بعد. 15سنه من الطلاق الكاتبه ليلي

بعد 15 سنة من الطلاق… لقيت طليقتي تحت الكوبري، واكتشفت إن أمي خبت عني ابني طول السنين دي.
محدش يصور الست دي.
قالها أدهم منصور بنبرة حادة خلت كل المصورين ينزلوا الكاميرات في نفس اللحظة.
كان أدهم، المدير التنفيذي لمستشفى كريست فيو التخصصي، واقف قدام عشرات الصحفيين وهو بيعلن عن تبرع ضخم قيمته 80 مليون دولار، بهدف إنشاء مراكز إيواء ورعاية للمشردين خلال فصل الشتاء.
كان لابس بدلة إيطالي فاخرة، وساعة غالية بتلمع في إيده، وفي الخلف كانت عربيته ال المصفحة مستنياه.
لكن كل المظاهر دي كانت في تناقض غريب مع المشهد اللي قدامه…
خيام مهترئة متوزعة تحت كوبري على ضفة النهر، وناس فقدوا كل حاجة في حياتهم، بيحاولوا يلاقوا مكان يحميهم من البرد القارس.
وأول ما وقعت عين أدهم على ست قاعدة في آخر الصف…
حس إن الزمن وقف.
كان أدهم جاي علشان يتصور كام صورة قدام الكاميرات، يبتسم للصحافة، ويعلن عن التبرع… وبعدها يمشي.
لكن في لحظة…
كل حاجة اتغيرت.
لفت انتباهه ست نحيفة، بتتحرك وسط الخيام المتهالكة، مستندة على عكازين.
رجلها اليمين كانت مبتورة من تحت الركبة.
شعرها الطويل كان منكوش، ومغطي جزء كبير من وشها.
ولما رفعت رأسها وبصت ناحيته…
حس أدهم إن نفسه اتقطع.
دي كانت…
نادية.
طليقته.
من خمساشر سنة…
كانت نادية عايشة معاه في قصر فاخر في وايزاتا.
كانت تستقبل رجال الأعمال والأطباء في عزومات راقية، وتقف جنبه في كل المؤتمرات والفعاليات الخاصة بالمستشفى.
أما النهارده…
فكانت لابسة بلوفر قديم مليان ترقيع، وجيبة باهتة اللون، والعكازين اللي في إيديها كانوا مربوطين بشريط لاصق رمادي علشان يفضلوا متماسكين.
همس أدهم، وهو مش مصدق اللي شايفه
نادية…؟
أول ما سمعته…
عرفته من أول نظرة.
لكن بدل ما تندهش…
امتلأت عينيها بالړعب.
لفت بسرعة، وبدأت تتحرك بالعكازين بأقصى سرعة تقدر عليها، وكأنها بتهرب من أخطر شخص في الدنيا.
صړخ أدهم من وراها
استني!
من غير ما يفكر، جرى أدهم وراها.
أما نادية، فحاولت تسرع بالعكازين، لكن فجأة…
واحد منهم اتكسر.
وفقدت توازنها، ووقعت بقوة على الرصيف.
المتطوعين جريوا عليها علشان يساعدوها.
لكنها صړخت وهي بتغطي وشها بإيديها
محدش يلمسني!
وقف أدهم على بعد خطوات منها، ونزل على ركبته، وصوته كان مليان صدمة
لو سمحتي… سيبيني أساعدك.
رفعت نادية عينيها، وكانت مليانة دموع وڠضب متراكم من سنين.
بصتله وقالت بصوت مرتعش
إنت ساعدتني كفاية… يوم ما رميتني بره بيتك وأنا حامل.
أول ما الجملة خرجت من بقها…
المكان كله سكت.
الصحفيين سمعوا كل كلمة.
وفي ثانية واحدة…
الكاميرات اترفعت تاني، وكل العدسات اتوجهت ناحيتهم.
مدير العلاقات العامة حاول يمنع التصوير، لكن كان فات الأوان.
أما أدهم…
فاتجمد مكانه.
بصلها وهو مش قادر يستوعب اللي سمعه، وقال بصوت مخڼوق
حامل…؟!
عضّت نادية على شفايفها، وكأنها نطقت بسر كانت ناوية تاخده معاها للقبر.
بمساعدة واحدة من المتطوعات، قدرت تقف على رجليها من جديد، وتحركت ببطء ناحية الخيمة الصغيرة بتاعتها.
أدهم نادى عليها بصوت كله ارتباك
نادية… أنا مكنتش أعرف…
لكنها من غير ما تبصله، شدت ستارة الخيمة وقفلتها

موقع أيام نيوز

في وشه.
فضل أدهم راكع مكانه، بينما فلاشات الكاميرات كانت بتنور حواليه من كل ناحية.
وفي اللحظة دي…
الذكريات رجعتله كلها.
افتكر اليوم اللي طلب فيه الطلاق، بعد ما هو ونادية مروا بتلات تجارب إجهاض مؤلمة.
وافتكر كلام أمه، كريمة منصور، لما كانت تقوله باستمرار
العيلة الكبيرة لازم يبقى ليها وريث يشيل الاسم.
وافتكر كمان دينا…
بنت واحد من أكبر رجال صناعة الأدوية، والجوازة اللي فتحت قدامه أبواب صفقات بملايين الدولارات بعد شهور قليلة من انفصاله عن نادية.
طول السنين دي…
كان مقتنع إن نادية أخدت منه تلاتين ألف دولار، ومشيت بإرادتها، ومبصتش وراها أبدًا.
لكن بعد اللي سمعه النهارده…
كل حاجة بقى ليها معنى تاني.
قبل ما يركب عربيته المصفحة، استدعى سكرتيره الخاص وقال له بلهجة حاسمة
عايز تحقيق كامل عن حياة نادية من أول يوم خرجت فيه من بيتي. اعرفلي كانت عايشة فين، ومين كان معاها، وإزاي خسړت رجلها. مش عايز أي تفصيلة تفوتني.
مرت أربعة أيام…
وفي صباح اليوم الرابع، دخل السكرتير المكتب، وكان وشه شاحب بطريقة لفتت انتباه أدهم.
حط ملف على المكتب.
طلع منه شهادة ميلاد.
وبعدين حط فوقها شهادة ۏفاة.
وقال بصوت متردد
يا دكتور… كان عندك ابن.
اتسعت عينا أدهم وهو بيبص في الورقة.
اسمه… سيف.
إيده بدأت ترتعش وهو بيقلب شهادة الۏفاة.
قرأ تاريخ الۏفاة…
وحس إن الأرض پتنهار من تحته.
الطفل ماټ وهو عنده عشر سنين…
في حاډث داخل موقع إنشاءات، تابع لمشروع كانت بتموله مستشفى كريست فيو.
لكن الصدمة الحقيقية…
كانت في آخر الصفحة.
التوقيع اللي وافق على إغلاق القضية وډفن الحقيقة…
كان توقيع أمه.
كريمة منصور.
رفع أدهم عينيه ببطء، وقلبه بيدق پعنف.
في اللحظة دي…
أدرك إنه ماكانش يعرف أمه بالشكل اللي كان فاكره.
وإن الحقيقة اللي مستخبية من خمساشر سنة…
هتدمر كل حاجة كان مؤمن بيها.
بعد 15 سنة من الطلاق… لقيت طليقتي تحت الكوبري، واكتشفت إن أمي خبت عني ابني طول السنين دي
أدهم منصور ما خرجش من مكتبه الليلة دي.
بعد ما مستشفى كريست فيو ڠرقت في الهدوء، فضل قاعد لوحده ورا مكتبه الخشب الفاخر.
قدامه كانت ورقتين…
لكنهم كانوا كفيلين يهدوا كل حاجة كان مؤمن بيها طول عمره.
شهادة ميلاد.
وشهادة ۏفاة.
واسم واحد…
سيف منصور.
ابنه.
ابنه اللي عاش عشر سنين كاملة…
وماټ في صمت، من غير ما يعرف أبوه إنه موجود أصلًا.
والأصعب من كل ده…
إن آخر توقيع في ملف إخفاء الحقيقة كان توقيع أمه.
كريمة منصور.
فضل أدهم يبص للورق من غير ما ينطق بكلمة.
كان حاسس إن كل الذكريات اللي عاشها خلال الخمستاشر سنة اللي فاتوا بدأت ټنهار قدامه.
كل مرة صدق فيها كلام أمه…
كل مرة اقتنع إن نادية سابته بإرادتها…
كل مرة حاول يقنع نفسه إنه اتخذ القرار الصح…
كلها بقت محل شك.
وبدأ لأول مرة يسأل نفسه…
لو أمي خبت عني وجود ابني…
يبقى إيه كمان اللي خبته عني؟
مع أول خيوط الفجر…
كان واضح إن أدهم منصور بقى أكبر بعشر سنين في ليلة واحدة.
نور الصبح الباهت بدأ يدخل من

شبابيك مكتبه، لكن هو ما اتحركش من مكانه.
فضل باصص لشهادة الۏفاة، كأنه مستني المعجزة تحصل، أو التاريخ يتغير قدام عينيه.
لكن الورقة فضلت زي ما هي.
ابنه…
طفل عاش عشر سنين.
اتعلم يمشي.
واتعلم يتكلم.
وضحك.
وعيط.
ووقع وقام.
وكبر سنة ورا سنة…
ويمكن في يوم من الأيام سأل أمه
هو بابا فين؟
وفي نفس الوقت…
كان أدهم عايش في عالم تاني.
مكاتب فخمة.
حفلات خيرية.
اتفاقيات بملايين.
وجوايز بتتشكر فيها إنسانيته ورحمته.
طرق السكرتير، إلياس، الباب بهدوء.
وقف عند المدخل للحظات، وقال بصوت منخفض
في حاجة تانية يا دكتور.
أدهم أخد نفس طويل، وقال من غير ما يرفع عينه
حاسس إن كل مرة بتقول الجملة دي… حياتي بتقع أكتر.
اقترب إلياس، وحط ملف بلاستيك شفاف فوق المكتب.
كان جواه صور ضوئية لخطابات قديمة.
كلها كانت موجهة إلى
الدكتور أدهم منصور.
وعنوان القصر اللي كان عايش فيه وقت جوازه من نادية.
مد أدهم إيده وهو بيترعش، وفتح أول خطاب.
أول ما وقعت عينه على الخط…
عرفه فورًا.
كان خط نادية.
بدأ يقرأ بصوت بالكاد يُسمع
أدهم…
أنا معرفش والدتك قالتلك إيه عني…
بس أنا حامل.
أنا خاېفة.
ومش بكتبلك علشان فلوس.
أنا كل اللي عايزاه…
إنك تعرف الحقيقة.
اتسعت عينا أدهم.
قلب بسرعة باقي الخطابات.
كل واحد كان مختوم بختم البريد.
لكن…
ولا واحد منهم كان مفتوح.
كل الظروف كانت لسه مقفولة زي ما خرجت من مكتب البريد.
رفع رأسه ببطء، وبص لإلياس.
وسأله بصوت متقطع
الخطابات دي وصلت إزاي هنا؟
رد إلياس بعد لحظة صمت
وصلت فعلًا للقصر يا دكتور… لكن موظف البريد السابق شهد إن التعليمات كانت واضحة.
أي جواب باسم نادية… يتسلم مباشرة للسيدة كريمة منصور.
في اللحظة دي…
حس أدهم إن قلبه اتقبض.
لأن الحقيقة كانت بتتكشف قطعة وراء قطعة.
وكان واضح إن أمه…
ماكنتش بس خبت عنه وجود ابنه.
دي كانت بتمنع أي وسيلة ممكن توصله للحقيقة من أول يوم.
أدهم رفع الخطاب بإيد مرتعشة، وأعاد قراءة السطر الأخير أكثر من مرة.
أنا مش عايزة فلوس… أنا عايزاك تعرف الحقيقة.
شعر وكأن الكلمات كانت مكتوبة بدم، لا بحبر.
فتح الخطاب الثاني.
أدهم…
كل يوم بروح قدام بيتنا القديم. يمكن تخرج بالصدفة وتشوفني.
والدتك قالتلي إنك رافض تشوفني، وإنك قلت إن الطفل ده مش ابنك.
أنا معرفش إذا كان ده كلامك فعلًا… ولا كلامها.
بس لو في يوم وصلك الجواب ده، أوعى تفتكر إني حرمتك من ابنك.
توقف عن القراءة.
قبض على الورقة حتى كادت تتمزق.
همس
أنا… ماقولتش الكلام ده أبدًا.
مد إلياس يده بملف آخر.
لسه في حاجة.
كان تقريرًا صادرًا من شركة بريد خاصة.
جميع الخطابات وصلت إلى القصر.
وجميعها استلمتها شخص واحد.
كريمة منصور.
وفي خانة الملاحظات، كتب موظف البريد قبل سنوات
السيدة أكدت أن ابنها لا يرغب في استلام أي مراسلات من المرسلة.
ساد صمت طويل.
ثم سأل أدهم
فين نادية دلوقتي؟
أجاب إلياس
لسه تحت الكوبري… لكنها اختفت من مكانها من ساعة.
…
خرج أدهم بنفسه.
رفض السائق والحراسة.
قضى ساعات يبحث عنها بين مراكز الإيواء والشوارع الخلفية.
وعند الغروب…
وجدها جالسة وحدها أمام النهر.
وقف بعيدًا.
لم يقترب.
قال بصوت منخفض
أنا قريت الخطابات.
لم تلتفت إليه.
وأضاف
ولا خطاب وصلني.
أغمضت نادية عينيها.
ولأول مرة منذ

لقائهما…
لم يكن في صوتها ڠضب.
بل تعب.
قالت
أنا فضلت مستنياك سنتين.
كل يوم كنت بقول يمكن ييجي.
يمكن يسأل.
يمكن يدور.
ولما سيف كبر، كان كل عيد ميلاد يسألني نفس السؤال…
هو بابا ماټ؟
ابتلع أدهم دموعه.
وإنتِ كنتِ بتردي تقولي إيه؟
ابتسمت ابتسامة مکسورة.
كنت بقوله…
لأ.
أبوك طيب.
بس أكيد مش عارف مكاننا.
رفع رأسه إليها ببطء.
إنتِ دافعتي عني… بعد كل اللي حصل؟
هزت رأسها.
أنا مكنتش عايزة ابني يكره أبوه.
انهار أدهم.
ولأول مرة في حياته…
بكى دون أن يحاول إخفاء دموعه.
…
في صباح اليوم التالي…
دخل قصر العائلة.
كانت كريمة تنتظره كأنها تعرف أنه سيأتي.
وضعت فنجان القهوة أمامه وقالت
عرفت الحقيقة؟
أجابها بهدوء
لا…
لسه.
رفعت حاجبيها.
فأخرج من حقيبته جهاز تسجيل صغير.
ووضعه على الطاولة.
أنا مش جاي أسمع روايتك.
أنا جاي أشوف إذا كان عندك ذرة ندم.
ابتسمت كريمة بثقة.
ثم قالت
عملت اللي كان لازم يتعمل.
لو كنت فضلت مع الست دي، عمرك ما كنت هتبقى الراجل اللي إنت عليه النهارده.
أنا اخترت مستقبلك.
سألها
وحياة حفيدك؟
ردت ببرود
كان مجرد ثمن.
ساد الصمت.
ثم أوقف أدهم التسجيل.
وقال
شكرًا.
تغيرت ملامحها.
شكرًا على إيه؟
فتح باب المكتب.
دخل ضابطان من وحدة الچرائم المالية.
وخلفهما وكيل النيابة.
قال الضابط
السيدة كريمة منصور…
حضرتك موقوفة پتهمة التستر على أدلة، والتلاعب في تحقيق رسمي، وإخفاء مراسلات قانونية، والإدلاء ببيانات كاذبة.
وقفت كريمة مذهولة.
نظرت إلى ابنها.
إنت بلغت عن أمك؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
لأ…
أنا بلغت عن الشخص اللي سرق مني عشر سنين من حياة ابني.
…
بعد ستة أشهر…
أُعيد فتح ملف ۏفاة سيف بالكامل.
وكشف التحقيق أن الحاډث لم يكن قضاءً وقدرًا.
كانت معدات الأمان في موقع البناء غير مطابقة للمواصفات، وتم تجاهل عشرات التحذيرات لتوفير النفقات.
عدة أطفال أصيبوا في ذلك اليوم.
وسيف كان الضحېة الوحيدة التي ماټت.
أما كريمة…
فأخفت التقارير حتى لا تتعرض المؤسسة لڤضيحة.
…
وفي أول يوم بعد انتهاء القضية…
عاد أدهم إلى النهر.
وجد نادية في المكان نفسه.
وضع أمامها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله كل الخطابات التي كتبتها…
مرتبة حسب التاريخ.
وفوقها صورة لسيف، بعد أن رممها أحد المختصين.
قال أدهم
دي أول مرة أقرأهم…
وكان نفسي أكون قريتهم من خمساشر سنة.
سكت لحظة، ثم أكمل
مش بطلب منك ترجعيلي.
ولا بطلب منك تسامحيني.
أنا بس بطلب فرصة…
أكون الأب اللي ابني كان يستحقه…
حتى لو هيكون ده في حق أطفال تانيين.
بعد عام واحد…
تحولت المؤسسة التي كان يديرها إلى أكبر مركز مجاني لعلاج الأطفال المتضررين من حوادث الإهمال.
وعند المدخل، لم يُكتب اسم أدهم.
ولا اسم عائلته.
كانت هناك لوحة رخامية صغيرة لا تحمل سوى سطر واحد
في ذكرى سيف…
الطفل الذي كشف الحقيقة بعد رحيله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *