اخدت صحبتي

في الليلة اللي صاحبتي أصرت فيها تاخد أوضة ولادة VIP في أغلى مستشفى، طليقتي اللي كل الناس كانت فاكرة إنها مبتخلفش دخلت قدامنا على الترولي وهي حامل في الشهر التاسع وبتصارع الموت. موبايلي وقع واتكسر على أرضية المستشفى، لأن الحقيقة اللي ظهرت قدامي كانت مستحيل أستوعبها… الطفل اللي كانت حاطة إيديها على بطنها ما ينفعش يكون غير ابني.
الصريخ عمره ما كان بيخوفني.
في حياتي، الرجالة كانت بتصرخ في الخناقات، وبتصرخ جوه المخازن، ورجال الأعمال كانوا بيصرخوا من جواهم وأنا بقفل عليهم كل سكة.
لكن الساعة كانت 1117 بالليل، ولما باب قسم الولادة في مستشفى خاص كبير في القاهرة اتفتح فجأة، كل الأصوات حواليّا اختفت.
اعتلال شديد في عضلة القلب بسبب الحمل… الحالة بتنهار! ضغطها بينزل بسرعة… بسرعة على العمليات!
المسعف كان بيزعق وهو بيجري بالسرير.
في الأول اتضايقت.
أنا أصلاً كنت جايب صاحبتي يارا المستشفى بعد ما فضلت تشتكي من وجع في بطنها، بس الحقيقة كانت مهتمة بالديكور أكتر من تعبها.
قالت وهي ماسكة الموبايل تصور
المستشفى دي ريحتها مطهرات وكآبة… قولّي بس عندهم جناح

VIP؟ أنا مش هقعد وسط الناس دي.
لكن كلامها وقف أول ما بصيت على الترولي.
ندى.
طليقتي.
وشها كان أبيض بشكل يخوف، شعرها كله عرق، وشفايفها مالهاش لون.
إيد ماسكة جنب السرير…
والتانية فوق بطن كبيرة بشكل مستحيل حد يفسره غلط.
الموبايل وقع من إيدي واتفتت على الرخام.
فضلت ثواني مخي رافض يصدق اللي شايفه.
وبعدين… حسبتها.
إحنا اتطلقنا من تمن شهور.
آخر ليلة قضيناها مع بعض مكانتش ليلة رومانسية.
كانت ليلة وداع.
اتنين مكسورين، قاعدين يشربوا، وكل واحد فيهم بيحاول يتمسك بالتاني للمرة الأخيرة.
تاني يوم اختفت.
ودلوقتي…
هي حامل.
يبقى الطفل…
ابني.
ندى… فوقي! ما تغمضيش عينيكي!
الممرضة كانت بتجري بيها جوه.
الكرسي وقع ورايا وأنا قمت مرة واحدة.
يارا بصتلي بصدمة.
مين دي؟
ما رديتش.
كنت خلاص بجري ناحية الاستقبال.
الرجالة اللي معايا وقفوا أول ما شافوا وشي.
حسام، مساعدي، جري ورايا.
سندت بإيدي على الكونتر وقلت للممرضة
عايز أعرف أخبار مريضة اسمها ندى سالم… دخلت حالًا.
الممرضة بصت في الكمبيوتر وقالت بهدوء
حضرتك تقربلها إيه؟
قلت من غير تفكير
أنا جوزها.
رفعت عينيها وقالت
الملف عندنا بيقول إنكم مطلقين.
الكلمتين نزلوا عليا كإنهم قلم.
أنا طول عمري الفلوس كانت بتفتحلي أي باب.
ولو باب مقفول… الناس نفسها كانت بتفتحه من الخوف.
لكن هي كملت بنفس البرود
حضرتك مش مسجل ضمن الأشخاص المسموح لهم يعرفوا أي معلومات… ومقدرش أقول لحضرتك أي حاجة.
وطيت صوتي وأنا ببصلها
اسمعيني كويس…
حسام شدني من دراعي بسرعة.
باشا… مش هنا.
لاحظت الممرضة إيديها وهي بتقرب من زرار الأمن تحت المكتب.
فضلت أبصلها كام ثانية.
الغضب كان هيخليني أولع المكان كله.
بس افتكرت إن ندى جوه…
ولو اتعملت مشكلة، آخر حاجة هي محتاجاها دلوقتي إن المستشفى كلها تقلب بسبب اسمي.
رجعت خطوة لورا.
في اللحظة دي كعب يارا خبط في الأرض وهي جاية ناحيتي.
بصت ناحية باب الطوارئ…
وبعدين بصتلي.
وفهمت.
قالت بصوت مخضوض
دي… مراتك السابقة؟
ما اتكلمتش.
عينها نزلت على بطن ندى اللي كانت واضحة جدًا.
همست
يا نهار أبيض… دي حامل.
رجعت خطوة لورا كأن حد خبطها.
إنت قلتلي إنكم بقالكم شهور ما شفتوش بعض!
قلت بهدوء
وده حقيقي.
صرخت
أمال حامل إزاي؟!
قبل ما أرد…
باب العمليات اتفتح بعنف.
دكتور خارج وهو لابس جوانتي كله دم.
لف بعنيه علينا الاتنين وقال بصوت عالي
مين فيكم والد الطفل؟…..
دكتور خارج وهو لابس جوانتي كله دم.
لف بعنيه علينا الاتنين وقال بصوت عالي
مين فيكم والد الطفل؟ الحالة بتدخل في توقف قلبي تنفسي، لازم ناخد قرار حالًا… الجنين سليم بس محاضنش وقته كامل، والنزيف مش عارفين نسيطر عليه بالطرق التقليدية، الولادة القيصرية تمت بس الأم فقدت وعيها تمامًا وضغطها صفر!
الكلمات نزلت على وداني كأنها طلقات نقطة تحول. يارا بصتلي بصدمة أكبر وقالت بصوت مكسور أنا… أنا ماشية، البنت دي مجنونة وكلها مشاكل! وسابتني وطلعت تجري برا المستشفى كأنها بتجري من كابوس.
لكن أنا مكنش في دماغي أي حد تاني.
خطوت خطوتين لقدام ووقفت قدام الدكتور مباشرة، عينيه كانت ثابتة في عينيّ مستني إجابة حاسمة، فقلت له بنبرة صوت ما فيهاش أي تردد
أنا أبو الطفل… وعايز أشوف ابني، واعمل اللي المستشفى كلها تعمله عشان تنقذ حياة مراتي.. مهما كلف الأمر!
الدكتور بصلي بدهشة، لكنه لمح نظرة السلطة والجنون اللي في عيني، مكنش وقت أسئلة ولا تحقيق، اتحرك بسرعة وقال
تعال ورايا فورًا للتعقيم، الطفل اتنقل لحضّانة العناية المركزة للحديثي الولادة، والحالة جوة
لمحة نيوز

بيحاولوا يعملوا لها صدمات كهربائية.
دخلت ممر التعقيم وأنا حاسي كأن الزمن وقف.
كل فلوسي، نفوذي، وقوتي ما كانوش قادرين يشتروا دقيقة زيادة في عمر ندى. الإنسان لما بيوصل لآخر نقطة في الصدمة، بيبطل يخاف. افتكرت طلاقنا من تمن شهور… ندى وقتها قالتلي جملة واحدة وهي ماشية وسابت الدبلة على الترابيزة إنت بتبني إمبراطورية من طوب مسروق من راحة بالك، ومش هخلي ابني يتربى في وسط الجحيم ده.
طلعت فكرت إنها كانت تقصد طلاقنا، بس مكنتش أعرف إنها كانت خايفة على ابننا من أعدائي اللي كانوا بيطاردوني في كل مكان. هي خبت الحمل كامل عشان تحميه، وعاشت تمن شهور لوحدها بتصارع الفقر والمرض والموت، لحد ما قلبها تعب من كتر الشيل والضغط النفسي.
الضغط بيرتفع شوية! دكتور، نبض القلب رجع ضعيف!
صوت الممرضة من جوة غرفة العمليات جابني من أفكاري.
وقفت قدام زجاج غرفة العمليات بصيت لقيتها نايمة، الوش الأبيض العاجز اللي قلبي بيعشقه رغم كل الجفاء اللي بينا.
وفي الناحية التانية من الممر، دخلت أوضة الحضّانات.
الممرضة فتحت لي باب الحضانة المعقمة. دخلت ببطء كأن رجلي متثبتة في الأرض. بصيت جوة الصندوق الزجاجي الصغير…
طفل صغير جداً، جلده أحمر وناعم، وبتنفس بصعوبة وبأجهزة صغيرة متركبة على صدره الصغير. لكن أول ما قربت، فتح عينيه البطء شديد…
عيون نفس العيون. عيوني أنا.
حطيت إيدي على الزجاج من برا، ودمعة سخنة نزلت على خد لأول مرة تحس بالضعف الحقيقي. حسيت إن الدنيا كلها تساوت قدام الصرخة الصغيرة اللي طلعها الطفل وهو بيقبض بإيده الصغيرة في الهوا كأنه بيدور على أمان مش لاقيه.
مرت ست ساعات كأنهم ست سنين.
الساعة كانت بقت خمسة الصبح. الشمس بدأت تطلع وتكسر سواد الليل فوق سماء القاهرة.
باب العمليات اتفتح، وخرج الدكتور وتعب الدنيا كله مرسوم على جبهته. حسام مساعدي كان واقف ورايا متمسك بالأمل.
بصيت له وقلت بصوت ناشف
طمني؟
الدكتور تنفس بعمق وقال بابتسامة متعبة
عملنا اللي ما يتصدقش. وقفنا النزيف في اللحظة الأخيرة، وعملنا نقل دم فوري. قلبها استجاب للمعجزة… ندى عايشة، والطفل كمان مستقر في الحضّانة.
نزلت على ركبي قدام الحائط من كتر الإرهاق والتفريغ العصبي. حسام جه سحبني وقومني بهدوء.
دخلت أوضة الإفاقة، لقيت ندى نايمة، لكن أنفاسها منتظمة، وخدودها رجع لها لونها الطبيعي شوية.
قعدت جنب السرير على الكرسي، ومسكت إيديها الباردة وبستها، وهمست جنب ودها بصوت مليان دموع
حمد لله على سلامتك يا ندى… أسف على كل دقة خوف عشتيها بسببي. بس أقسم بالله، من اللحظة دي، لا أنا هسيبك، ولا هسمح لمخلوق يقرب من ابني.. إحنا تلاتة مع بعض، للآخر.
فتحت ندى عينيها ببطء شديد، بصتلي نظرة طويلة، نزلت دمعة من عينها، وابتسمت ابتسامة متعبة كأنها بترمي تمن شهور من العذاب ورا ظهرها، وقالت بصوت همس ضعيف
اتأخرت أوي يا مراد… بس حمد لله على السلامة يا بابا.
بصيت من شفايف الأوضة على شروق الشمس اللي بينور المستشفى، حسيت ولأول مرة في حياتي إني مش بس ملكت الدنيا. .. أنا رجعت أعيش من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *