كنت راجع علي الصحراوي

كنت راجع على الصحراوي بالعربية بتاعتي والليل بدأ يدخل عليا وأنا في حالة نفسية من أسوأ ما يكون، بقالي سنتين كاملين بلف على المستشفيات وتقريبًا دفعت كل ما أملك، لحد ما أكبر استشاري قالهالي انهاردة بعد انتظار شهر عشان أقابله، تقبل أمر الله وكفاية مصاريف لحد كدا، ابنك هيفضل مشلول زي ماهو ومش هيتحرك تاني..

هو قالها رأفة بيا لأن فعلًا مفيش علاج، لكن كلامه خلع قلبي من مكانه لدرجة إن جالي هبوط في المستشفى من الخبر، ابني اللي انتظرت ولادته خمس سنين كاملين، وبعد ما اتولد وفرحت بيه كلها كام سنة وعمل حادثة أمه ماتت فيها وهو اتشل، وأنا من يومها مبنامش الليل عشان ألاقي العلاج بتاعه..

عنيا غصب عني اتقفلت بالدموع فمسحتها بالمناديل لأني على الصحراوي والحادثة هنا بمو.ت، وأثناء مانا سرحان وتايه لمحت قدامي واحدة ست ومعاها طفل واقف جنبها وبتشاور بإصرار ورجاء عشان أقف بعربيتي..

في العادي أنا مبقفش بعربيتي في أماكن زي دي، لكن لما لمحت الطفل افتكرت أدهم ابني، وازاي ممكن الطفل وأمه يحصل فيهم حاجة في مكان مقطوع زي ده، عشان كدا مفكرتش كتير ووقفت..

وبدأت أرجع بعربيتي لورا بحذر لحد ما قربت مني ولقتها بتبكي وبتحمد ربنا إني وقفت عشانهم، اتأثرت بكلامها واندمجت معاها في الكلام عشان في لحظة واحدة يظهر ٣ رجالة من العدم ومعاهم سلاح، ولقيت سكينة على رقبتي وواحد بيطلعني من العربية وقام التاني ضاربني على راسي بحاجة تقيلة خلت الرؤية كلها معدومة قدامي..

واترميت على الأسفلت وراسي بتنزف د م، وقتها استوعبت اللي حصل في الكام ثانية دول، عربيتي ومصدر أكل عيشي اتسرقت، مش هلاقي أكل أنا وابني المشـ ـلول تاني، عشان كدا قمت زي الممسوس، ولمحت العربية بتدخل من طريق فرعي صغير لقلب الجبل..

قمت وجريت وراهم، جريت والوجع والبرد بينهشوا فيا، كنت عامل زي اللي في كابوس، كابوس مُرعب، كنت بصرخ جوايا وأقول (يارب)..

جريت نص ساعة كاملة، نص ساعة بجري وأقع وأقوم لحد ما اختفت العربية تمامًا من قدامي، ووقعت فاقد الوعي على الرمل في قلب الجبل..

ولما صحيت كان الصداع بينهش فيا ومش قادر أتوازن، لكن بعد دقايق استوعبت كل حاجة، أنا مجروح، وفي الجبل، وعربيتي اتسرقت، سجدت مكاني وفضلت أبكي بحُرقة زي العيل الصغير..

يارب مراتي مـ ـاتت وابني اتشل وعربيتي اتسرقت وأنا مش عارف أرجع بيتي، يارب أنا في كرب وأنت اللي عالم بيا..

فضلت أبكي لحد ما الشمس بقت لا تُطاق، قمت من مكاني ومشيت، مشيت وأنا حتى مش عارف الطريق ازاي، مشيت لأكتر من ساعة لحد ما أدركت إني توهت، توهت ازاي والمفترض الطريق يكون سهل لأي حد، معرفش..

وقعدت مكاني وسرحت، ابني اللي عند عمه، هل هيربيه كويس ولا هيرميه عشان مش هيتحمل رعايته، هل هيقول أبوه سابه وسافر ولا هيعذرني، وبدأت أتخيل فعلًا إني مش راجع..

لحد ما فوجئت بحد واقف قدامي، راجل عجوز ماسك عصاية ودقنه بيضا، اتخضيت من شكله لقيته بيشاور ليا، روحتله وأنا مش قادر أمشي لقيته بيطلب مني أوصله ع أول البلد لحد بيته..

للوهلة الأولى كنت هزعقله عشان يمشي، لكن برضه قلبي مطاوعنيش، راجل عجوز ومسكين، روحتله وأنا بشتم نفسي ألف مرة ع قلبي الطيب اللي كان السبب في سرقة عربيتي ودلوقتي هروح أوصل واحد عجوز وأنا تعبان وبالشكل ده..

روحتله واتسند على إيدي ومشينا، مشينا نص ساعة لحد ما ظهرت قرية قدامنا في الجبل، قرية عبارة عن ٨ بيوت بالكتير، دخلت معاه بيته وقالي أنام شوية لحد ما يلاقي حل، جيت أحكيله سابني ومشي..

وأنا من التعب مكنتش عارف أفكر ولا مستوعب اللي بيحصل، عشان كدا نمت فورًا، وبعد كام ساعة لقيته بيصحيني بعنف بالليل وبيقول:

ـ يالا بسرعة الوقت مش في صالحنا..

خرجت معاه من البيت لقيته بيشاور على نور بعيد أوي، قالي هتمشي ساعة كاملة هتلاقي الاستراحة ع الطريق السريع، هتلاقي عربيتك راكنة وراها، تركبها وتمشي ع طول، وهتلاقي في العربية كيس صغير هدية لابنك..

بصتله بتعجب زعق فيا وقالي:

ـ مش وقته يالا..

قولتله:

ـ طيب ومفتاح العربية..

لقيته بيطلعه من جيبه وبيديهوني، وفعلًا كان هو مفتاح عربيتي..

اتحركت فورًا وبقيت أجري بلهفة لحد ما وصلت للاستراحة اللي كانت ع الطريق فعلًا، لفيت وراها ولقيت عربيتي راكنة ومستخبية، ركبتها في لحظة وكنت مدورها وطاير على الصحراوي وأنا بصرخ من الفرحة، لدرجة إني دمعت كتير أوي، فضلت أدعي للراجل كتير أوي لحد ما افتكرت اللي قاله..

بصيت في العربية من ورا لقيت كيس صغير، فتحته لقيت فيه علبة فيها مادة لزجة وورقة بتقول (ادهن لابنك كل يوم لمدة شهر على فقرات ضهره)..

مكنتش فاهم حاجة لكن كنت فرحان، ولما رجعت عملت كدا، شهر كامل بدهن لابني منه وابني كل يوم بيتحسن، وفضل يتحسن لحد ما وقف على رجله، ووقعت يومها ساجد على الأرض وأنا مذهول من رحمة ربنا..

عربيتي تتسرق واتبهدل لحد ما ألاقي الراجل ده اللي لحد انهاردة معرفش ده مين، وهل هو إنس ولا جن، ويكون سبب في رجوع عربيتي وعلاج ابني، كنت فاكر الخير اللي عملته واللي بعمله أذى ليا، مكنتش أعرف إنه السبب في كل الخير ده..

أحيانًا بنعمل الخير وبنحصل على الأذى منه وبس، منعرفش إن في لحظة واحدة هنتجازى فيها على كل الخير ده، ولما ييجي الجزاء بننسى أي تعب أو أذى شوفناه، لأن أوقات بيكون جزاء الخير هو الجنة، الجنة اللي بتنسى فيها كل الشقاء..

(خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ) أخرجه ابن حبان

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *