خدامه في بيت امي بقلم منال علي

 

بعد اللي حصل في كتب الكتاب، كنت متخيلة إن أمي خلاص عملت كل اللي تقدر عليه.

قلت لنفسي:

“أسوأ حاجة عدت.”

لكن الحقيقة…

كانت لسه جاية. بقلـم حكايات منـال علي

بدأت أجهز لليلة الحنة، وأنا بحاول أفرح حتى لو فرحة ناقصة.

صحابي كانوا مصممين ينسوني كل اللي حصل.

كل واحدة كانت بتكلمني وتضحكني، وتقولي:

“اللي فات خلاص… ركزي في فرحتك.”

وكنت فعلًا بحاول.

لبست فستان بسيط، وقعدت وسط البنات، ولأول مرة من شهور ضحكت من قلبي.

لكن الضحكة دي…

ما كملتش عشر دقايق.

فجأة، باب القاعة اتفتح بعنف.

دخلت أمي، ووراها أختي الكبيرة وأختي اللي بعدها.

وشها كان كله غضب.

قبل ما أي حد يفهم في إيه، بدأت تزعق بأعلى صوتها:

“الفرح ده مش هيكمل!”

كل البنات سكتوا.

المزيكا وقفت.

والأنظار كلها بقت علينا.

جريت عليها وأنا بقول:

“ماما… بالله عليكي، مش النهارده.”

زقت إيدي بعنف وقالت:

“إنتِ خلاص ما بقتيش بنتي.”

حسيت إن قلبي اتقطع.

لكن اللي وجعني أكتر…

إنها بدأت تطرد صحابي.

“يلا… امشوا من هنا.”

“مفيش حنة.”

صحابي حاولوا يهدوها، لكنها كانت بتزعق في الكل.

واحدة من صحباتي مسكت إيدي وهي بتعيط.

وقالت:

“إحنا هنفضل معاكي.”

لكن أمي فضلت تصرخ لحد ما معظم البنات خرجوا وهم مصدومين.

خلال دقائق…

المكان اللي كان مليان ضحك، بقى فاضي.

وقعدت أنا على الكرسي أبكي.

خالي دخل بعد ما سمع اللي حصل.

بص حواليه، وفهم كل حاجه

 

 

فضل خالي واقف يبصلي وأنا قاعدة بعيط، ومش لاقية حتى كلمة أقولها.

قرب مني وربت على كتفي وقال:

“ارفعي راسك يا بنت أختي… والله العظيم هييجي يوم تفتكري اللي حصل ده وتعرفي إن ربنا نجاكي.”

هزيت راسي وأنا بمسح دموعي، لكن وجعي كان أكبر من أي كلام يهون.

تاني يوم كان الفرح.

دخلت الفستان الأبيض، وكل بنت بتحلم إنها تشوف نفسها أجمل عروسة في الدنيا.

بصيت لنفسي في المراية، وافتكرت أبويا.

لو كان عايش… كان هيكون أول واحد واقف جنبي، وهيضحك وهو بيقول:بقلـم حكايات منـال علي

“عروستي كبرت.”

الكلمة دي خلت دموعي تنزل من غير ما أحس.

خالي شافني، فقال بابتسامة حزينة:

“بلاش دموع النهارده… أبوكي أكيد نفسه يشوفك فرحانة.”

مسكت نفسي بالعافية.

وخرجت.

الفرح عدى بهدوء، لكن كان ناقصه أهم ناس كنت أتمنى يكونوا معايا.

ولا أمي حضرت.

ولا أخواتي.

كأنهم قرروا يمحوا وجودي من حياتهم.

…

بعد الفرح، روحت بيتي الجديد.

أول مرة أدخل مكان وأحس إنه بتاعي.

شقة بسيطة، مش كبيرة، لكن كانت بالنسبة لي قصر.

كنت ألف فيها وأنا مبتسمة.

وجوزي كان بيبصلي ويضحك.

قال:

“مبسوطة؟”

بصيت حواليّ وقلت:

“أوي… أول مرة أحس إن عندي بيت.”

ابتسم وقال:

“ومن النهارده… محدش هيكسرك.”

الجملة دي خلتني أعيط.

لكن كانت دموع راحة.

…

تاني يوم الصبح…

صحيت على صوت خبط على الباب.

فتحت.

لقيت خالي واقف، وفي إيده أكياس أكل.

ابتسم وقال:

“أكيد محدش فيكم هيعرف يطبخ النهارده.”

ضحكت لأول مرة من قلبي.

دخل وقعد معانا شوية، وفضل يوصينا على بعض.

وقبل ما يمشي، حضني وقال:

“لو احتجتي أي حاجة… اعتبريني أبوكي.”

فضلت أبكي بعد ما نزل.

…

لكن الفرحة ما طولتش.

بعدها بساعات، تليفوني رن.

كان رقم أختي الكبيرة.

استغربت إنها بتكلمني.بقلـم حكايات منـال علي

رديت بسرعة.

لقيتها بتقول بحدة:

“انتي قاعدة مرتاحة؟”

قلت باستغراب:

“في إيه؟”

قالت:

“أمي تعبانة.”

من غير تفكير، لبست هدومي وجريت.

أول ما وصلت البيت، لقيت أمي نايمة على السرير، ونفسها طالع بالعافية.

قربت منها.

مسكت إيدها.

كانت أول مرة ألمس إيدها من شهور.

فتحت عينيها بالعافية، وبصتلي.بقلـم حكايات منـال علي

وشفايفها كانت بتتحرك.

حاولت أسمع.

كانت بتقول كلمات متقطعة… مش مفهومة.

لكن وسط الكلام، سمعتها بتردد اسمي.

“سلمى…”

ولأول مرة من سنين…

شفت دموع في عينيها.

في اللحظة دي، قلبي ضعف.

قلت يمكن… يمكن كانت عايزة تعتذر.

يمكن ندمت.

لكن قبل ما أسمع منها أي كلمة واضحة…

جسمها سكن فجأة.بقلـم حكايات منـال علي

والأجهزة بدأت تصدر صوتًا متواصلًا…

والدكتور جري ناحيتها وهو بيصرخ:

“اطلعوا برة بسرعة!”

يتبع…

 

 

وقفت برة الأوضة، رجليا مش شيلاني.

رغم كل اللي شوفته منها…

ورغم كل الدموع اللي نزلت بسبـبها…

كنت بدعي من قلبي:

“يارب تقوم بالسلامة.”

بعد دقائق، الدكتور خرج وهو مطأطئ راسه.

وقال بهدوء:

“البقاء لله.”

حسيت إن الدنيا وقفت.

أمي ماتت… من غير ما أعرف هي كانت فعلًا عايزة تعتذر، ولا كانت عايزة تقول أي حاجة تانية.

فضل السؤال ده عايش جوايا.

يمكن لحد النهارده.بقلـم حكايات منـال علي

…

عدى يوم الدفن، وعدى العزا.

كنت بحاول أعمل اللي يرضي ربنا.

أقرأ لها قرآن، وأدعيلها بالمغفرة، وأقول لنفسي إن الحساب عند رب العالمين.

لكن اللي حصل بعد الدفن بثلاثة أيام…

مكنتش أتخيله أبدًا.

أخواتي الأربعة جم بيتي.

استقبلتهم باحترام.

افتكرت إنهم جايين يفتحوا صفحة جديدة.

لكن أول ما قعدوا…

قالت أختي الكبيرة:

“إحنا اتفقنا على حاجة.”

قلت:

“خير؟”

قالت بمنتهى البرود:

“تطلقي.”

افتكرت إني سمعت غلط.

“إيه؟”

قالت:

“وترجعي تعيشي معانا.”

بصيت لها بعدم استيعاب.

“أرجع ليه؟”

ردت من غير أي كسوف:

“البيت واقف.”

أختي التانية كملت:

“إحنا مش هنلحق على شغل البيت كله.”

في اللحظة دي…

ضحكت.

أول ضحكة من سنين.بقلـم حكايات منـال علي

لكنها كانت ضحكة وجع.

قلت:

“يعني بعد كل اللي حصل… لسه شايفيني خدامة؟”

قالت الكبيرة:

“ده واجبك.”

وقفت، وبصيت في وشهم واحدة واحدة.

وقلت لأول مرة من غير خوف:

“لا… مش واجبي.”

“أنا عندي بيت.”

“وعندي جوز.”

“وعندي حياة.”

“والسنين اللي ضاعت… مش هتضيع الباقي منها.”

وشهم كله اتغير.

وقاموا ومشيوا وهم بيتوعدوني.

…

بعدها بيومين، كنت أنا وجوزي في العزا عند واحد من قرايبنا.

العزا خلص، والناس بدأت تمشي.

وفجأة…

أختي الصغيرة صرخت وسط الناس.

“ألحقوني… جوزها اتحرش بيا.”

الدنيا اتقلبت في ثواني.بقلـم حكايات منـال علي

الكل بص لجوزي.

وأنا حسيت إن قلبي هيقف.

لكن جوزي ما اتكلمش.

كل اللي قاله بهدوء:

“هاتوا الكاميرات.”

صاحب المكان فتح تسجيل الكاميرات.

وقفنا كلنا نتفرج.

وكانت الحقيقة واضحة.

جوزي كان بعيد عنها تمامًا.

ولا لمسها.

ولا حتى قرب منها.

ساعتها، الناس كلها فهمت الكذب.

وأختي نزلت راسها من الكسوف.

أما أنا…

فوقفت أبص لهم، وحسيت إن آخر خيط كان بيربطني بيهم اتقطع.

…

رجعنا البيت.

كنت ساكتة طول الطريق.

جوزي مسك إيدي وقال:

“من النهارده… محدش منهم يدخل حياتنا.”

بصيتله.

قال بحزم:

“أنا استحملت عشان خاطرك… لكن خلاص.”

هزيت راسي وأنا بعيط.

لأول مرة، حسيت إن عندي سند حقيقي.

…

مرت الشهور.

وربنا رزقني بحمل.

ويوم ما شلت بنتي بين إيديا…

حضنتها جامد، ووعدتها بوعد واحد.

“عمرك ما هتحسي إنك أقل من حد… وعمرك ما هتدوري على الحنان برا بيتك، طول ما أنا عايشة.”

في اللحظة دي افتكرت أبويا.بقلـم حكايات منـال علي

وافتكرت حنيته.

وعرفت إن الإنسان ممكن يخسر ناس كتير…

لكن ربنا قادر يعوضه بأشخاص يكونوا وطن كامل.

سامحت أمي بيني وبين نفسي، ودعيت لها بالرحمة.

أما أخواتي…

فسيبتهم لاختيارهم.

لأن أوقات، أفضل انتقام مش إنك ترد الأذى…

أفضل انتقام إنك تعيش سعيد، وتبني الحياة اللي حاولوا يمنعوك منها.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *