اول ما وصلت البيت

أول ما وصلت البيت أنا وولادي الاتنين بعد سفر، لقيت جوزي واقف على الباب… وعلى كتفه واحدة المفروض تبقى مرات أخوه.
أول كلمة قالها وهو بيرمي ورق على الأرض قدامي
امضي على الطلاق… ولمّي هدومك واغوري النهارده. البيت ده مفيهوش مكان لواحدة عايشة على قفا جوزها.
والست اللي جنبه ابتسمت پشماتة وقالت
يلا بقى… كفاية قعدة لحد كده.
ولادي، عمر وملك، كانوا لسه قاعدين في العربية فاكرين إن باباهم مستنيهم علشان يتغدوا سوا. محدش فيهم كان يعرف إني راجعة من القاهرة وأنا معايا خبر هيقلب حياتنا كلها… ورثت تركة بالملايين، وكمان عمارة إدارية في قلب القاهرة.
بس هما… كانوا آخر ناس يعرفوا.
طول سبع سنين جواز، حسام كان مخليني حاسة إني ضيفة تقيلة في بيتي. كنا ساكنين في فيلا كبيرة في الشيخ زايد، وهو مدير مالي في شركة استثمار معروفة. أما أنا، فكنت شغالة من البيت كمستشارة لإدارة الأزمات، بشتغل مع شركات، وبربي العيال، وبشيل البيت كله فوق دماغي.
لكن بالنسبة له…
إنتي يعني بتعملي إيه؟ كام إيميل على اللابتوب وخلاص.
كان يحاسبني على كل جنيه. يراجع فاتورة السوبر ماركت، ويسأل اللبن غلي ليه، والخضار اتكلف كام، ويديني مصروف البيت كأنه بيتصدق عليا.
ودايمًا يقول بنفس النبرة
أنا اللي بجيب الفلوس بجد… وإنتي مجرد بتصرفي اللي أنا بديهولك.
وأكتر واحدة كانت بتطبل لكلامه… كانت دينا.
دينا… مرات أخوه الكبير.
كانت فاتحة شركة تسويق عقاري، وكل قعدة عائلية لازم تستعرض شنطها، وساعتها، وعربيتها الجديدة، وتلاقي أي فرصة ترمي عليا كلمة تقلل مني.
قبل الطلاق بأسبوعين، كنا في عزومة عندنا في البيت، فيها صحاب حسام وشركاؤه.
رفعت دينا الكوباية وهي بتضحك وقالت
يا بخت بعض الناس… قاعدة في البيت، تربي العيال، وتفتح اللابتوب ساعة، وجوزها يصرف عليها وهي عايشة ملكة.
استنيت حسام يردها.
لكنه ضحك.
وقال قدام الكل
طول ما البيت نضيف والعيال ساكتين، أنا معنديش مانع أصرف على الهواية بتاعتها.
الضحك اللي طلع من الناس كان أوجع من أي شتيمة.
ما اتكلمتش.
دخلت أوضة مكتبه وقفلت الباب.
اللاب توب كان مفتوح.
عمري ما فتشت وراه، لكن الليلة دي فهمت إنه عمره ما احترمني ولا احترم ثقتي فيه.
فتحت حساباته…
ولقيت تحويل ب ألف جنيه خارج من قرض معمول بضمان البيت.
الفلوس كانت رايحة لشركة اسمها دي إم للتطوير العقاري.
شركة… دينا.
فضلت أدور أكتر.
لقيت إيميلات، وحجوزات فنادق، وعقد مبدئي لشقة دوبلكس فاخرة في التجمع.
ساعتها الحقيقة خبطتني في وشي.
حسام ودينا كانوا على علاقة بقالهم سنتين.
ومش بس كده…
كانوا مزورين إمضتي علشان ياخدوا القرض، وخطتهم يرموني أنا وأخو حسام برة حياتهم، ويبدأوا سوا من جديد.
آخر رسالة بينهم كانت من دينا
أول ما تتخلص من فاليري… قصدي من ڤيڤيان… هنعيش الحياة اللي نستحقها.
ورد عليها حسام
الأول أخليها تمضي على التنازل عن كل حقوقها.
فضلت باصة للشاشة، وحاسة إن الډم اتجمد في عروقي.
الست اللي كانت

موقع أيام نيوز

بتعايرني كل يوم… كانت بتسرق مستقبل ولادي مع جوزي… وخېانة الاتنين كانت أكبر بكتير من اللي كنت متخيلاه.
لكن اللي حصل بعد كده…
ما كانش في خيال أي واحد فيهم.
فضلت أبص للشاشة ثواني… وبعدها قفلت اللابتوب بنفس الهدوء اللي بيبقى قبل العاصفة.
ولا واجهته… ولا صړخت… ولا حتى عيطت.
خدت صور لكل الإيميلات، وكل التحويلات، وكل العقود، وبعتها لمحامي كنت بتعامل معاه في شغلي من سنين.
ولأول مرة في حياتي… بدأت ألعب بنفس أسلوبهم.
في اليوم اللي بعده، سافرت القاهرة بحجة إن عندي مؤتمر شغل.
لكن الحقيقة… كنت رايحة أقابل جدي.
الراجل اللي حسام كان فاكر إنه مجرد عجوز متقاعد.
ولا كان يعرف إن جدي هو صاحب واحدة من أكبر شركات المقاولات القديمة في مصر… وإنه قطع علاقته بالعيلة من أكتر من عشر سنين بسبب خلافات على الميراث.
أول ما شافني، حضڼي وقال
كنت مستني اليوم اللي تيجي فيه لوحدك… لأنك الوحيدة اللي استحقيتي كل حاجة.
بعد أسبوع… جدي ماټ.
وسابلي كل ثروته.
عمارة إدارية كاملة في القاهرة… محفظة استثمارات… أراضي… وسيولة مالية تخلي أي حد يغير حياته في يوم واحد.
المحامي قاللي
أهم حاجة… محدش يعرف دلوقتي.
وافقت.
ورجعت البيت…
عشان ألاقي حسام واقف على الباب… ومعاه دينا.
نفس المشهد اللي فضل محفور في دماغي.
ورق الطلاق…
والإهانة…
والابتسامة المستفزة.
بصيت لهم… ووقعت على الورق من غير ما أقرأ.
دينا اټصدمت.
إيه ده؟! بسهولة كده؟
قلت وأنا بابتسم
ليه؟ كنتوا مستنيين أترجاكم؟
حسام ضحك لأول مرة بارتياح.
أخيرًا عقلتي.
لفيت وركبت العربية وجبت عمر وملك.
الأولاد كانوا بيعيطوا.
عمر سألني
هو بابا زعلان مننا؟
ما عرفتش أرد.
بس وعدت نفسي…
إن اليوم ده هيفضل آخر يوم يشوفوا فيه أمهم مکسورة.
بعد أسبوع…
المفاجآت بدأت.
أول مفاجأة…
إن البنك رفض يدي حسام أي قسط جديد من القرض.
لأن المحامي قدم بلاغ رسمي بتزوير توقيعي.
التحقيق بدأ.
والبنك جمّد كل التعاملات.
دينا اټجننت.
كل مشاريع شركتها كانت واقفة على الفلوس دي.
بدأت تتصل بحسام كل ساعة.
اعمل أي حاجة… القضية دي هتودينا في داهية.
لكن ده كان مجرد أول حجر دومينو.
المحامي اكتشف إن شركة دينا أصلاً كانت بتغسل جزء من الأموال من خلال شركات وهمية.
والهيئة الرقابية دخلت على الخط.
بدأوا يراجعوا كل العقود.
كل التحويلات.
كل الشقق.
كل الأراضي.
وفي أقل من شهر…
حسابات الشركة كلها اتجمدت.
أما أنا…
اشتريت شقة بسيطة بالإيجار.
مع إني بقيت مليونيرة.
المحامي استغرب.
قلتله
لسه بدري.
كان عندي خطة أكبر.
بعد شهرين…
ظهر إعلان ضخم في الجرائد.
شركة استثمار جديدة داخلة السوق.
رئيس مجلس الإدارة…
ڤيڤيان.
الاسم اللي دينا كانت بتسخر منه في رسايلها.
المقر الرئيسي؟
العمارة اللي ورثتها.
الافتتاح حضره رجال أعمال كبار…
وبنوك…
ووزراء سابقين.
والإعلام كله كان موجود.
لكن أهم مدعو…
كان حسام.
اتبعتله دعوة رسمية باسمه.
ومكتوب تحتها
يسعدنا حضوركم كشخصية اقتصادية.
راح…
وهو فاكر إنه رايح يعمل علاقات شغل.
دخل القاعة.
وفجأة…
شاف صورتي على شاشة عملاقة.
رئيسة مجلس الإدارة.
وشاف الناس كلها واقفة بتسقف.
وشافني طالعة على المسرح.
الصدمة خلت وشه يصفر.
أما دينا…
كانت واقفة وراه.
ولأول مرة…
هي اللي كانت حاسة إنها أقل واحدة في المكان.
خلصت كلمتي.
ونزلت من المسرح.
حسام جري عليا.

إنتي… إنتي كنتي عارفة كل ده؟
قلت بابتسامة هادية
من قبل ما تطلب الطلاق.
وشه اتغير.
يعني الورث…
كنتِ عارفة؟
آه.
وليه ما قولتيش؟
بصيت في عينيه.
لأن الإنسان بيبان على حقيقته لما يفتكر إنك خلاص ملكوش قيمة.
دينا حاولت تتدخل.
إحنا ممكن نتفاهم…
قاطعتها.
معايا تسجيلات… وإيميلات… وتزوير… وخېانة… وقضايا.
إنتي جاية تتفاهمي على إيه؟
سكتت.
لأول مرة.
بعدها بأسبوع…
النيابة استدعت حسام ودينا.
وأخو حسام عرف الحقيقة.
طلق دينا في نفس اليوم.
وقال لحسام قدام العيلة كلها
خسړت أخوك… ومراتك… وعيالك… علشان واحدة باعتك أول ما فلوسك وقفت.
وفعلًا…
أول ما اتجمدت حسابات دينا…
اختفت.
قفلت موبايلها.
وسابت حسام لوحده يواجه كل القضايا.
لكن النهاية الحقيقية…
ما كانتش في المحكمة.
كانت بعد ست شهور.
كنت في احتفال مدرسي.
عمر طلع الأول على المدرسة.
وملك كسبت مسابقة الرسم.
واقفين يجروا عليا ويحضنوني.
في اللحظة دي…
شفت حسام واقف بعيد.
هدومه بقت بسيطة.
وشكله اتغير.
قرب بخطوات بطيئة.
وقال
ممكن أكلم الأولاد خمس دقايق؟
بصيت لعمر.
قلتله
القرار قرارك.
عمر بص لأبوه شوية…
وقال بهدوء أكبر من سنه
بابا… أنا كنت مستنيك يوم طردتنا من البيت.
دلوقتي… أنا مش زعلان.
بس بقيت فاهم إن الأب مش اللي يخلف وبس.
الأب… هو اللي يحمي.
الكلمات نزلت على حسام كأنها حكم نهائي.
عيونه اتمليت دموع…
لكن المرة دي…
ماكانش فيه حد يقدر ينقذه.
لأن بعض الخسائر… بتبدأ بورقة طلاق…
لكن بتنتهي بخسارة العمر كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *