مفيش حد يتبني بنت.
تعرف حد ممكن يتبنى بنت؟ سؤال واحد غيّر حياة أخطر راجل للأبد
الجزء الأول
كان سليم الچارحي من نوعية الرجالة اللي محدش يتمنى يقابلهم لوحده في شارع فاضي.
في القاهرة، اسمه كان مرتبط بكازينوهات ومخازن وشركات مقاولات وشركات أمن.
وكان اسمه بيتقال كمان، بس عمره ما اتكتب في ورقة، في حكايات عن رجال أعمال اتعرضوا للټهديد لما اتأخروا في سداد ديونهم.
سليم نجا من 3 محاولات اغتيال.
كان ممكن يقف قدام سلاح متوجه لصدره من غير ما يرمش.
وكان يعرف أسرار لو خرجت للنور، ممكن تدخل سياسيين وضباط وقضاة السچن.
لكن صباح يوم تلات عادي
وفي وسط موقف عبود
بنت صغيرة قدرت توقف أخطر راجل في المكان بسؤال واحد.
يا عمو تعرف حد عايز بنت؟
سليم وقف فجأة لدرجة إن ال رجالة اللي ماشيين وراه كحراسة كانوا هيتخبطوا فيه.
بص ناحية الصوت.
لقى بنت صغيرة قاعدة لوحدها على كرسي.
كان عندها حوالي 7 سنين.
لابسة بلوفر أصفر، وضفيرتها مفكوكة، وفي رجليها جزمة أكبر من مقاسها.
حضناها شنطة ضهر سوستتها مکسورة.
وجنبها كيس فيه بطانية، وعلبتين عصير، ودبدوب ناقص عين.
سليم قرب منها.
مامتك فين؟
البنت ردت
خرجت تتكلم مع واحد.
من إمتى؟
بصت للساعة الكبيرة المعلقة في المحطة، وشاورت عليها.
لما العقرب الطويل كان فوق.
سليم بص في ساعته.
عدى تقريبًا 3 ساعات.
لف بعينه في المكان.
عائلات بتودع بعض.
ناس بتجري تلحق العربيات.
بياعين بينادوا على القهوة والشاي.
لكن محدش
كان بيدور على طفلة.
سليم رجع بصلها.
اسمك إيه؟
ملك محمود.
وإيه اللي خلاكي تسألي لو حد عايز بنت؟
ملك حضنت شنطتها أكتر.
وقالت بصوت هادي
ماما قالت إن الأطفال لازم يبقى عندهم سرير وفطار ومدرسة.
سكتت شوية.
وبعدين كملت
إحنا نمنا امبارح جوه عربية قديمة مرمية في الشارع يمكن ماما مشيت عشان خلاص مبقتش قادرة تاخد بالها مني.
رفعت عينيها لسليم وسألته
هو أنا صعب حد يحبني؟
السؤال لمس حاجة جوا سليم كان دافنها بقاله أكتر من 30 سنة.
لما كان عنده 10 سنين، أمه ماټت في مستشفى حكومي.
أبوه كان مختفي من قبلها.
وسليم اتنقل بعدها بين أكتر من دار رعاية.
لحد ما سمع مرة واحدة من المشرفات بتقول
محدش بيحب يتبنى ولد كبير خصوصًا لو عصبي ومش بيثق في حد.
وهو عنده 14 سنة، هرب.
ومن يومها اتعلم درس واحد
الخۏف ممكن يجيبلك أكل.
الخۏف ممكن يحميك.
والخۏف ممكن يخلي الناس تحترمك حتى لو كانوا بيكرهوك.
ومع السنين
حوّل الدرس ده لإمبراطورية كاملة.
سليم كان جاي موقف عبود يومها عشان يقابل مقاول مديونله بملايين.
لكنه طلع موبايله وألغى المقابلة.
وبعدين خلع الجاكت بتاعه وحطه على كتف ملك.
وقالها
بصيلي كويس واسمعي الكلام ده.
ملك رفعت عينيها.
الأطفال مش صعب يتحبوا ساعات الكبار هما اللي بيتزنقوا في مشاكل ومبيعرفوش يحلوها. ولو مامتك عملت حاجة غلط، فده مش ذنبك إنتِ.
لف سليم ناحية رئيس حراسته، حسام الديب.
هاتلي تسجيلات الكاميرات كلها.
وبعدين اتصل بالمحامية بتاعته، داليا منصور، وطلب منها تتواصل فورًا مع الجهات المسؤولة عن حماية الأطفال.
لحد ما يعرفوا إيه اللي حصل، خد ملك وقعد معاها في كافيتريا جوه الموقف.
البنت اختارت أرخص طبق بان كيك موجود.
كانت بتاكل ببطء شديد.
وكل ما نقطة عسل تقع منها على الترابيزة، تمسحها بسرعة وتقول
آسفة.
بعد المرة التالتة، سليم قالها
مش لازم تعتذري على كل حاجة.
ملك ردت ببساطة
ماما بتقول لازم نبقى خفاف على الناس ومنتعبش حد معانا.
سليم سكت.
وبعدين لاحظ حاجة.
كان فيه علامة زرقة حوالين رسغ إيدها.
مسك إيدها برفق.
مين عملك كده؟
ملك سحبت إيدها بسرعة وخبتها ورا ضهرها.
عم جابر.
الاسم خلّى ملامح سليم تتغير.
جابر الشناوي.
راجل بيدير عمارات قديمة في أطراف القاهرة.
كان بيسمح للعائلات الغلبانة تسكن في شقق فاضية، وبعدها يحملهم ديون وفوايد عمرهم ما يقدروا يسددوها.
ولو حد معرفش يدفع
يهدده.
أو يرميه هو وعياله في الشارع نص الليل.
سليم كان
موقع أيام نيوز
سامع عنه قبل كده.
لكنه عمره ما تدخل.
لأن جابر الشناوي مكانش بيأذي حد مهم.
على الأقل
ده اللي سليم كان فاكره.
لحد النهارده.
ملك بدأت تحكيله
ماما كانت بتنضف مكاتب بس تعبت ومبقتش تقدر تشتغل.
سليم كان سامعها باهتمام.
وعم جابر خلانا نقعد في شقة وبعدين طلب من ماما فلوس كتير.
وبعدين؟
ملك بصت حواليها كأنها خاېفة حد يسمعها.
ماما لقت ورق.
ورق إيه؟
معرفش بس قالت إن الورق ده لو وصل لحد صح، عم جابر هيتحبس ومش هيقدر يأذي حد تاني.
في اللحظة دي، حسام رجع وهو ماسك تابلت.
وشه كان كفاية يخلي سليم يعرف إن فيه مصېبة.
بعد ملك شوية عشان متسمعش.
حسام فتح تسجيلات كاميرات الموقف.
ظهر في الفيديو نهى محمود، والدة ملك، وهي خارجة من البوابة الشمالية الساعة 712 الصبح.
كانت ماشية بسرعة.
وفجأة
عربية ميكروباص بيضا وقفت جنبها.
الباب اتفتح.
نزل منها راجلين.
واحد مسكها من دراعها.
والتاني فتح الباب بالعافية.
نهى حاولت تقاوم.
لكن خلال ثواني
دخلوها العربية وانطلقوا.
سليم بص للشاشة وملامحه اتجمدت.
ملك ما شافتش الفيديو.
كانت قاعدة على الترابيزة بترتب شرايح التفاح حوالين كوباية العصير عشان تعمل شكل وردة.
سليم سأل واحد من رجال الأمن
الشرطة بتدور على العربية؟
الراجل رد بتردد
الإجراءات بدأت بس لازم يتأكدوا من الهويات، ويطلبوا تسجيلات الكاميرات الخارجية، وممكن يحتاجوا تصاريح عشان يتتبعوا العربية.
يعني قد إيه؟
ممكن ساعات.
سليم بص ناحية ملك.
هو كان عارف كويس جدًا
إيه اللي ممكن يحصل لإنسان في كام ساعة.
قام من مكانه.
ومشى ناحية البنت.
نزل على ركبته قدامها عشان يبقى في مستوى عينيها.
ملك بصتله وسألته
ماما هترجع؟
سليم فضل ساكت لحظتين.
وبعدين قال
أنا هجيبلك مامتك.
ملك مسكت الدبدوب بتاعها.
بجد؟
بجد.
حتى لو عم جابر خدها؟
ملامح سليم اتغيرت.
وقف ببطء، وبص لحسام.
وقال بصوت هادي خلّى كل اللي حواليه يفهموا إن الموضوع انتهى
هاتلي عنوان جابر الشناوي.
حسام سأله
وهنعمل إيه لما نلاقيه؟
سليم بص ناحية ملك مرة أخيرة.
وبعدين رد
هنفكره إن فيه فرق كبير بين إنه يأذي ناس محدش بيسأل عليهم وإنه يأذي حد أنا وعدته إني هرجعله أمه.
ولأول مرة من سنين
سليم الچارحي ما كانش رايح يدور على حد عشان فلوس.
كان رايح يدور على أم
عشان بنت صغيرة سألته إذا كانت صعبة تتحب.
سليم مشى خطوتين وبعدين وقف فجأة، لقى إيد صغيرة مسكت من طرف الجاكت اللي كان لابسه للبنت. لف لقى ملك قامت وراه، عينيها مليانة دموع بس مش عايزة تسيح، ومسكة الدبدوب الناقص العين بقوة لدرجة إن أصابعها بيضاء من الشدة.
يا عمو أنا جاية معاك. مش عايزة أتبقى لوحدي هنا.
سليم قلبه اتقبض، رجع نزل على ركبته قدامها تاني، مسك كفوفها الصغيرة بين إيديه الكبيرة الخشنة، وقالها بصوت حاول يخليه ألطف ما يمكن
مش هتتبقي لوحدي أبدًا، بس المكان اللي أنا رايحه ده مش مناسب لبنوتة صغيرة زيك. هتروحي مع الست داليا، هي طيبة جدًا، وهتأكلك وتناميك وتجيبلك كل حاجة عايزاها لحد ما أجيلك وأجيبلك مامتك، اتفقنا؟
ملك هزت راسها ببطء، وبعدين قالت بصوت خاڤت
هتكون متأخر؟ عشان ماما بتقول لو اتأخرت كتير ممكن متلاقينيش تاني.
مش هتأخر أكتر من اللازم. وعد مني، ما بكسروش وعودي أبدًا.
سليم قام واشار لحسام، اللي جاب معاه داليا من غير ما يضطر يتصل بيها تاني. المحامية كانت عارفة إن لما سليم يطلبها في حاجة، لازم تكون جاهزة في دقايق، لما شافت البنت وقفت متفاجئة، لأن عمرها ما شافت سليم يتعامل مع حد بهالنعومة دي، خصوصًا طفلة.
داليا، خدي ملك معاكي، واعملي كل اللي لازم عشان نحفظ حقوقها، وخلّي بالك منها كأنها بنتك. ولا تخلّي حد يقرب منها أبدًا، فاهمين؟
فاهمة يا سليم باشا، متقلقش. هاخدها لشقتي، وهتكون في أمان تام.
سليم بص لملك مرة أخيرة، مسح
دمعة نزلت على خدها بإصبعه الكبير، وقال
استنيني يا ملك، هرجعلك ومش هكون لوحدي.
وبدل ما يمشي ناحية العربية بتاعته، لف ناحية مجموعة الرجالة اللي كانوا مستنينه، وقف قدامهم وملامحه رجعت تاني للقسۏة اللي كلهم عارفينها، الصوت بتاعه كان هادي بس بيه وزن الجبال
كل واحد منكم يعرف شغله. مفيش غلط، مفيش تهور، ومفيش حد يضرب حد إلا لو اضطر يدفع عن نفسه أو عن حد معاه. اللي عايز يتراجع يتراجع دلوقتي، ومش هكون ليه أي حساب بعد كده. بس اللي يمشي معايا النهارده، يعرف إننا مش رايحين ناخد فلوس، ولا نرعب حد، رايحين نرجع أم لبنتها، واللي يقف في طريقنا، مهما كان مين، مهما كان معاه إيه، هنمشي فوقه لحد ما نخلص شغلنا.
محدش اتكلم، ولا حد تراجع. كل واحد منهم عرف إن النهارده مش يوم شغل عادي، وإن سليم الچارحي قرر حاجة ومفيش حد في الدنيا يقدر يغير رأيه.
طلعوا العربيات، تلات عربيات سوداء حديثة، مشيت ببطء في شوارع القاهرة، وكل ما تقترب من الأطراف، الشوارع بتضيق، والعمارات الجديدة بتختفي وتحل محلها بيوت قديمة من الطوب اللبن، وشوارع مش مرصوفة، وناس بتعيش في ظروف ما يتخيلها حد عايش في وسط البلد.
في الطريق، حسام كان بيعرض كل المعلومات اللي جمعها
جابر الشناوي ساكن في فيلا قديمة في آخر شارع الترعة، الفيلا دي كانت ليه من زمان، حواليه مزارع ومخازن قديمة، وبيقولوا إنه عنده رجالة كتير، وبيجيب ناس من بره تشتغل معاه، وكل اللي جرب يشتكي منه إما رجع يعتذر أو اختفى تمامًا. والورق اللي كانت تتكلم عنه ملك، غالبًا ورق ملكية الأراضي والعمارات اللي هو بيسيطر عليها بالڠصب، كان سرقها من أصحابها الأصليين، ولما عرف إن نهى لقيتها، خاف تفضحه فخدها.
سليم كان ساكت طول الوقت، عينيه مثبتة على الطريق، وكل كلمة بتتقال بتروح وتيجي في دماغه، مش عايز يفكر في حاجة غير إنه يوصل لنهى قبل ما يصير لها أي مكروه. هو عارف ناس زي جابر، عارف دماغهم، عارف إنهم لو خافوا على نفسهم، ممكن يعملوا أي حاجة، حتى لو حياة إنسان.
لما وصلوا لآخر الشارع، وقفوا العربيات بعيد شوية عشان ما يلفتوا الانتباه، نزلوا ومشوا على الأقدام. الفيلا كانت كبيرة ومحاطة بسور عالي، والبوابة الحديدية كبيرة ومغلقة، ومن ورا السور كان بيتسمع صوت كلاب بتعوي، وشوية رجالة بيضحكوا وبيتكلموا بصوت عالي.
سليم أشار لرجاله يتوزعوا، وبعدين هو وحسام اتقربوا من البوابة، خبط عليها بخفة. جالهم صوت راجل قوي من جوا
مين اللي خابط؟ ومش عارف إن المكان ده ممنوع حد يقرب منه؟
رسالة من سليم الچارحي لجابر الشناوي. قوله إن الوقت اتأخر، وإن الصبر مش بيطول أكتر من كده.
الراجل سكت شوية، وبعدين فتح شوية من البوابة ليشوف مين، لما شاف سليم اتغير لونه، عرفه كويس، سمع كتير عنه، وعرف إن ده مش راجل يلعب معاه. رجع جوا بسرعة، وبعد دقايق فتح البوابة بالكامل، وطلع راجل ضخم الجسم، شعره أبيض، وعليه ملامح غرور وقوة، ده كان جابر الشناوي بنفسه.
قرب من سليم وقال بصوت عالي بيحاول يظهر إنه مش خاېف
أهلاً وسهلاً يا سليم باشا، إيه المفاجأة الجميلة دي؟ كنت أتمنى أزورك أنا الأول، بس يبدو إنك سبقتني. تعالى جوا، نتشرف.
سليم مشى جوا من غير ما يرد عليه، عينيه بتلف المكان بسرعة، بيشوف كل راجل واقف في كل ركن، وبيحسب كل حركة. لما وصلوا لصالة الاستقبال، جلس جابر على كنبة كبيرة،
وأشار لسليم يجلس قدامه، وقال وهو بيلعب بسبحة في إيده
أنا عارف إنك جاي تسأل عن ست اسمها نهى محمود، صح؟
أنت خابر ليه أنا جاي، فخلينا نختصر الطريق. فينها؟ وخلّيها تطلع معايا بسلام، وكده يبقى ما بينا ولا حاجة.
جابر ضحك بصوت عالي، وبعدين سكت فجأة وبص لسليم بحدة
ولا حاجة؟ دي ست سړقت ورق مهم من عندي، ورق ممكن يدمرني، وأنت جاي تقولي خليها تطلع معاك بسلام؟ إيه يا باشا، بقت كل واحدة تيجي تسرقني وتطلع براحتها؟ ولا إيه الحكاية؟ ولا أنت عايز الورق ده لنفسك؟ عايز تاخد مكاني هنا؟
أنا مش عايز ورقك، ولا عايز مكانك. أنا جاي عشان أم بنت صغيرة قالتلي إنك خدتها، وأنا وعدتها أرجعها ليها. ده كل اللي يهمني. وأنت عارفني كويس، لما بوعد حد، بنفذ وعدي مهما كان الثمن.
وإيه يخليني أسمع كلامك؟ ليه ما أطلبش من رجالتي يرموك بره المكان ده؟ ولا نسويك زي ما نسوي أي حد يقف في طريقنا؟
سليم قام ببطء، وقرب خطوة من جابر، الصوت بتاعه كان هادي لدرجة إنه خلى كل اللي في الصالة يشعروا بړعب، وقال
جابر، أنا عايزك تسمعني كويس عشان ما تتوهش في الكلام. أنا طول عمري ما أتدخلت في شغل حد، ولا أخذت حق حد إلا لو كان لي حق عنده. وكنت ساكت عنك وعن كل حاجة بتعملها لحد النهارده، عشان كنت فاكر إنك مش بټأذي ناس ما ليهم حد يسأل عليهم. لكن النهارده لمست حاجة غالية عندي، وإن لمستها أنا، بتبقى غالية عندي لحد ما أموت. أنا جاي بسلام، بس لو اضطريت أجيبها بالقوة، هجيبها، وكل حاجة بنيتها طول عمرك هتتكسر قدام عينيك، ومش هتلاقي حد يقف معاك ولا حتى واحد من اللي واقفين حواليك دلوقتي. فكر كويس قبل ما تتكلم.
جابر بص لعيون سليم، وعرف إن الراجل ده مش بيتكلم عبث، وإن لو حب يعمل حاجة، هيعملها من غير ما يفكر في أي نتيجة. لكن كبريائه منعته يستسلم بسهولة، فأشار لحد من رجالته، اللي طلع ورا الباب ورجع ومعاه ورق ممزق وقصاصات ورق صغيرة، رماها قدام سليم وقال
ده كل اللي لقيناه منها. كانت محمية الورق ده ومش عايزة تسيبه، حاولنا ناخده منها فخاڤت ورمت الورق وبدأت تصرخ، فاضطرينا نحبسها في مكان لحد ما نفكر هنعمل إيه معاها. ومحدش لمسها، لو عايز تقتنع تعالى شوفها بنفسك.
سليم مشى وراه لحد باب في نهاية الصالة، فتحه ونزلوا درج لدور تحت الأرض، كانت رطبة ومظلمة، وفي ركن من الأركان لقى نهى قاعدة على الأرض، يديها ورجليها مقيدة، وشعرها معكوش، وعليها علامات تعب وخوف، لكنها كانت سليمة، ما حدش لمسها بأذى.
لما شافت سليم وقفت بسرعة رغم إنها مقيدة، وقالت بصوت مرتعش
مين أنت؟ وعايز إيه مني؟ هو بعتك عشان يأذيني؟ ولا عشان الورق؟
سليم قرب منها، وفك القيود بيديه بسرعة، وقالها بصوت هادي
مټخافيش، أنا مش جاي أأذيك. أنا سليم الچارحي، وأنا جاي عشان ملك. هي بخير، مع ناس تثق فيهم، ومستنياك ترجعي لها.
لما سمعت اسم ملك، عيونها دمعت، ومسكت في إيد سليم كأنها بتتمسك بنجاة من الڠرق، وقالت
ملك هي بخير حقًا؟ كنت خاېفة أكون خليتها لوحدها، خاېفة يلحقوها زي ما لحقوني. لقيت الورق ده في شقة قديمة كانت لجدي، وهو كان ساكت عليه كتير، وعرفت إنه سرق كل ديون الناس والأراضي بالڠصب، فكرت لو وصلته للشرطة أو للمحامين، هيتعاقب وهيرجع الحقوق لأصحابها، بس هو عرف واخدني
من غير ما أقدر أعمل أي حاجة. آسفة لو سببتلك مشاكل، بس أنا ما كنتش عايزة غير أربي بنتي وأعيش معاها بسلام.
مش آسفة على حاجة، أنت عملتي الصح. والورق ده مش هيروح سدى، هنوصله للمكان الصح، وهيرجع كل حق لصاحبه، ومحدش هيقدر يأذيك ولا يأذي ملك تاني أبدًا.
طلعوا بيها من الدور تحت الأرض، ولما طلعوا لفوق لقوا رجالة جابر متجمعين، وجابر نفسه واقف ومش عارف يعمل إيه، سليم وقف قدامه وقال
الورق الممزق ده عندي ناس تصلحه وتقراه، وكل حاجة عملتها طول عمرك هتظهر للنور، وكل دين أخذته بالڠصب هترجعه، وكل حد أذيته هيعرف إنك اتعاقبت. وأنا بنفسي هكون اللي بتابع الموضوع ده لحد النهاية. والفضل يرجع لست وبنتها كانوا أجبن منك بكتير، ولقوا الشجاعة تعملها وأنت مشيت ورا الفلوس والسلطة ونسيت إن فيه رب فوق كل حاجة.
جابر حاول يتكلم، يحاول يعتذر، يحاول يقول أي حاجة، لكن سليم ما سمعش ليه كلمة واحدة، مسك بإيد نهى وطلع بيها من الفيلا، ورجاله كانوا ماشيين وراه، وما حدش من رجالة جابر قدر يوقفهم، كل واحد منهم عرف إنه وقف قدام حاجة أكبر منه بكثير.
ركبوا العربية، وطول الطريق نهى كانت بتدعي لربنا إن بنتها تكون بخير، وسليم كان بيقولها كل شوية إنها مطمنة، وإن ملك في أحسن حال، وإن كل حاجة هتكون تمام. لما وصلوا لشقة داليا، فتحت لهم الباب بسرعة، ومن وراها طلعت ملك تجري وهي بتصرخ
ماما!
نهى ركضت ناحيتها، وحضنتها بقوة كأنها مش عايزة تسيبها أبدًا، وبكت وبكت، وملك كانت بتقولها
أنا كنت عارفة إنك هترجعي، وعم سليم وعدني إنه هيجيبك، وما بيكسرش وعده.
سليم وقف بعيد شوية، وبص لهم، وحس بحاجة جواه اتغير، حاجة كان دافنها من صغره طلعت للنور، وحس إن الدنيا لسه فيها خير، وإن اللي عمله ده هو أحسن حاجة عملها في حياته كلها.
بعد ما هدوا شوية، جلستهم داليا وأكلتهم، وسليم جلس معاهم وسمع كل القصة كاملة من أولها لآخرها، عرف إن أب ملك ماټ وهي صغيرة، وإن نهى كانت بتكافح لوحدها عشان تربيها، وإن جابر كان بيضغط عليهم من كل جهة، وإنهم كانوا عايشين في خوف طول الوقت، وإن الورق اللي لقته نهى كان كفيل يقضي على كل إمبراطورية جابر اللي بناها على دموع وآلام الغلابة.
في اليوم التالي، سليم أمر رجاله يجمعوا كل القصاصات الورقية، وجاب خبراء ليعيدوها لشكلها الأصلي، وسلمها للمحامين والجهات المعنية، وبدأ التحقيق مع جابر الشناوي ورجاله، وظهرت كل الحقائق للنور، ورجعت كل الأراضي والشقق لأصحابها الحقيقيين، واتحكم على جابر بالسجن لمدة طويلة، وكل اللي كان معاه اتعاقب على قدر عمله.
سليم عرض على نهى إنها تاخد شقة كويسة في مكان آمن، وإن هو يدفع كل مصاريف دراسة ملك ومستقبلها، لكن نهى رفضت بكل أدب وقالت
شكرًا لك يا باشا على كل حاجة عملتها ليا ولملك، لو لاك ما كنتش عايشة دلوقتي، وما كنتش رجعت لبنتي. لكن أنا عايزة أعتمد على نفسي، عايزة ملك تشوف إن أمها قادرة تعمل حاجة من غير مساعدة، عشان تتعلم هي كمان إن الكفاح هو اللي بيجيب الحقوق. بس لو سمحتلي، عايزة ملك تبقى تعرفك، وتشوفك دايماً، لأنك أنقذتنا، وانت أجمل حاجة دخلت حياتنا.
سليم ابتسم، وكانت أول مرة تبتسم بصدق من سنين طويلة، وقال
ده أقل ممكن أقدمه ليكم. وملك تبقى بنتي الثانية، وممكن تيجي تزورني في أي وقت، وأنا هاجي أشوفها دايماً، وهكون موجود
لما تحتاجوني في أي وقت، مهما كان السبب.
ومن يومها، تغير كل حاجة في حياة سليم الچارحي. بدأ يقلل من شغله اللي كان مليء بالخۏف والټهديد، وبدأ يوجه كل أمواله وجهدة لمساعدة الناس الغلابة، بيساعد الأيتام، بيدعم الأسر اللي بتكافح، بيعيد للناس حقوقهم اللي اتسرقت منهم، وكل اللي كان بيعرفه عنه بيتغير، بدأوا يقولوا عنه إنه راجل صاحب قلب كبير، وإن القسۏة اللي كانت عليه كانت مجرد قشرة خبا وراها قلب طيب ما لقاش حد يخرجه له غير بنت صغيرة بسؤال بسيط.
وكان كل جمعة بيجي يزور ملك وأمها، بيجيب لها هدايا، بيجلس معاها ويلعبها، وملك كانت بتحبه كتير، وتقول لكل حد إن ده عمو اللي أنقذني وأنقذ ماما، وإن ده أحسن راجل في الدنيا كلها. وكل ما سليم يشوفها، يتذكر السؤال اللي سألته في موقف عبود، ويتذكر كيف سؤال واحد صغير قدر يغير حياته هو كمان، ويعرف إن الحياة مش كلها فلوس وسلطة وخوف، إن الحياة الحقيقية هي لما تقدر تعمل خير، ولما تقدر تحمي ضعيف، ولما تقدر تكون سبب في سعادة حد، مهما كان صغير أو كبير.
وفي يوم من الأيام، سألته ملك وهي قاعدة جنبه على كنبة في الحديقة بتاعة فيلته
يا عمو، هو لما كنت كبير قبلي، كنت وحيد زي ما كنت أنا؟
سليم بص للبعيد شوية، وبعدين رد عليها بصدق
كنت وحيد جدًا يا ملك، وكنت فاكر إن الوحدة هي أقوى حاجة في الدنيا، وإن محدش هيقدر يحبني أو يهتم بي. لكن أنتِ جيتي وعلمتيني إن الوحدة مش قوة، وإن الحب هو اللي بيجعلنا أقوى من أي حاجة. وأنتِ مش وحيدة أبدًا، طول ما أنا عايش، وهفضل جنبك لحد ما تكبري وتكوني أقوى مني بكثير.
ملك ضحكت وحضنت إيده، وقالت
أنا بحبك يا عمو سليم، وانت أحسن أب ممكن أي بنت تتمناه.
الكلمات دي دخلت لقلب سليم، وحس إن كل اللي مر بيه في حياته من ألم ووحدة كان عشان يوصل لهاللحظة، عشان يعرف معنى الحب الحقيقي، ومعنى إنك تكون مسؤول عن قلب صغير بيحبك ويثق فيك.
وبقى سليم الچارحي اللي كل الناس كانت تخاف منه، هو نفسه اللي كل الناس بتدعيله بالخير، وكل اللي عرف قصته بيقولوا إن ربنا بيبعت الخير لحد ما في طريقه حتى لو ما كانش بيتوقعه، وإن سؤال بنت صغيرة كان مفتاح الخير ده كله، ومفتاح التوبة والبداية الجديدة لحد كان فاكر إن الدنيا خلصت من زمان.
وما نسى أبدًا كلام ملك لما سألته أول مرة هو أنا صعب حد يحبني؟ وعرف إن الإجابة كانت دايماً لا، مش هي صعبة تتحب، ولا هو كان صعب يتحب، كلهم كانوا بس محتاجين حد يعطيهم الفرصة، وحد يقولهم إن الحب موجود، وإن الخير باقي في الدنيا مهما كثر الشړ والظلم.
وكل يوم بيمر، كان سليم يتأكد أكتر وأكتر، إن الحياة ما تخلقش قلب طيب إلا ليعمل خير، وإن الأقدار بتجمع الناس ببعض لأسباب ما نعرفها غير لما نكمل الطريق معاهم، وإن أصعب اللحظات في حياتنا هي اللي بتجيب لنا أحسن البدايات، لو كنا صابرين ومستعدين نعمل الصح لما تتاح لنا الفرصة.