعندنا أوردر كبير لازم يجهز.. وشكاير الدقيق تقيلة ومحتاجة راجل بجد يشيلها، مش ممثل. الخوذة الحمرا هتلاقيها جوة المحل.. لو جيت الساعة سبعة ودقيقة.. مش هتدخل.”
حمزة عينه لمعت بلمعة غريبة، لمعة أمل بعد موت. ابتسم وسط دموعه ومطر شبرا، الابتسامة التعبانة اللي حبيتها من أول يوم.
“سبعة إلا دقيقة هكون واقف على الباب يا ريتان.. والله العظيم سبعة إلا دقيقة.”
لفيت ضهري ومشيت ناحية البيت، وأنا حاسة إن العاصفة هديت شوية، بس الهدوء ده كان وراه سر تاني.. سر مكنتش أعرف إن حمزة نفسه مخبيه، سر عن الحادثة وعن سبب دخوله حياتي من الأول، مكنش مجرد هروب.. كان فيه حاجة أكبر، هعرفها لما الشمس تطلع.
*هل حمزة هيقدر يتحمل حياة الشقاء بجد؟ وإيه السر التاني اللي لسه مستخبي في دفاتر عيلة القاضي؟*
## الخاتمة: العائلة الكبيرة في البيت الصغير
السنتين اللي بعد الفرح عدوا وزي ما يكونوا ثانية واحدة. المحل الصغير في شبرا مابقاش مجرد محل، بقى علامة مميزة في الحتة، وحمزة—اللي بقى الكل في الشارع يناديه “أبو أحمد”—بقى معلم بجد، يلبس الجلابية البيضاء يوم الجمعة، ويقعد على القهوة مع عم جرجس، ويقف في المطبخ يشيل الشكاير وعينه مابتنزلش من عليا.
وفي ليلة من ليالي الشتا، نفس المطر الخفيف كان بيخبط على شباك الأوضة بتاعتنا، بس المرة دي مكنش فيه خوف ولا دموع. كان فيه صوت صرخة صغيرة، بريئة، ملأت شقتنا القديمة دفا.
### الفرحة الكبيرة
أمي كانت واقفة برة الأوضة بتبكي وتدعي، وأحمد أخويا الصغير—اللى طول شوية ومبقاش صغير أوي—واقف حاطط إيده في جيبه ومستني “البطل الجديد”.
لما الدكتورة خرجت وقالت: “مبروك.. بنوتة زي القمر”، حمزة مكنش قادر يشيل رجليه. دخل الأوضة وعينيه حمرا من القلق والتعب، قرب مني وأنا ساندة ضهري على السرير، وبص للحتة اللحمة الحمراء اللي ممرضة حطتها في حضني.
نزل على ركبه جنب السرير—نفس النزلة بتاعة زمان تحت المطر، بس المرة دي مكنش بيطلب السماح، كان بيشكر ربنا. مسك إيدي وباس راسها، ودموعه نزلت على إيد بنتنا الصغيرة.
“سميتها إيه يا ريتان؟” سألني وصوته بيترعش من الفرحة.
“سميتها ‘حياة’ يا حمزة.. عشان هي الحياة الجديدة النضيفة اللي بدأناها سوا.”
شالها بالراحة، كأنه شايل حتة من الكريستال الغالي، وبص في وشها: “شبهك أوي يا ريتان.. واخدة نفس العيون اللي سحرتني في شبرا من أول يوم.”
### السبوع الشبراوي
يوم السبوع، الحارة مكنتش سايعة الفرحة. حمزة صمم يعمل السبوع تحت في الشارع قدام المحل. الحراس بتوع زمان مابقاش ليهم وجود، حل محلهم رجالة الحتة اللي واقفين يطبخوا اللحمة ووزعوا شربات بالموز على كل اللي رايح واللي جاي.
صوت الهون النحاس كان بيرن في البيت، وأمي واقفة ترش الملح وهي بتقول: “اسمع كلام أمك وماتسمعش كلام أبوك..” وحمزة واقف يضحك ويقولها: “لا يا أمي.. تسمع كلام أبوها عمر عشان يجيب لها شوكولاتة كل يوم!”
وزعنا علب السبوع، ومكنتش علب عادية.. كانت قطع شوكولاتة هاند ميد مغلفة بورق فضي مكتوب عليه “حياة حمزة القاضي”.
### شمس جديدة
على المغربية، والناس بدأت تمشي، وقفت أنا وحمزة على باب المحل. هو شايل “حياة” وهي نايمة على كتفه بسلام، وأنا ساندة راسي على كتفه التاني.
بصيت للموتوسيكل الأحمر اللي واقف في ركن الشارع، والخوذة الحمرا اللي لسه متعلقة جوة المحل كشاهد على أول الحكاية.
“ندمت يا حمزة؟” سألته بصوت واطي وأنا ببص للحارة والبيوت القديمة. “ندمت إنك سبت القصور والشركات الكبيرة ورضيت بالبساطة دي؟”
لف وشه وبصلي، وباس جبيني بحنان: “أنا عمري ما عيشت ولا عرفت معنى الغنى غير هنا يا ريتان. القصور كانت سجن بملايين، لكن حضنك وحضن بنتنا ودعوة أمك في الفجر.. هما دول الإمبراطورية الحقيقية اللي مستحيل تتثمن بفلوس.”
الشمس غابت ورا بيوت شبرا، والأنوار بتاعة المحل نورت. الحكاية اللي بدأت بكذبة ووجع، انتهت بأصدق حقيقة.. إن البيوت مابتتبنيش بالفلوس والمستويات، البيوت بتبتني باللي بيشيلك في عينه ويبيع الدنيا كلها عشان يشتري رضاك.