ماكنش يعرف ان مراته صاحبه المستشفي

من غير ما يعرف إن مراته هي صاحبة المستشفى… جوزها طردها قدام كل العاملين

كل اللي موجودين في العناية المركزة سكتوا لما عمر المنياوي شد كارنيه الشغل من على يونيفورم مراته.

وقال قدام الكل:

—إنتِ مرفودة يا مريم… ومش عايز أشوف وشك في المستشفى دي تاني.

الكارنيه المعدني وقع على الأرض، وزحف لحد ما وقف عند جزمة واحدة من الممرضات.

لكن الممرضة ما قدرتش حتى تنحني ترفعه.

مريم فضلت واقفة مكانها.

ساكتة.

بتبص للراجل اللي عاشت معاه 9 سنين جواز.

وحواليها الدكاترة والممرضين والعمال اللي هي بنفسها دربت عدد كبير منهم.

ناس نزلت عينيها في الأرض.

وناس عملت نفسها مشغولة في شاشات المرضى عشان ما تبصلهاش.

عند باب العناية، كانت مدام سعاد، أم عمر، واقفة بتتفرج.

وعلى وشها ابتسامة بالكاد بتحاول تخبيها.

وجنبها كانت واقفة داليا.

ممرضة اتعينت في المستشفى من فترة قريبة، وبقالها شهور بتظهر جنب عمر في الاجتماعات والعشا والصور اللي بتتاخد بره مواعيد الشغل.

داليا بصت حواليها وقالت:

—يمكن دلوقتي نعرف نطور القسم شوية… في ناس بتقعد وقت طويل في مكانها لحد ما تفتكر إنها ما ينفعش تتعوض.

في اللحظة دي، مريم فهمت.

اللي بيحصل مش قرار طرد طلع من عمر فجأة.

هما كانوا محضرين لإهانتها قدام الكل.

عمر شبك إيديه قدام صدره وقال:

—الأمن هيوصلك لحد الباب.

مريم ردت بهدوء:

—مش محتاجة.

انحنت.

رفعت الكارنيه من الأرض.

وحطته في جيبها.

ما عيطتش.

وما قالتش كلمة زيادة.

أخدت بالطوها، وعدت جنب المرضى اللي قضت معاهم ليالي كاملة من غير نوم.

وهي ماشية ناحية الأسانسير، راجل كبير من المرضى مد إيده ناحيتها.

—يا دكتورة مريم…

مريم وقفت.

رجعتله.

وظبطت البطانية على رجليه.

وابتسمت.

—كل حاجة هتبقى كويسة يا عم حسين. الممرضة منى عارفة مواعيد علاجك كويس.

وبعدها كملت طريقها.

عمر فضل واقف يتفرج عليها وهي ماشية، وعلى وشه نظرة رضا شبه الفخر.

بالنسبة له، هو لسه أثبت قدام كل العاملين إنه المدير الإداري لمستشفى الرحمة الدولي في القاهرة.

لكن كان فيه حاجة واحدة عمر ما يعرفهاش.

الست اللي لسه طردها من المستشفى…

كان في شنطتها التوقيع الوحيد اللي يقدر يحدد مستقبل المبنى كله.

⸻

أول ما مريم خرجت للجراج…

المطر بدأ ينزل.

وصلت لعربيتها.

لكنها ما فتحتش الباب.

فضلت واقفة تحت المطر وهي بتحاول تاخد نفسها.

فتحت شنطتها.

ولقت جواها ظرف لونه كريمي.

اسمها مكتوب عليه بخط إيد أبوها المرتعش.

الظرف ده كان معاها بقاله 6 سنين.

وعمرها ما فتحته.

أبوها، حسن الشافعي، كان ادهولها قبل وفاته بساعات.

وقتها قالها:

—ما تفتحيهوش دلوقتي يا مريم… افتحيه لما الناس اللي حواليكي يورّوكي حقيقتهم. إنتِ هتعرفي اليوم ده لما ييجي.

مريم وقتها افتكرت إن ده كلام راجل المرض والتعب مأثرين عليه.

لكن دلوقتي…

رفعت عينيها وبصت لشبابيك المستشفى المنورة.

وفي مكان ما جوه المبنى، كان عمر غالبًا بيحتفل مع داليا إنه أخيرًا خلص منها.

مريم قطعت الظرف.

فتحته.

جواه كان فيه كارت واحد بس.

عليه رقم تليفون.

وتحته جملة قصيرة:

“اتصلي بالأستاذ فؤاد مراد. هو حافظ على الحاجة اللي طول عمرها كانت ملكك. وما تمضيش على أي ورقة.”

مريم طلعت موبايلها.

واتصلت بالرقم.

بعد الرنة التانية، راجل رد:

—مكتب الأستاذ فؤاد مراد للمحاماة.

—لو سمحت، عايزة أكلم الأستاذ فؤاد.

—معاكي فؤاد.

مريم سكتت لحظة.

—أنا مريم الشافعي… بنت حسن الشافعي.

الناحية التانية سكتت تمامًا.

وبعد ثواني، المحامي قال:

—دكتورة مريم… أنا مستني المكالمة دي من سنين.

مريم اتفاجئت.

—أنا مش دكتورة… أنا ممرضة.

رد فؤاد:

—أبوكي عمره ما بطل يناديكي دكتورة.

مريم قفلت عينيها.

⸻

قبل مرض أبوها…

مريم كانت فعلًا بتدرس طب.

كانت من أوائل دفعتها.

ومعاها منحة كاملة.

لكن أبوها أصيب بفشل كلوي.

وماكانش فيه حد مستعد يسيب حياته عشان يعتني بيه.

فمريم سابت كلية الطب.

كانت بتأكله.

وتساعده في احتياجاته.

وتروح معاه كل جلسة علاج.

وعشان تقدر تشتغل وتفضل قريبة منه، كملت دراستها في التمريض.

وفي الفترة دي…

عرفت عمر.

كان وقتها شاب صغير شغال في الإدارة في نفس المستشفى اللي أبوها بيتعالج فيها.

كان جذاب.

طموح.

وبيتعامل معاها باهتمام.

وكان دايمًا يقولها إنه معجب بالتضحية اللي عملتها عشان أبوها.

بعد فترة اتجوزوا في فرح صغير.

أبوها حسن كان وقتها جسمه ضعيف جدًا وقاعد على كرسي متحرك.

لكنه أصر يوصل بنته لحد عمر.

وقبل ما يسيب إيدها…

مسك دراع عمر.

وقال:

—خلي بالك من بنتي.

عمر رد من غير تردد:

—بعمري كله.

حسن فضل باصصله كام ثانية.

وما ابتسمش.

⸻

بعد وفاة أبوها، مريم كرست حياتها للشغل ولمساعدة جوزها في مستقبله.

كانت تاخد نبطشيات بالليل.

وتعتني ببنتهم ملك، اللي اتولدت بعد جوازهم بسنتين.

وكانت تصلح أخطاء عمر الإدارية من وراه من غير ما تحرجه.

وفي أفكار كتير قدمها عمر للإدارة وخد عليها التقدير…

كانت مريم هي اللي كاتباها أصلًا.

عمر كان بيترقى.

ومريم فضلت في العناية المركزة.

وفي كل تجمع عائلي، كانت حماتها سعاد تقول:

—التمريض مهنة محترمة طبعًا… بس يعني مش كارير إداري حقيقي.

مريم عمرها ما ردت.

كانت تصب القهوة.

وتغير الموضوع.

وبعدين ظهرت داليا.

في الأول…

عمر كان بيجيب سيرتها على الفطار.

بعدها بدأت رسايل نص الليل.

وبعدين سفر “الشغل”.

وصور ليهم واقفين قريبين من بعض زيادة عن الطبيعي.

مريم ما كانتش ساذجة.

هي بس قضت سنين طويلة بتعتني بكل الناس حواليها…

لدرجة إنها نسيت إزاي تحمي نفسها.

⸻

صوت المحامي فؤاد رجعها للواقع.

قالها:

—اسمعيني كويس يا مريم. ما تواجهيش جوزك دلوقتي. وما تمضيش على أي طلب أو اتفاق أو ورقة تخص المستشفى. وبكرة الصبح تيجي مكتبي.

مريم سألته:

—أبويا سابلي إيه؟

رد:

—أكتر بكتير من مجرد فلوس.

—أنا محتاجة أعرف دلوقتي.

فؤاد سكت لحظة.

وبعدين قال:

—مش على التليفون.

—ليه؟

جاء صوته جاد:

—لأن اللي بيحصل ده لازم نتعامل معاه كتحقيق… مش كانتقام.

مريم بصت مرة تانية للمستشفى اللي جوزها لسه طاردها منها قدام الكل.

وهي لسه ما تعرفش إن أبوها، قبل ما يموت…

كان مأمّن لها حاجة هتقلب موازين القوة جوه المستشفى بالكامل.

في الصباح التالي، كانت الشوارع مغسولة بأمطار الليل لما دخلت مريم مكتب الأستاذ فؤاد مراد في وسط البلد. المكتب كان أثري، مليان كتب قانونية وأوراق رسمية ريحتها قدم وهييبة.
قعدت مريم قصاد المحامي، وهو طلع ملف أسود كبير، وحطه على الترابيزة بوقار.
قال الأستاذ فؤاد بنبرة هادية بس ثقيلة:
— مريم… أبوكي حسن الشافعي الله يرحمه مكنش مجرد مريض فشل كلوي في مستشفى الرحمة الدولي. أبوكي كان الممول الشريك ومؤسس 45% من أسهم المبنى مع الحج عبد الرحمن الرحمة قبل ما المستشفى تتحول لشركة مساهمة!
مريم برقت عينيها بصدمة:
— أبويا؟! أختي كان بيتعالج على حسابه وكان بيدفع بالتقسيط!
— ده اللي هو أصر يظهره قدام جوزك وأمه! (فؤاد كمل): حسن الشافعي لما شاف عمر والغل والطمع اللي في عينيه من أول يوم دخل فيه بيتك، عرف إن عمر اتجوزك عشان فاكر إنك مالكيش حد، ولو عرف بحقيقة ثروتك وأسهمك هيستغلك ويقلب عليكي. أبوكي كتب الأسهم في صندوق استثماري مغلق باسمك، وشرط إن الصندوق ده ما يتفتحش أو يتفعل حقك فيه كـ “رئيسة مجلس الإدارة وأغلبية الأسهم” غير بالظرف ده، ولما إنتِ بنفسك تطلبي تفتحيه!
مريم مسكت طرف الملف وإيديها بتترعش:
— يعني… المستشفى دي حقي أنا؟ وعمر مجرد موظف إداري بيقبض مرتبه من أسهمي؟!
— بالضبط! وعمر بقاله سنة مع داليا وأمه بيحاولوا يعملوا إعادة هيكلة للشركة عشان يبيعوا 30% من الأسهم لمستثمر أجنبي، وعشان البيعة دي تتم، محتاجين موافقة المالك الخفي للأسهم المتبقية… اللي هو إنتِ!
في نفس الوقت، جوه مستشفى الرحمة الدولي…
كان عمر المنياوي واصل لأعلى درجات غروره. عامل اجتماع طارئ في القاعة الكبرى مع كل رؤساء الأقسام، والأطباء، وداليا أمه سعاد قاعدين في الصف الأول مبسوطين.
عمر مسك الميكروفون وقال بثقة:
— أحب أبلغكم إن النهاردة المستشفى هتبدأ مرحلة جديدة، انتهى زمن التهاون والعشوائية والتمريض اللي فاكر نفسه غير قابل للبديل. النهاردة بنوقع عقد الدخول مع المستثمر الخليجي اللي هيشتري الأسهم المعطلة!
وفجأة… باب القاعة المصفح اتفتح!
دخلت مريم، بس مكنتش لابس اليونيفورم بتاع التمريض ولا البالطو الأبيض التعبان. كانت لابسة بدلة رسمية أنيقة جداً، ماشية بثقة وثبات، وعلى يمينها الأستاذ فؤاد مراد ومعه اتنين من رجال الشرطة والمحضرين القضائيين!


القاعة كلها سكتت. الدكاترة والممرضين اتسمروا في أماكنهم.
عمر وشه جاب ألوان، وقام بعصبية:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا يا مريم؟ أنا مش رفدتك أصلًا قدام الكل البارح؟ الأمن فين؟!
الأستاذ فؤاد خطى خطوة للأمام وطلع الأوراق الرسمية بختم النسور:
— الأمن مش هيمس مدام مريم الشافعي… لأن مدام مريم مش ممرضة عندك يا أستاذ عمر. مدام مريم هي صاحب أكبر حصة أسهم في مستشفى الرحمة الدولي (45%)، والرئيس التنفيذي الجديد لمجلس الإدارة بناءً على وصية والدها حسن الشافعي وتفعيل الحصة الحاكمة!
صدمة كهرومغناطيسية ضربت القاعة!
داليا اتجمدت، ومدام سعاد حماتها فتحت بقها ومش قادرة تتنفس.
عمر بص لمريم بذهول وشرود، وشه اتقلب أصفر زي الليمونة:
— أسهم إيه؟ مريم؟ مريم مراتي صاحب المستشفى؟! دي مجرد ممرضة بأجر!
مريم قربت من منصة الاجتماع، وبصت في عينين عمر ببرود أشد من المطر اللي نزل البارح:
— الممرضة دي هي اللي كانت بتصلح قرفك وأخطاءك الإدارية من ورا ضهرك، وهي اللي أبوها بنى المكان ده بدمه… وإنت كنت بتاكل من خيرها وتتباهى قدام الناس.
مسكت مريم أوراق الصلاحيات وحطتها قدام النيابة والمحضرين:
— وبصفتي رئيس مجلس الإدارة والمالك للأغلبية… القرار الأول ليا النهاردة:
* سحب كافة الصلاحيات الإدارية والمالية من عمر المنياوي وتحويله للتحقيق الجنائي بتهمة التزوير واختلاس أموال المستشفى لصالح ممرضة (داليا).
* إنهاء خدمة داليا فوراً وشطب اسمها من سجلات العاملين بالشركة.
* طرد عمر المنياوي من المستشفى وحرمانه من دخولها نهائياً!
داليا صرخت:
— عمر! تصرف! قول حاجة!
عمر كان واقف مش قادر ينطق، رجليه مش شايلاه.
المحضرين ورجال الأمن قربوا من عمر وداليا، ومسكوهم عشان يخرجوهم بره المبنى.
وقبل ما عمر يخرج، التفت لمريم وعينيه مليانة دموع وكسرة وذل:
— مريم… أرجوكي… إحنا بينّا 9 سنين جواز وبنتنا ملك! أرجوكي سامحيني!
مريم بصتله وقالت بثبات هز القاعة كلها:
— 9 سنين إنت عيشتهم طمعان وخاين… وبنتي ملك هتربى على النزاهة مش على الغدر. الكارنيه اللي رميته البارح على الأرض… كان آخر حاجة بتربطني بيك.
النهاية:
تولت مريم الشافعي إدارة مستشفى الرحمة الدولي بنفسها، ورجعت كملت دراستها وإدارتها بكفاءة وعدل. طردت الخونة والمستغلين، وكافأت كل الممرضين والأطباء الشرفاء اللي بيشتغلوا بضمير، وعيّنت عم حسين المرضى في لجنة استشارية لحقوق المرضى.
أما عمر وداليا… فسقطوا في بئر قضايا الاختلاس والتزوير، وخسر عمر كل حاجة؛ شغله، وسمعته، وعيلته، وعاش في فقر وندم مش هينتهي.
عرفت مريم إن الصبر والسكوت مكنش ضعف… كان القوة اللي استنت اللحظة المناسبة عشان تظهر الحق وترجع كل حاجة لأصحابها.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والظلم ظلمات يوم القيامة، والحق دايماً بيرجع مهما حاول الخونة يغطوه 🦋🦋🦋

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *