خدامه في بيت امي بقلم منال علي
“بعد وفــاة أبويا أمي حرمتني من حقي في الحــياة، ولما اتجوزت أخواتي حاولوا يهــدوا بيتي.”
بقلـم حكايات منـال علي
أول مرة حسيت إن البيت ممكن يبقى سجن… كانت بعد وفاة أبويا قبلها، كنت البنت المدللة.
مش عشان أنا أصغر واحدة… لأ، أنا كنت التالتة من خمس بنات، لكن أبويا كان بيقول دايمًا:
“دي حتة من قلبي.”
كان راجل حنين بطريقة تخلي أي هم يهون.
كل يوم قبل ما ينزل شغله يعدي عليا الأول.
“عاملة إيه يا سلمى؟”
ولو كنت زعلانة من أي حاجة، مهما كانت بسيطة، يقعد يسمعني كأن كلامي أهم حاجة في الدنيا.
كان يحسسني إن ليا ضهر.
إن فيه حد هيحارب الدنيا كلها عشاني.
ولما كنت أسمعه بيقول لأمي وهو بيضحك:
“البنت دي غالية عندي أوي.”
كنت بحس إني ملكة.
مكنتش أعرف إن كل الإحساس بالأمان ده هيختفي في لحظة.بقلـم حكايات منـال علي
اليوم اللي دفناه فيه…
رجعت البيت وأنا مستنية حضنه.
وبعدين افتكرت إنه خلاص مش موجود.
ومن ساعتها…
كل حاجة اتغيرت.بقلـم حكايات منـال علي
في الأول كنت بقول إن أمي حزينة.
يمكن الضغط خلاها عصبية.
يمكن المسئولية تقيلة عليها.
لكن الأيام كانت بتكشف الحقيقة واحدة واحدة.
أختي الكبيرة تصحى من النوم…
أمي تجيب لها الفطار لحد أوضتها.
أختي اللي بعدها ترجع من الجامعة…
تلاقي الغدا جاهز.
أما أنا…
“سلمى… اغسلي المواعين.”
“سلمى… امسحي الأرض.”
“سلمى… اغسلي هدوم أخواتك.”
“سلمى… اعملي شاي.”
“سلمى… حضري العشا.”
في الأول كنت بساعد بحب.
كنت بقول البيت بيتنا كلنا.
لكن مع الوقت…
بقيت أنا الوحيدة اللي بتعمل كل حاجة.
حتى هدوم أخواتي الداخلية كنت أنا اللي بغسلها.
ولو اتأخرت خمس دقايق…
أسمع صوت أمي يهز البيت.
“إنتي نايمة؟”
“هو البيت هينضف لوحده؟”
“هو الأكل هيستوي بالسحر؟”
كنت ببص حواليّا.
أربع بنات قاعدين.
واحدة ماسكة الموبايل.
واحدة بتتفرج على مسلسل.
واحدة خارجة مع صاحباتها.
والرابعة نايمة.
وأما أنا…
من المطبخ للغسيل للتنضيف.بقلـم حكايات منـال علي
لدرجة إن إيديا بقت كلها تشققات.
وفي مرة…
كنت تعبانة جدًا.
حرارتي عالية.
قلت لها بهدوء:
“ماما… ممكن حد يساعدني النهارده؟”
بصتلي ببرود وقالت:
“أخواتك بيتعبوا في الشغل والدراسة.”
سكت.
رغم إني كنت أنا اللي تعبانة.
ورغم إني أنا الوحيدة اللي واقفة على رجلي.
يوم ورا يوم…بقلـم حكايات منـال علي
بدأت أحس إني مش بنت في البيت.
أنا عاملة.
بدون مرتب.
بدون راحة.
بدون حتى كلمة شكر.
عدت سنة…
واتنين…
وتلاتة.
صحابي كل واحدة بدأت حياتها.
واحدة اشتغلت.
واحدة اتخطبت.
واحدة سافرت.
وأنا؟
ولا حاجة.
كل ما أقول لأمي:
“عايزة أدور على شغل.”
ترد بسرعة:
“شغل إيه؟”
“البيت أولى.”
ولما أقول:
“أنا خلصت جامعة.”
تقول:
“إنتي مش ناقصك حاجة.”
لكن الحقيقة…
كان ناقصني حياة كاملة.
وفي يوم…
لقيت واحدة من صحباتي بتكلمني.
قالتلي:
“في شركة طالبة موظفين.”
قلبي طار من الفرحة.
حضرت الورق.
ولأول مرة بعد سنين…بقلـم حكايات منـال علي
حسيت إن فيه أمل.
دخلت على أمي وأنا مبتسمة.
“ماما… عندي إنترفيو بكرة.”
حتى ما بصتش في وشي.
قالت وهي بتقلب في التليفزيون:
“مش هتروحي.”
افتكرت إنها بتهزر.بقلـم حكايات منـال علي
ضحكت.
“ليه يعني؟”
ردت بمنتهى البرود:
“عشان أنا قلت كده.”
قلت لها:
“بس ده مستقبلي.”
بصتلي بنظرة عمري ما هنساها.
وقالت:
“مستقبلك هنا.”
وأشارت بإيدها ناحية المطبخ.
الكلمة دي كسرتني.
لأول مرة…
حسيت إني ماليش قيمة.
إني مجرد إيد بتشتغل.
عديت الليلة كلها بعيط.
وفي الصبح…
صحيت بدري.
لبست هدومي.
ولسه همسك الشنطة…
سمعت صوتها.بقلـم حكايات منـال علي
“لو خرجتي من الباب ده… ما ترجعيش.”
وقفت مكاني.
كنت محتاجة الشغل.
لكن مكنش عندي مكان أروحله.
ولا فلوس.
ولا حد يسندني.
قلعت الطرحة.
ورجعت أوضتي.
اليوم ده…
كان أول يوم أحس فيه إني اتدفنت وأنا عايشة.
بعدها بسنة تقريبًا…
دخلت أمي أوضتي وقالت:
“قومي البسي.”
استغربت.بقلـم حكايات منـال علي
“ليه؟”
قالت:
“ناس جاية تشوفك.”
قلبي دق بسرعة.
مكنتش مصدقة.
بعد كل السنين دي…
فيه حد متقدملي؟
العريس كان محترم جدًا.
كلامه هادي.
ونظراته كلها احترام.
وأهله كانوا ناس بسيطة وطيبين.
ولأول مرة…
حسيت إن حد شايفني كبنت.
مش كخدامة.
بعد ما مشيوا…
فضلت طول الليل بدعي.
وأقول:
“يارب… تكون بداية جديدة.”
لكن تاني يوم…
سمعت أمي بتتكلم في التليفون.
“إحنا مش موافقين.”
جريت عليها.
“ليه يا ماما؟”
قفلت المكالمة.
وقالت بمنتهى الهدوء:
“مش هتتجوزي.”
اتجمدت.
“يعني إيه؟”
قالت:
“لما أخواتك يتجوزوا الأول.”
قلت:
“بس أنا اللي اتقدملي.”
قالت ببرود أشد من التلج:
“ومين هيعمل شغل البيت لو مشيتي؟”
…
الكلمة دي…
كانت أول مرة أفهم فيها الحقيقة كاملة.
أنا بالنسبالها…
مش بنت.
أنا الخدامة اللي خايفة تخسرها.
وقبل ما أستوعب الصدمة…بقلـم حكايات منـال علي
رن جرس الباب.
ولما فتحت…
لقيت الشخص الوحيد اللي كان لسه شايفني إنسانة…
خالي.
دخل البيت وهو باين عليه الغضب، وبمجرد ما بص في وشي فهم إن في حاجة كبيرة حصلت.
قال بصوت هادي:
“مالك يا سلمى؟”
وقبل ما أجاوب…بقلـم حكايات منـال علي
سمع صوت أمي وهي بتقول من جوه:
“قولتلها خلاص… الجوازة دي مش هتتم.”
ساعتها… خالي وقف مكانه، وبص لها نظرة عمري ما هنساها.
وقال جملة واحدة…
خلت ملامح أمي كلها تتغير….
يتبع….
فضل خالي واقف في نص الصالة، وباصص لأمي من غير ما يرمش.
وقال بهدوء، لكن نبرة صوته كانت كلها غضب:
“هو إيه اللي سمعته ده؟ يعني إيه مش هتتجوز عشان مين هيعمل شغل البيت؟”
أمي عقدت دراعاتها وقالت ببرود:
“دي بنتي… وأنا حرة فيها.”
رد عليها من غير ما يرفع صوته:
“لأ… دي مش ملكك. دي إنسانة، وليها حق تعيش وتتجوز وتشتغل. وإنتِ هتتحاسبي قدام ربنا على اللي بتعمليه فيها.”
حسيت لأول مرة من سنين إن حد بيتكلم بالنيابة عني.
لكن أمي ما سكتتش.
قالت وهي بتبصلي باحتقار:بقلـم حكايات منـال علي
“هي اللي لعبت في دماغك؟ ولا هي مستعجلة على الجواز؟”
خالي قال بحزم:
“اللي مستغربه إنك أم، والمفروض تكوني أول واحدة تفرحي لبنتك.”
سكتت لحظة… وبعدين قامت دخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف.
افتكرت إن الموضوع انتهى.
لكن ده كان أول الحرب.
…
بعد يومين، خالي كلمني وقال إن أهل العريس لسه متمسكين بيا، وإنهم مستعدين يجوا مرة تانية.
قلبي دق من الفرحة والخوف في نفس الوقت.
قلتله:
“بس ماما؟”
قال بثقة:
“سيبيها عليا.”
وفعلًا، جُم.
المرة دي الجو كان متوتر.
أمي كانت قاعدة، لكن ولا مرة بصت في وش حد.
كانت كل إجاباتها بكلمة.
“ماشي.”
“براحتكم.”
“اللي تشوفوه.”
وأول ما الناس مشيت…
انفجرت.
“إنتِ فاكرة إنك هتسيبيني وتمشي؟”
فضلت ساكتة.بقلـم حكايات منـال علي
قالت:
“البيت ده هيتخرب من غيرك.”
وقتها خرجت مني أول كلمة اعتراض بعد سنين.
“وأنا؟”
بصتلي باستغراب.
كأني لأول مرة أتكلم.
قلت وأنا دموعي بتنزل:
“مين فكر فيا كل السنين دي؟”
“مين سأل أنا تعبانة ولا لأ؟”
“مين قال لي كلمة حلوة؟”
“أنا بني آدم يا ماما… مش ماكينة شغل.”
رفعت إيدها…
وكانت أول مرة في حياتها تحاول تضربني.
لكن خالي مسك إيدها قبل ما توصلني.
وقال بغضب:
“كفاية!”
…
بعد أسبوع تمت الخطوبة.بقلـم حكايات منـال علي
ولا كأن فيه فرحة في البيت.
أخواتي كانوا بيبصولي وكأني سرقت منهم حاجة.
الكبيرة قالت وهي بتضحك بسخرية:
“هنشوف هتكمل كام شهر وترجع.”
والتانية قالت:
“أكيد مستحملهاش.”
كنت بسمع وأسكت.
مش ضعف…
لكن عشان كنت نفسي أبدأ حياة جديدة.
…
بدأنا نجهز للجواز.
ووقتها اكتشفت حاجة وجعتني أكتر.
أي فلوس كان جدي أو عمامي يبعتوهالي…
أمي تاخده.
ولما أسألها:
“الفلوس راحت فين؟”
ترد بمنتهى البرود:
“حطيتهم في البنك.”
“ليه؟”
“لأخواتك.”
فضلت أبصلها مش مستوعبة.
“يعني فلوسي… لأخواتي؟”
قالت:
“إنتِ هتتجوزي، إنما هما لسه.”
في اللحظة دي حسيت إن ماليش أي حق في أي حاجة.
حتى حقي البسيط…
كان بيتاخد مني.
…
خالي لما عرف، ما اتكلمش كتير.
راح اشترى الأوضة.
وجاب الأجهزة.
وجاب كل حاجة كنت محتاجاها.
كل مرة كنت أقوله:
“حرام عليك… كفاية.”
كان يبتسم ويقول:
“أنا بعمل اللي كان أبوكي هيعمله.”
الجملة دي كانت بتخليني أعيط كل مرة.
…
كل ما ميعاد الفرح يقرب…بقلـم حكايات منـال علي
تصرفات أمي كانت بتبقى أغرب.
كل يوم خناقة.
كل يوم إهانة.
كل يوم كلام يوجع.
وفي ليلة…
سمعتها بتتكلم مع واحدة من قرايبنا.
كانت بتقول:
“الجوازة دي لازم تقف.”
وقلبي وقع.
فضلت واقفة ورا الباب أسمع.
وفجأة قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي…
“ولو اضطريت أقول كلام يبوظ سمعتها… هقوله.”
وقتها… عرفت إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
يتبع…