جوزي قالي انه داخل عمليه
جوزي قالي إنه داخل عملية طوارئ وهيفضل في المستشفى لحد الصبح… وبعد أقل من ساعة شوفته بعيني في المطار، مسافر في رحلة سرية مع ست تانية… وأهله كلهم معاهم… إلا أنا!
أنا اتخدعت بعيني.
جوزي كلمني وقاللي إنه داخل عملية مستعجلة، وإنه مش هيرجع البيت غير الصبح عشان بينقذ حياة مريض.
لكن الحقيقة كانت حاجة تانية خالص.
كنت واقفة في الدور اللي فوق في مطار القاهرة، وببص من البلكونة الزجاج… وفجأة شوفته تحت.
واقف بيضحك.
ولابس البليزر الرمادي اللي أنا جبتهوله في عيد جوازنا.
وحاضن واحدة شقراء جميلة، وماسك إيدها وهم بيسحبوا الشنط سوا.
حسيت إن قلبي وقف.
“لا… مستحيل.”
بعدين بصيت حواليه.
لقيت حماتي.
وأخته.
والعيال.
العيلة كلها واقفة ومعاهم باسات السفر، بيضحكوا ويهزروا، كأنهم رايحين أحلى فسحة في الدنيا.
كلهم…
إلا أنا.
في اللحظة دي، صوت المطار اختفى.
لا نداءات سفر.
ولا صوت شنط.
ولا كلام ناس.
ولا أي حاجة.
كل حاجة حواليّ سكت.
دي ما كانتش غلطة.
ولا حد نسي يقولي.
دول مخططين للرحلة دي من زمان… وكلهم متفقين إني أبقى برة الصورة.
“بحبك يا حبيبتي.”
قالها جوزي في التليفون.
وقفّل.
بعدها بثانية واحدة…
لف للست اللي جنبه…
وباسها.
قدام أمه.
وقدام أخته.
وقدام العيال.
ولا حد استغرب.
حماتي عدلت النضارة على وشها بمنتهى البرود.
وأخته كانت بتصورهم وهي بتضحك.
والعيال واقفين بيبتسموا للصورة… كأن اللي بيحصل ده طبيعي جدًا.
ساعتها، الوجع ما كانش من الخيانة.
الوجع الحقيقي…
إنهم كلهم كانوا عارفين.
أنا اللي كنت شايلة البيت ده على كتافي سنين.
أنا اللي بجهز كل عزومة.
وأفتكر كل عيد ميلاد.
وأدفع الفواتير قبل ما حد يفتكرها.
وأجيب الهدايا.
وأبعت الورد.
وأصلح بينهم كل ما يتخانقوا.
وأغطي على كل مصيبة تحصل.
وأنا مشغولة ألمّ شتات العيلة…
كانوا هما بيبنوا عيلة جديدة…
من غيري.
وفجأة…
جسمي بطل يترعش.
مش عشان هديت.
لكن عشان مبقاش في أي إحساس جوايا.
في لحظة معينة…
الطيبة بتخلص.
وبتفهم إن الناس اللي اديتهم عمرك كله…
افتكروا إن سكوتك ضعف.
جوزي كان متأكد إني عمري ما هواجه.
وحماتي كانت فاكرة إني هسكت كعادتي.
وأخته كانت مستنية إني أختفي في هدوء.
أما الست اللي ماسكة إيده…
أكيد كانت فاكرة إنها داخلة على حياة بناها بنفسه.
ولا واحد فيهم كان يعرف أنا كنت مين…
قبل ما أبقى مرات الدكتور كريم.
ما نزلتش أجري عليهم.
ولا عملت خناقة.
ولا فضحتهم قدام الناس.
لفيت بهدوء…
وروحت قعدت في ركن بعيد.
فتحت موبايلي.
ودورت على رقم قديم…
رقم ما استخدمتوش من سنين.
اتصلت.
رن مرتين.
ورد.
“ألو… يا مدام مريم؟”
أول ما سمع صوتي… نبرته اتغيرت.
بصيت آخر مرة عليهم.
كريم كان لسه بيضحك.
مرتاح.
وواثق إن محدش يقدر يقربله.
خدت نفس طويل.
وقلت:
“يا أستاذ شريف… افتح الملف المقفول.”
سكت شوية.
وبعدين قال بحذر:
“كله؟”
بصيت عليهم وهم بيقفوا يتصوروا صورة عائلية.
قلت بمنتهى البرود:
“آه… كله.”
سكت تاني.
وقال:
“بصي يا مدام مريم… أول ما أفتحه… مفيش رجوع.”
رديت من غير تردد:
“عارفة.”
سمعت
صوت الكيبورد وهو بيكتب بسرعة.
وبعدين قال ست كلمات خلت قلبي يدق بقوة:
“أول مجموعة مستندات بدأت تتبعت دلوقتي.”
وفي نفس اللحظة…
كريم طلع موبايله.
بص للشاشة.
ابتسامته اختفت.
ولونه قلب.
واضح إن الرسالة اللي وصلته…
قلبت حياته في ثانية.
يتبع…
الهواء في صالة المغادرة بالمطار أصبح ثقيلًا ومحملًا بالتوتر، لكن مريم كانت أهدأ من عاصفة تسكن قبل أن تدمر كل شيء. من مكانها في الطابق العلوي، رأت التغير المفاجئ على وجه زوجها.
ابتسامته العريضة تبخرت في جزء من الثانية. لونه خطفه البياض. عيناه تحركتا بفزع نحو الشاشة، وأصابعه بدأت ترتجف وهي تمر بغريزة محمومة على سطح الهاتف. حماتي لاحظت الفزع المفاجئ في عيونه، فهتفت بصوت قلق وصل صداه خافتًا:
— مالك يا كريم؟ في إيه؟
لكن كريم لم يستطع الرد. هاتف تلو الآخر في أيدي أفراد العائلة بدأ يطن برسائل متتالية لا تنتهي. عشرات المستندات الرسمية، الصور الموثقة، العقود المحرمة، والتحويلات البنكية المشبوهة التي خرجت من حسابات العيادة والمستشفى إلى حسابات سرية باسمه وباسم “عشق الجديده”؛ كلها كانت تتدفق دفعة واحدة كشلال جارف لا يمكن إيقافه.
أخته بصت للموبايل ثم ركضت بنظرة مرعوبة نحو أخيها وصاحت بصوت مهزوز:
— كريم! دي… دي عقود الفيلا اللي باسمك! ودي… دي شهادات أسهم عيادات بابا اللي نقلتها باسم الست دي!
حتى حماتي، التي كانت تدير كل خطط الخداع ببرود أعصاب، سقطت نظارتها من على وجهها حين فتحت الملف وقرأت خطابات التنازل عن أملاك العائلة وممتلكات مريم الخاصة التي سجلها باسمه
زورًا وتحت التهديد والضغط قبل سنوات.
مريم ظلت واقفة في مكانها، تتابع المشهد ببرود تام. لم تكن مجرد زوجة مخدوعة تبكي في الكورنر؛ لقد تذكرت تمامًا من كانت قبل أن تقيد نفسها بقميص “مرات الدكتور كريم”.
قبل زواجها، كانت مريم هي المحامية الجنائية الصاعدة التي أرعبت أكبر شبكات التزوير وغسيل الأموال في البلاد، قبل أن تترك كل شيء وتتفرغ لبيت كرسيه لأسرة لم تقدر تضحيتها. والأستاذ شريف لم يكن سوى شريكها القديم وصديق العائلة الوحيد الذي احتفظ بملفات مستندات إدانة كريم منذ أول يوم شكّت فيه، الملف الذي طالما نصحها بفتحه ورفضت مرارًا لأنها كانت تؤمن بالحب.
لكن الحب مات في هذه اللحظة على أعتاب بوابة السفر رقم خمسة.
رفعت مريم هاتفها مجددًا وضغطت على زر الاتصال بالأستاذ شريف، وقالت بصوت هادئ وحازم قطع صمت المطار:
— تمام يا شريف… ابعت النسخة الأصلية للنائب العام، ولإدارة المستشفى اللي فبرك فيها تقارير العمليات الطارئة عشان يسافر ببلاش على حساب المرضى.
في الأسفل، انهار العالم تمامًا فوق رأس كريم وعائلته. شرطة أمن المطار وحرس الحدود تقدموا بخطوات ثابتة نحوهم بعد أن وصلت إخطارات رسمية بوجود عمليات تهريب أموال وتزوير مستندات سفر وهروب خارج البلاد بتصاريح وهمية.
حاول كريم أن يجري، أن يصرخ، أن ينكر، لكن الأغلال كانت أسرع من أعذاره. وجد نفسه مسحولًا أمام أمه وأخته والست التي جاءت لتشاركها حياته، بينما كانت الكاميرات تصور مشهد السقوط المدوي.
أما مريم، فاستدارت ببطء شديد، ورفعت حقيبتها الصغيرة عن الكرسي، ووضعت نظاراتها
الشمسية السوداء على عينيها.
خرجت من باب المطار إلى الهواء الطلق، لأول مرة منذ سنوات طويلة، تشعر أن رئتيها تمتتلئان بالأكسجين النقي. نظرت إلى السماء الصافية وقالت لنفسها بصوت خافت يعبر عن بداية جديدة كليًا:
— أهلاً بكِ مجددًا… يا مريم.