بنت الجنوب
حب أنتقامي مايا خالد
ليلى كانت واقفة قدام باب فيلته، والشنطة في إيدها كأنها شايلة جبل. مش زفة دي، دي جنازة لكل أحلامها. أختها ماتت وسابت عيال لحم ودم، وأهلها ملقوش حل غير إن “الخالة” تحل محل “الأم”. دخلت البيت وهي كارهة ريحة الحيطان، وكارهة صاحب البيت نفسه.
بدر كان واقف في الصالة، لابس قميصه الأسود وفاتح أول زرارين، ملامحه زي الصخر، مبيتهزش. أول ما شافها، عينه لمعت لمعة غريبة، بس سرعان ما قلبها لنظرة برود تخلي الواحد يتكتك في مكانه.
”نورتي بيتك يا ليلى.. ولو إن ‘بيت’ دي كلمة واسعة شوية. إنتي هنا عشان الولاد، مسموح لك تتحركي في حدود أوضتهم والمطبخ، وأي خروج أو دخول بإذني أنا. فاهمة؟”
بصت له بقرف، وعينها مليانة دموع محبوسة:
“أنا هنا عشان ولاد أختي وبس يا بدر. أنت بالنسبة لي مجرد عقاب أنا مضطرة أتحمله. متفتكرش إن الورقة اللي اتكتبت دي هتخليك تلمس طرفي.”
ضحك ضحكة مكتومة، باردة، ورجع خصلة شعر من على وشها بصباعه وهو بيضغط على سنانه:
“ومين قالك إني عايز ألمسك؟ أنا عايزك بس قدام عيني، زي الفازة اللي في الركن.. ممنوع تتحرك من مكانها غير بأمري.”
الأيام كانت بتمر تقيلة. ليلى كانت بتتعامل ببرود يفرس، بتنفذ طلباته كأنها آلة، وهو كان بيفرض سيطرته عليها في كل صغيرة وكبيرة. يمنعها تمسك الموبايل في وقت معين، يختار لها لبسها، ويراقب كل نظرة عين منها. تملك مرضي متغطي بقناع من الجمود.ش
وفي ليلة، الدنيا كانت بتمطر، والكهرباء قطعت. ليلى دخلت مكتبه تدور على كشاف، لقت الباب موارب. شافت بدر قاعد في الضلمة، ومنور شمعة واحدة، وماسك في إيده “أجندة” قديمة قوي.
قربت من غير ما يحس، وشافت الصدمة. الأجندة كانت مليانة صور ليها هي.. صور من أيام الجامعة، صور وهي بتضحك في الشارع، وصور تانية هي نفسها متعرفش مين صورها لها.
كانت مكتوبة جملة واحدة بخط إيده تحت كل صورة: “لو مكنتيش ليا، مش هتكوني لغيري.. حتى لو اضطريت أحرق الكل عشان أوصلك.”
ليلى رجعت لورا وهي مرعوبة، خبطت في فازة وقعت اتكسرت. بدر قام زي الوحش، وفي ثانية كان محاصرها بينه وبين الحيطة. أنفاسه كانت سريعة، وعينه اللي كانت باردة فجأة بقت شعلة نار.
”شوفتي اللي كان مستخبي يا ليلى؟ شوفتي السنين اللي كنت بموت فيها وأنا شايفك بتكبري قدامي لغيري؟”
ليلى بصوت بيترعش: “أنت مجنون.. أنت اتجوزت أختي عشان…”
قاطعها وهو بيضغط على إيدها بقوة:
“اتجوزتها عشان أكون قريب منك! عشان أدخل بيتكم وأبقى ‘جوز أختك’ اللي ملوش حق يقرب، بس ليه حق يبص. ودلوقتي القدر خدها، وجابك لحد عندي يا قطتي.. والمرة دي، مفيش هروب.”
سابها وخرج وقفل الباب بالمفتاح من بره، وسابها في الضلمة تدرك إنها مكنتش ضحية ظروف، دي كانت ضحية خطة بدأت من سنين، وإن الراجل “البارد” ده هو أخطر عاشق ممكن تقابله في حياتها.
بعد أسبوع من حبس الأنفاس، بدر قرر إن الوقت جه عشان يظهر “ليلى” للعالم كـ ممتلكات خاصة ليه. كان فيه حفلة كبيرة في فيلته، رجال أعمال وصحافة، والكل جاي يبارك للزوجين الجداد.
دخل الأوضة عليها، لقاها قاعدة قدام المراية، لابسة أسود في أسود، عيونها باهتة ومفيش أثر لأي زينة. وقف وراها، وبص لانعكاسها في المراية بجمود، وطلع علبة قطيفة حمراء فيها عقد ألماس يخطف العين.
”البسي ده.. وعايز ابتسامة مرسومة بالمسطرة. الناس بره مش لازم يعرفوا إنك هنا زي العصفور المكسور.”
ليلى بصت للعقد بقرف وقالت بصوت ميت:
“مش هلبس حاجة منك، ومش هخرج. وريني هتعمل إيه؟ هتجرجرني قدام الناس؟”
بدر ملامحه متغبرتش، وطى لمستوى ودنها وهمس بفحيح بارد:
“الولاد يا ليلى.. لو مخرجتيش دلوقتي ويدك في يدي، هسفرهم مدرسة داخلي في لندن بكرة الصبح، وهتنسي شكلهم لحد ما يتخرجوا. اختاري.. كبريائك ولا هما؟”
نزلت ليلى وهي ساندة على دراعه، كانت زي الملكة الحزينة. بدر كان بيسلم على الضيوف ببرود وثبات، وإيده كانت ضاغطة على وسطها بتملك مرعب، كأنه بيطبع ملكيته عليها قدام الكل.
في وسط الحفلة، واحد من رجال الأعمال “سليم”، كان عارف ليلى من زمان، قرب منهم وقال بابتسامة:
“ألف مبروك يا بدر بيه.. ليلى هانم طول عمرها مميزة، خسارة إنها اختفت السنين اللي فاتت دي.”
بدر عينه اسودت، وشد ليلى ناحيته أكتر، ورد بنبرة خلت سليم يرجع خطوة لورا:
“مختفتش يا سليم بيه.. كانت بتستعد لمكانها الحقيقي. والتميز اللي بتكلم عنه ده بقى ملكي أنا وبس.. ياريت تفتكر ده كويس وأنت بتبصلها.”
ليلى كانت حاسة إنها بتختنق، استأذنت وطلعت التراس تشم هوا. فجأة لقت بدر وراها، قفل باب التراس بالمفتاح وحاصرها بينه وبين السور الحديد.
”سليم كان بيبصلك إزاي؟” سألها بصوت واطي ومرعب.
ليلى ردت بتحدي: “كان بيبصلي كبني آدمة، مش كجارية زي ما أنت بتعمل!”
بدر ضحك ضحكة مكتومة، وقرب وشه منها لدرجة إن أنفاسهم اختلطت:
“أنا مش بملكك كجارية.. أنا بملكك كروح. أنفاسك دي ملكي، نظرة عينك دي ملكي. ولو فكرتي بس تبصي لغيري، هحرق الدنيا باللي فيها.”
فجأة، ليلى شافت في جيب جاكيت بدر طرف “مفتاح” غريب، لونه نحاسي قديم.. افتكرت إنها شافته قبل كده في صورة أختها الراحلة.
بدر لاحظ نظرتها للمفتاح، ملامحه قلبت لجمود مخيف، وهمس:
“المفتاح ده بيفتح باب مكنش لازم تعرفي مكانه يا ليلى.. بس بما إن الفضول بدأ يشتغل، تعالي أوريكي الحقيقة المرة.”
سحبها من إيدها بقوة وطلعوا للدور التالت، الدور اللي كان دايماً مقفول وممنوع حد يهوب ناحيته. فتح الباب النحاسي، وليلى شهقت من الصدمة..
الأوضة كانت نسخة طبق الأصل من أوضتها في بيت أهلها زمان! حتى الريحة، الستائر، الكتب.. وكل ركن فيها فيه “تسجيلات” صوتية لصوتها وهي بتغني أو بتتكلم، متسجلة من سنين طويلة.
بدر بصلها وعينه مليانة جنون:
“كنت بجيبك هنا كل ليلة وأنا متجوز أختك.. كنتي عايشة معايا هنا في خيالي، ودلوقتي بقيتي حقيقة. مفيش خروج من هنا يا ليلى.. أبداً.”
تفتكري ليلى هتعمل إيه بعد ما اكتشفت إن هوسه بيها واصل لمرحلة “المرض”؟
ليلى حست ببرودة الثلج في عروقها وهي شايفة الأوضة.. “أوضتها هي” بس في بيت “راجل غريب”. بدر كان واقف وراها، خياله ضارب على الحيطة زي وحش كاسر، وصوته كان واطي بس فيه نبرة تملك تخوف:
”الأوضة دي كانت عزائي الوحيد يا ليلى.. كنت بدخل هنا، أغمض عيني وأتخيل إنك قاعدة بتقرئي كتابك المفضل، أو بتغني بصوتك اللي بيجنن.. كنتي ملكي في خيالي قبل ما تكوني ملكي في الحقيقة.”
ليلى لفت ليه، وعيونها كانت بتطلع شرار من الخوف والغضب:
“أنت مريض يا بدر! أنت محتاج علاج.. اللي بتعمله ده مش حب، ده هوس.. وأختي؟ أختي ذنبها إيه في اللعبة القذرة دي؟”
بدر ملامحه اتصلبت، وعروق إيده برزت وهو بيقفل الباب النحاسي بالمفتاح:
“أختك كانت الكوبري.. كانت الوسيلة الوحيدة عشان أكون قريب منك، عشان أدخل بيتكم وأسمع أخبارك.. هي اختارتني، وأنا وافقت عشانك إنتي!”
ليلى بدأت تشك في كل حاجة.. موت أختها المفاجئ، الحادثة اللي حصلت في وقت غريب.. بدأت تربط الخيوط ببعضها. قررت إنها لازم تمثل الدور للاخر عشان توصل للحقيقة.
تاني يوم، ليلى غيرت طريقتها. لبست فستان هادي، وقعدت على السفرة تستنى بدر يفطر. أول ما نزل وشافها، استغرب الهدوء اللي في عيونها.
”قررتي تعقلي يا ليلى؟” سألها وهو بيقعد ببرود وبيفتح الجرنان.
ردت بصوت ناعم ومخادع: “فكرت في كلامك.. العيال محتاجين استقرار، وأنا ماليش ملجأ غيرك.. بس محتاجة أحس إني في بيتي، مش في سجن. عايزة مفاتيح البيت كلها، وعايزة أدخل أوضة أختي ‘الله يرحمها’ ألم حاجتها اللي لسه موجودة.”
بدر بصلها بنظرة فاحصة، كان بيحاول يقرأ اللي ورا عيونها، بس هز راسه بالموافقة:
“المفاتيح معاكي.. بس حذاري يا ليلى.. لو فكرتي تلعبي بديلك، مش هحرق الأوضة دي بس، هحرق الدنيا كلها فوق دماغك.”
أول ما بدر خرج الشغل، ليلى جريت على أوضة أختها. كانت مقفولة وبقالها شهور محدش دخلها. بدأت تدور في كل حتة، تحت السرير، ورا الدولاب.. لحد ما لقت “خزنة” صغيرة مخفية ورا برواز صورة الفرح.
جربت تواريخ كتير.. جربت تاريخ ميلاد أختها، منفعش.. جربت تاريخ جوازهم، منفعش.. وفجأة، فكرت في حاجة مجنونة. جربت “تاريخ ميلادها هي”.. والخزنة فتحت!
جوه الخزنة، لقت مذكرات أختها.. فتحت أول صفحة، وشافت كلام مكتوب بخط إيد مرتعش:
“أنا عارفة إنه مش بيحبني.. أنا عارفة إنه بيحب ليلى. بدر بيراقبها في الضلمة، بيشم ريحتها في هدومي.. أنا خايفة يا ليلى، بدر مش طبيعي، هو بيخطط لحاجة كبيرة.. لو حصلي حاجة، اهربي يا ليلى، اهربي ومتبصيش وراكي.”
وهي بتقرأ السطور دي، سمعت صوت “تكة” الباب وراها.
لفت ببطء، لقت بدر واقف، ساند بضهره على الباب، وفي إيده سيجارة طالعة منها دخان كثيف، وعينه كانت مرعبة وهادية زيادة عن اللزوم.
”عرفتي الحقيقة بدري قوي يا ليلى.. كنت فاكر إنك أذكى من كده وهتستني شوية.”
رمى السيجارة وداس عليها بجزمته وقرب منها وهو بيقلع الجاكيت:
“أختك كانت بتعرف كتير.. وده اللي خلاها تمشي بدري. ودلوقتي، مذكراتها بقت في إيدك.. تفتكري هسيبك تخرجي بالسر ده من هنا؟”
ليلى حطت المذكرات ورا ضهرها وهي بتترعش: “أنت قتلتها يا بدر؟”
بدر ضحك ضحكة عالية، ضحكة سوداء رنت في الأوضة:
“أنا مقتلتهاش.. هي اللي قتلت نفسها بفضولها. ودلوقتي.. أنتي قدامك اختيارين.. يا تعيشي هنا ملكة في عريني وتنسي كل اللي شوفتيه، يا تعيشي في الأوضة النحاس اللي فوق.. للأبد.”
ليلى كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها، المذكرات في إيدها زي الجمرة، ونظرات بدر بتقطع في روحها. قرب منها ببطء قاتل، وشه مفسرش أي ندم، بالعكس، كان فيه نشوة انتصار مرعبة.
”قتلتها؟” ليلى سألتها تاني وصوتها يكاد يكون مسموع.
بدر وقف قدامها بالظبط، لدرجة إن طرف جزمته لمس طرف شبشبها، وطى وهمس في ودنها:
“هي اللي اختارت تلعب مع النار يا ليلى.. لما عرفت إني بحبك، حاولت تبعدك عني، حاولت تجوزك لـ ‘سليم’ فاكرة؟ كانت عايزة تحرم عيني من رؤيتك.. وأنا مبسمحش لحد يقف بيني وبين اللي بملكه.”
ليلى زقته بكل قوتها وهي بتصرخ: “أنت وحش! أنت شيطان! أنا مستحيل أعيش معاك لحظة واحدة تانية.. أنا هاخد الولاد وهخرج من هنا، والشرطة هي اللي هتصرف معاك.”
بدر مسك إيدها ولواها ورا ضهرها بحركة سريعة واحترافية، وقرب وشه من وشها، وعيونه اسودت تماماً:
“الشرطة؟ تفتكري فيه حد يقدر يقف قدام بدر السيوفي؟ وبعدين.. تفتكري الولاد هيصدقوا مين؟ خالتهم اللي لسه داخلة البيت، ولا أبوهم اللي بيحميهم؟”
رماها على السرير بقسوة، وخرج وقفل الباب بالمفتاح.. بس المرة دي، ليلى سمعت صوت “جنزير” بيتحرك بره. هو قرر يحول الجناح لسجن انفرادي.
مرت ساعات الليل وليلى بتخطط. هي عارفة إن بدر “تقيل” وصبور، ومش هيتهور أكتر من كده طول ما هي تحت عينه. افتكرت إن فيه “ممر” صغير للملابس بيوصل لأوضة الأطفال.. ممر كان معمول عشان الأم تطمن على ولادها.
بمنتهى الهدوء، ليلى بدأت تفك مسامير الضلفة الخشب بآلة حادة لقتها في علبة الميك أب. جسمها كان بيترعش، بس غريزة البقاء كانت أقوى. وصلت لأوضة الولاد، لقتهم نايمين زي الملائكة.
شالت الصغير “ياسين” على إيدها، ومسكت إيد “سارة” الكبيرة، وهمست لها: “مطلعيش صوت يا حبيبتي.. هنلعب لعبة الهروب من الغول.”
قدرت تنزل من سلم الخدم الخلفي، ووصلت للجنينة. الهوا البارد لمس وشها، وحست لأول مرة إنها ممكن تنجو. لقت بوابة الجنينة مفتوحة “مواربة”.. استغربت، بس مكنش فيه وقت للتفكير.
أول ما خطت رجلها بره البوابة، كشافات عربية ضخمة نورت في وشها فجأة. ليلى غطت عينها بإيدها وهي بتترعش.
الباب اتفتح.. ونزل منه بدر!
كان ساند على العربية، وبيدخن سيجارته ببرود كأنه كان مستنيها تخرج. نفخ الدخان في الهوا وبصلها بابتسامة مستفزة:
”كنت عارف إنك هتحاولي يا ليلى.. عشان كده سبتلك الباب مفتوح. أصل الهروب بيدي طعم أحلى للمطاردة.. مش كده؟”
ليلى ضمت الولاد لحضنها وهي بتبكي: “سيبنا نمشي يا بدر.. أبوس إيدك سيبنا في حالنا.”
بدر قرب منها، وشال “ياسين” من إيدها بمنتهى الهدوء والطفل لسه نايم، واداه لواحد من الحراس اللي ظهروا من الضلمة كأنهم شياطين.
بص لليلى وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
“أنتي دلوقت عملتي أكبر غلطة في حياتك. كنت ناوي أسيبك في جناحك معززة مكرمة.. بس بما إنك بتحبي المغامرة، تعالي بقى للمكان اللي يليق بيكي.”
سحبها من شعرها بخفة ووداها للمبنى المهجور اللي في آخر الجنينة.. “القبو”. فتح الباب، وزقها جوه.
ليلى لقت نفسها في مكان ضلمة، ريحته بخور غريب.. ونور كشاف موبايله نور فجأة على الحيطة.
الصدمة خلت ليلى تفقد النطق..
الحيطة كانت متغطية بـ “فستان فرح” أختها الراحلة.. بس الحقيقة المذهلة كانت في الصورة اللي متعلقة جنب الفستان.
كانت صورة لليلى وهي لابسة الفستان ده! فوتوشوب؟ لا.. دي كانت صورة حقيقية مرسومة بإيد فنان مهووس، ومرسوم تحتها بدم أحمر: “العروس البديلة.. هي العروس الأصيلة.”
بدر همس وراها وهو بيقفل باب القبو الحديدي:
“عارفة المفاجأة الكبيرة إيه يا ليلى؟ أختك ممتتش بحادثة.. أختك انتحرت لما عرفت إن العقد اللي بينا كان فيه بند بيقول إن في حالة وفاتها، إنتي الوحيدة اللي ليكي حق الوصاية على الولاد بشرط.. الجواز مني.”
ليلى بصتله برعب: “أنت.. أنت اللي وصلتها للانتحار؟”
بدر بصلها ببرود مرعب وقال: “أنا بس فرجتها على الأوضة النحاس.. ومتحملتش الحقيقة. ودلوقتي.. مفيش مذكرات، ومفيش هروب، ومفيش غيري أنا وأنتي والضلمة دي.. لحد ما تحبيني يا ليلى.. أو لحد ما تموتي زيها.”
ليلى كانت بتترعش في ركن القبو، والصور اللي حواليها كانت بتطاردها كأنها أرواح شريرة. بدر كان واقف قدامها، السيجارة في بقه، وعينه بتلمع بانتصار مرعب.
”أنت وحش.. أنت شيطان!” صرخت ليلى وهي بتحاول تداري وشها من الصور.
بدر قرب منها، مسك فكها بإيده القوية ورفع راسها ليه بالعافية:
“الشيطان ده هو اللي هيفضل حاميكي من العالم كله.. سليم اللي كنتي فاكرة إنه هينقذك؟ سليم دلوقتي بيمضي على تنازل عن كل أملاكه عشان يهرب بجلده من الصفقة اللي ورطته فيها. مفيش حد هينجدك مني يا ليلى.”
فجأة، صوت جهاز اللاسلكي بتاع بدر رن. واحد من الحراس اتكلم بصوت مرعوب:
“يا باشا.. فيه حريقة في الجناح الشرقي! الولاد في خطر!”
بدر عينه وسعت، والبرود اللي كان على وشه اختفى في ثانية. ساب ليلى وجري زي المجنون ناحية القصر. ليلى مستنتش، جرت وراه وهي مش عارفة تجيب القوة دي منين.
الدخان كان مالي المكان، والنار بدأت تاكل في ستاير الجناح اللي الولاد فيه. بدر دخل وسط النار من غير ما يفكر، شال ياسين وسارة وخرج بيهم وهو هدومه بدأت تتحرق.
رمى الولاد في حضن الدادة بره، ووقع على الأرض وهو بيلهث. ليلى جريت عليه، شافت دراعه محروق وجلده بيطلع منه دخان، بس هو مكنش بيبص للجرح.. كان بيبص لها هي بنظرة غريبة.. نظرة فيها ضعف لأول مرة.
”الولاد كويسين؟” همس بصوت مبحوح.
ليلى هزت راسها وهي بتعيط، وفجأة لقت نفسها بتمسك إيده المحروقة بخوف تلقائي. بدر غمض عينه بوجع، بس ابتسم ابتسامة مكسورة:
“شوفتي.. حتى وأنا بموت، مكنتش بفكّر غير في الحاجة اللي تخصك.. عيال أختك هما اللي خلوكي تقعدي هنا، ولو جرالهم حاجة كنت هخسرك للأبد.”
بعد يومين، القصر رجع لهدوئه المريب. بدر كان نايم في أوضته، دراعه متغطي بالشاش، والحرارة مأثرة عليه. ليلى كانت قاعدة جنبه، مش حب، لكن فيه “خيط” غريب بدأ يتربط بينهم.. خيط من الخوف والفضول والشفقة.
فتحت عينه وشافها. حاول يقوم بس ليلى ضغطت على كتفه ببرود:
“اثبت مكانك.. أنت لسه تعبان.”
بدر بص لها بنظرة “تقيلة” وساخرة:
“خايفة عليا يا ليلى؟ ولا خايفة تموتي من غيري في القصر ده؟”
ردت عليه بجمود: “خايفة على السر اللي معاك.. الحريقة دي محصلتش صدقة يا بدر. أنا شفت حد كان بيجري من ورا الجناح قبل ما النار تولع.. حد مش من حراسك.”
بدر ملامحه اتصلبت، وحاول يداري ارتباكه، بس ليلى كملت وهي بتقرب من وشه:
“أنت فاكر إنك مسيطر على كل حاجة؟ فيه حد تاني بيلعب من ورا ضهرك.. حد عارف إنك قتلت روح أختي بالبطيء، وجاي ياخد حقه منك.. فيا.”
بدر شدها من رقبتها بالراحة وقربها منه وهو بيهمس ببرود وتملك يجنن:
“اللي يقرب منك، هقطعه حتت وأرميه للكلاب.. حتى لو كان الحد ده هو السر اللي أنا مخبيه عنك طول السنين دي.”
في اللحظة دي، جرس الباب رن بحدة.. الدادة دخلت وهي وشها أصفر زي الليمونة:
“بدر بيه.. فيه واحدة ست بره بتقول إنها “فريدة”.. أخت ليلى وهالة.. اللي المفروض إنها ماتت من عشر سنين!”
ليلى الموبايل وقع من إيدها واتكسر ميت حتة.. بصت لبدر لقت عينه مفيهاش مفاجأة، كان فيها “رعب” حقيقي لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت.
بدر همس وهو بيضغط على الشاش اللي على جرحه لحد ما الدم نزل:
“اللعبة بدأت تحلو فعلاً يا ليلى.. أهلاً بيكي في الجحيم الحقيقي.”
ليلى كانت حاسة إن الدنيا بتدور بيها، “فريدة”؟ أخت تانية؟ إزاي وأهلها عمرهم ما جابوا سيرتها؟ بصت لبدر اللي كان وشه شاحب وعينه بتلمع بجمود مرعب، كأنه كان مستني اللحظة دي بس مش عايزها تيجي.
بدر قام من سريره رغم جرحه، لبس الروب بتاعه ببرود وثبات، وبص لليلى وقال بنبرة آمرة:
“تفضلي هنا.. متنزليش ولا خطوة، فاهمة؟”
طبعاً ليلى مسمعتش الكلام، وبمجرد ما قفل الباب وراه، نزلت وراه بخطوات مكتومة وسندت على سور السلم العالي وهي بتراقب المشهد من فوق.
في الصالة، كانت واقفة ست لابسة أسود في أسود، حاطة برقع مخفي نص وشها، بس عينيها كانت نسخة من عيون ليلى وهالة. أول ما شافت بدر، ضحكت ضحكة ساخرة خلت شعر جسم ليلى يقف.
”عاش من شافك يا بدر السيوفي.. كبرت وبقيت وحش بجد، والفيلا كبرت، بس لسه ريحة الدم والظلم مالية المكان.”
بدر وقف قدامها زي الجبل، وصوته كان أبرد من التلج:
“إيه اللي رجعك يا فريدة؟ مش قبضتي التمن وزورتي موتك وسافرتي؟ إيه.. الفلوس خلصت؟”
فريدة قربت منه ورفعت البرقع، وظهر وش فيه ندبة حرق قديمة:
“رجعت عشان اللي فاضل لي.. رجعت عشان ليلى. عرفت إنك حبستها زي ما حبست هالة، وعرفت إنك بتعيد نفس اللعبة القذرة.”
ليلى مقدرتش تمسك نفسها، نزلت تجري وهي بتصرخ: “إنتي مين؟ وبدر عمل فيكي إيه؟ وليه أهلي قالوا إنك متي؟”
فريدة بصت لليلى بحزن وشفقة، وقبل ما تنطق، بدر مسك ليلى من دراعها وشدها لضهره بتملك عنيف، وبص لفريدة بشر:
“لو نطقتي بكلمة واحدة، هخليكي تحصلي هالة بجد المرة دي.”
فريدة ضحكت بمرارة: “قولها يا بدر.. قولها إنك كنت خاطبني أنا الأول، ولما شفت ليلى وهي لسه مراهقة، اتجننت بيها.. قولها إنك حرقت وشي عشان تخلص مني، واشتريت سكوت أهلي بالفلوس وجوزوني لواحد بره مصر، ودخلت البيت ده لـ هالة عشان تضمن إنك تفضل قريب من ليلى!”
ليلى حست إنها بتغرق في دوامة. بصت لبدر بصدمة، لقت ملامحه بدأت تتحول.. البرود اتمحى وحل مكانه “جنون” صريح.
بدر ساب دراع ليلى وقرب من فريدة، وهمس بصوت سمعه الكل:
“أنا مبعتذرش عن حاجة عملتها.. أي حد وقف في طريقي عشان أوصل لليلى، كان لازم يتشال. أنتي، وهالة، وسليم.. كلكم كنتم مجرد عقبات.”
فجأة، بدر طلع مسد..سه من جيب الروب ووجهه لفريدة، بس عينه كانت مثبتة على ليلى:
“ودلوقتي يا ليلى.. أنتي عرفتي كل حاجة. الحقيقة قدامك أهي عريانة.. تحبي ننهي المسرحية دي إزاي؟”
ليلى وقفت في النص، قدام المسد..س، وبصت في عين بدر ببرود مفاجئ فاجأه هو شخصياً.. برود اتعلمته منه. حطت إيدها على فوهة المسد..س ووجهتها لصدرها هي، وقالت بابتسامة وجع:
”لو عايز تنهي العقبات يا بدر.. ابدأ بيا. لأنك لو مقتلتنيش دلوقتي، أنا اللي هقتلك بدم بارد.. أنا مش هالة، ولا أنا فريدة المكسورة.. أنا اللي هحرق قلبك زي ما حرقت حياتنا.”
بدر إيده اترعشت لأول مرة في حياته.. الوحش اللي جواه بدأ يتهز قدام قوتها.
بدر فضل باصص لعين ليلى والمسد..س متوجه لصدرها، العرق نزل على وشه، وإيده اللي عمرها ما اهتزت وهي بتدبح منافسيه في السوق كانت بتترعش زي ورقة شجر.
”نزلي إيدك يا ليلى..” بدر قالها بصوت مكسور ومبحوح، “أنا مستحيل أأذيكي، أنتي عارفة إنك النفس اللي طالع وداخل مني.”
ليلى ضغطت بصدرها على المسد..س أكتر، وعينها كانت زي السكاكين: “أنت قتلت النفس ده خلاص يا بدر.. لما حرقت أختي، ولما دفنت هالة بالحيا في البيت ده. لو فعلاً بتحبني، دوس على الزناد وريحني من سجنك.”
فريدة، اللي كانت واقفة بتراقب بمرارة، اتكلمت فجأة وصوتها قطع الصمت القاتل:
“مش هيقدر يعملها يا ليلى.. بدر جبان قدام حبك. بس الحقيقة لسه ناقصة حتة.. حتة هالة كتبتها في وصيتها الحقيقية اللي بدر خباها.”
بدر صرخ في فريدة بوهن: “اسكتي يا فريدة! اطلبي أي مبلغ واغوري من هنا، متدمرنيش قدامها!”
فريدة كملت ولا كأنها سامعاه، وبصت لليلى:
“هالة ممتتش منتحرة يا ليلى.. هالة كانت حامل. ولما عرفت إن بدر ناوي يخلص منها عشان يتجوزك أنتي، حاولت تهرب.. بس بدر لحقها. الحريقة اللي حصلت في الجناح زمان مكنتش حادثة، كانت محاولة منه عشان ‘يأدبها’.. بس الدخان خنقها هي واللي في بطنها.”
ليلى زقت المسد..س بعيد عنها وهي حاسة إنها عايزة ترجع.. بصت لبدر وكأنها شايفة جث*ة ماشية على الأرض. بدر وقع على ركبه، وشه في الأرض، وبدأ يضحك ضحك هستيري قلب لبكاء مكتوم.
”كنت عايزك أنتي!” بدر صرخ وهو بيخبط الأرض بإيده السليمة، “كل اللي عملته كان عشانك! هالة كانت غلطة.. فريدة كانت غلطة.. العالم كله غلط، وأنتي الوحيدة اللي صح في حياتي!”
ليلى سابته وطلعت تجري على أوضة الأطفال، لمتهم في حضنها وهي بتترعش. الفجر بدأ يشقشق، والبيت اللي كان دايماً ضلمة، دخل له خيط نور ضعيف.
بدر طلع وراها، كان شكله زي العجوز اللي شال هموم الدنيا في ليلة واحدة. وقف على باب الأوضة، مسنود على الحيطة، وبص لها بنظرة أخيرة.. نظرة تملك مهزوم.
”ليلى.. أنا هسيبك تمشي.”
ليلى بصت له بعدم تصديق. بدر كمل وهو بيمسح دمه من على هدومه:
“العربية مستنية بره، والفلوس اللي تأمن حياتك وحياة الولاد في أي مكان في العالم جاهزة. أنتي كسبتي يا ليلى.. كسرتي الوحش اللي مكنش حد بيقدر عليه.”
ليلى خدت الولاد ونزلت، مكنتش بتبص وراها. ركبت العربية، وبصت على فيلا “السيوفي” لآخر مرة. شافت بدر واقف في التراس، بيراقبها وهي بتبعد، وبيدخن سيجارته بجموده المعتاد، بس المرة دي كان لوحده تماماً.
وهي في العربية، لقت شنطة صغيرة جنبها. فتحتها لقت “المفتاح النحاسي” بتاع الأوضة اللي فوق، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط بدر المتقن:
”أنا مسبتكيش عشان مش عايزك.. أنا سبتكيش عشان السجن مبيليقش بالملائكة. بس افتكري يا ليلى.. حتى وأنتي في آخر بلاد الله، خيالي هيفضل يحرسك.. ولو فكر حد يلمسك، هتعرفي وقتها إن ‘بدر’ لسه عايش عشانك.”
ليلى رمت المفتاح من شباك العربية وهي بتعيط وبضحك في نفس الوقت. الهروب بدأ، بس هي عارفة إن هوس بدر ملهوش نهاية، وإن الحكاية دي لسه فيها فصل أخير.. يوم ما بدر يقرر يرجع يطالب بـ “ملكيته” تاني.
بعد خمس سنين، في مدينة ساحلية هادية في اليونان.
ليلى كانت قاعدة على الرصيف قدام مرسمها الصغير، بتراقب “ياسين” و”سارة” وهما بيلعبوا بالرمل قدام البحر. ملامحها بقت أهدى، الخوف اللي كان ساكن عيونها اختفى، وحلت محله قوة ست قدرت تبني حياتها من الصفر. كانت فاكرة إنها قطعت كل الخيوط اللي بتربطها بالماضي، وإن “بدر السيوفي” بقى مجرد كابوس قديم دفنته في رمال مصر.
في يوم، ليلى استلمت طرد مجهول قدام باب بيتها. فتحته بـ إيد بترتعش، لقت لوحة مرسومة بالزيت.. لوحة ليها وهي قاعدة في نفس مكانها قدام المرسم، وبنفس اللبس اللي كانت لابساه “إمبارح”!
قلبها وقع في رجليها. لفت حواليها زي المجنونة، البحر كان هادي والناس ماشية طبيعي، مفيش أي أثر ليه. بس هي عارفة الروح دي، عارفة الزوايا اللي بيترسم بيها الهوس.
رجعت البيت وقفلت الأبواب، وفي نص الليل، سمعت صوت خبط هادي جداً على الشباك. خبطة منتظمة.. تكة.. تكة.. تكة.
فتحت الستارة وهي ماسكة سكين المطبخ، وشافته.
كان واقف وسط الضلمة، شعره غزا فيه الشيب من الجناب، والندبة اللي في دراعه لسه باينة تحت قميصه الأبيض. بدر مكنش لابس البدلة الرسمية ولا ملامحه كانت متجمدة، كان باصص لها بنظرة “جيعانة” لرويتها، نظرة واحد عاش خمس سنين ميت ورجع للحياة.
ليلى فتحت الشباك وقالت بصوت مخنوق:
“أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنا صدقت إنك مت.. أو نسيت.”
بدر قرب خطوة، وصوته الرخيم اللي كان بيطاردها في أحلامها رجع يرن في ودنها:
“أنا عمري ما مشيت يا ليلى.. كنت هنا، في البيت اللي وراكي، في القهوة اللي بتشربي فيها، في المدرسة اللي الولاد بيروحوها. كنت الظل اللي بيحرسك وأنتي نايمة.”
ليلى صرخت فيه بوجع: “أنت مريض! أنت لسه عايز تسجنني؟”
بدر مد إيده ولمس طرف القفل بتاع الشباك ببرود وتملك:
“أنا جيت أسلمك نفسي يا ليلى. الفيلا في مصر اتحرقت.. كل أملاكي وزعتها على الولاد.. أنا دلوقتي معيش غير الروح اللي أنتي كنتي عايزة تزهقيها.”
طلع من جيبه “المفتاح النحاسي” القديم.. اللي هي رمته من شباك العربية زمان. حطه في إيدها وقفل صوابعها عليه بقوة:
”المفتاح ده مبيفتحش أوضة فوق يا ليلى.. المفتاح ده بيفتح القصر اللي أنا بنيته هنا، في آخر الشارع. لو عايزة تخلصي مني بجد، تعالي بكرة ومعاكي البوليس، سلميني ليهم بتهمة قتل هالة.. أنا معايا الأدلة اللي تديني. بس لو لسه فيه حتة في قلبك فاكرة ‘بدر’ اللي كان بيحبك قبل ما يتجنن.. تعالي لوحدك.”
تاني يوم الصبح، ليلى كانت واقفة قدام قصر مهيب على طرف الجبل، وفي إيدها المفتاح، وفي الإيد التانية تليفونها وهي بتطلب رقم الشرطة.
بدر كان واقف في التراس، لابس قميصه الأسود، وبيدخن سيجارته الأخيرة وهو باصص للبحر، مستني حكمها. يا السجن الحقيقي اللي هيقضي فيه باقي عمره، يا السجن اللي هو اختاره لنفسه.. “حضن ليلى”.
ليلى بصت للتليفون، وبصت للمفتاح، وفجأة.. داست على زرار “إنهاء المكالمة”.
طلعت السلم بخطوات ثابتة، وفتحت الباب الكبير. بدر سمع صوت التكة، غمض عينه وابتسم لأول مرة بصدق. الوحش أخيراً لقى السجانة اللي يقدر يسلمها مفاتيح قلبه وهو مطمن.
ليلى وقفت قدام بدر في التراس، الهوا كان بيطير شعرها، والسكوت اللي بينهم كان أتقل من سنين البعد. بدر لف وشه ليها، السيجارة لسه بين صوابعه، وعينه كانت بتفحص ملامحها كأنه بيحفظها لأول مرة.
”فتحتِ الباب ليه يا ليلى؟” سألها بصوت واطي ومبحوح، “كنتِ تقدري تنهي كل حاجة بكلمة واحدة للبوليس.”
ليلى قربت منه لحد ما بقت قدامه بالظبط، خدت السيجارة من إيده ورمتها في البحر، وبصت له بعيون مليانة وجع وقوة في نفس الوقت:
“فتحت الباب عشان أشوف الوحش وهو مكسور.. عشان أتأكد إنك فعلاً جيت هنا عشان تسلمني رقبتك، مش عشان تخطفني تاني.”
بدر مسك إيدها اللي ماسكة المفتاح، وحطها على قلبه اللي كان بيدق بعنف:
“رقبتي، وحياتي، وكل اللي فاضل مني تحت رجلك. أنا جربت أعيش من غيرك يا ليلى، ولقيت إن موتي وأنا جنبك أهون بكتير من حياتي وأنا بعيد.” مايا خالد
في اللحظة دي، صوت خطوات جزمة كعب عالي رن على رخام التراس. بدر اتصلب مكانه، وليلى لفت بلهفة.. كانت “فريدة”.
فريدة كانت واقفة وساندة على الباب، بتبص لهم بنظرة غامضة، وقالت ببرود:
“الحب اللي بيبدأ بالدم، عمره ما بينتهي بالسلام يا ولاد السيوفي.”
بدر زق ليلى ورا ضهره بتلقائية وحماية، وقال لفريدة بحدة:
“إنتي إيه اللي جابك هنا؟ الفلوس اللي بتاخديها كل شهر مكنتش كفاية؟”
فريدة ضحكت وهي بتقرب منهم، وطلعت من شنطتها ظرف أسود رمته على التربيزة:
“أنا مش عايزة فلوسك يا بدر.. أنا جيت أقول لليلى إن ‘هالة’ ممتتش بالحريقة زي ما الكل فاكر. هالة هي اللي ولعت في نفسها وفي الأوضة عشان تهرب منك، والولد اللي كان في بطنها.. لسه عايش.”
ليلى صرخت: “عايش إزاي؟ وفين؟”
فريدة بصت لبدر اللي كان وشه زي الأموات:
“عايش في ملجأ في مصر تحت اسم مستعار. أنا اللي خبته يا بدر، كنت عارفة إنك لو عرفت بوجوده، هتاخده وتعمل منه نسخة تانية منك.. وحش تاني مبيعرفش غير التملك.”
بدر وقع على الكرسي، مذهول، ولأول مرة الدموع عرفت طريق لعينه. ليلى بصت له، ولقت إن العقاب الحقيقي مش السجن.. العقاب هو إنه عاش خمس سنين بيحرق في نفسه وهو فاكر إنه قتل ابنه، بينما الحقيقة كانت بتستناه في مكان تاني.
ليلى بصت لفريدة وقالت بقوة: “هاتيلي ابن أختي يا فريدة.. ومن النهاردة، مفيش حد هيتحكم في مصير حد في العيلة دي تاني.”
بصت لبدر اللي كان منهار، وطت لمستواه وهمست في ودنه:
“هتساعدني نرجعه يا بدر.. وده هيكون تمن غفراني ليك. هتربيه، بس المرة دي هتربيه كبني آدم، مش كملك خاص. ولو شفت في عينه نظرة تملك واحدة من نظراتك.. أنا اللي هقتلك بإيدي.”
بدر مسك إيد ليلى وباسها بذلّ وعشق حقيقي، وقال: “أوعدك.. أوعدك يا ليلى.”
الشمس غابت على سواحل اليونان، وليلى كانت واقفة بتبص للأفق. هي عارفة إن الماضي مش هيسيبهم، وإن بدر السيوفي هيفضل جواه “العرين” اللي بيخوف، بس المرة دي، هي اللي معاها المفتاح.. وهي اللي قررت تروض الوحش بطريقتها الخاصة.
تمت مايا خالد
حب أنتقامي