جوزي قالي من الصرف عليا حكايات مني سيد
جوزي قالي إنه زهق من الصرف عليا… فخليته يدفع تمن كل حاجة كان فاكرها ببلاش…
“أنا خلاص تعبت من الصرف عليكي.”
قالها جوزي أحمد وهو قاعد على السفرة، وأمه الحاجة فاطمة قاعدة جنبه، وابتسامة رضا مرسومة على وشها وهي بتقلب في فنجان القهوة.
ما اتعصبتش… ولا اتخانقت. بكل هدوء فتحت الموبايل، ودخلت على تطبيق البنك، وبدأت أراجع مصاريف آخر خمس سنين.
أحمد بصلي باستغراب.
قال: “إيه؟ مش هتعملي مشكلة؟”
ابتسمت وقلت:
“لأ… بالعكس. فكرة إن كل واحد يصرف على نفسه ممتازة.”
حماتي سندت ضهرها على الكرسي وكأنها كسبت معركة.
أنا وأحمد متجوزين بقالنا خمس سنين، وساكنين في شقة كبيرة في كومباوند راقي في القاهرة، فيها جراج وأمن 24 ساعة، وإيجارها رقم يخلي أي حد يفتح بقه.
أنا عندي 32 سنة، وبشتغل مديرة عمليات في شركة شحن واستيراد كبيرة. أما أحمد فكان مهندس مدني في شركة مقاولات.
الحاجة الوحيدة اللي عمره ما كان بيقولها لحد…
إني مرتبي كان تقريبًا ضعف مرتبه.
ولا مرة عيرته بده.
من أول الجواز، من نفسي، بقيت أنا اللي بدفع أغلب مصاريف البيت….فاتورة الكهرباء…الغاز…النت…
مشتريات السوبر ماركت…
اشتراكات المنصات…
هدايا المناسبات…
وأي تصليح يحصل في الشقة.
وكمان كنت أنا اللي بطبخ أغلب الوقت.
مش لأنه كان بيجبرني…
بس لأني كنت بحب الطبخ.
بعد يوم شغل طويل مليان ضغط ومشاكل، كنت بلاقي راحتي وأنا بعمل أكل حلو.
لكن للأسف…اللي بدأ كرم مني… اتحول مع الوقت لحق مكتسب بالنسبالهم.
#حكايات_مني_السيـد
كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة بالظبط…
كانت عيلة أحمد كلها تيجي عندنا.
حماتي…
أخوه كريم…
مراته ندى…
وأولادهم التلاتة…
وأوقات كانوا يجيبوا خالة أو ابن خال أو حد من القرايب من غير حتى ما يقولوا.
كنت بصحى من بدري جدًا.
أعمل صينية لحمة…
محشي…
رز بالشعرية…
فراخ…
سلطات…
حلويات…
وعصاير للأطفال.
كل جمعة كانت بتكلفني آلاف الجنيهات.
وبرغم كده…
أول كلمة كانت حماتي تقولها:
“الملح زيادة شوية.”
وبعدها تقوم تطلع العلب البلاستيك اللي جايباها معاها…
وتلم باقي الأكل كله.حصري علي صفحة روايات و اقتباسات.
وكريم ومراته كانوا ياخدوا أكل يكفيهم يومين أو تلاتة.
ولا مرة حد عرض يدفع جنيه.
ولا مرة حد غسل طبق.
ولا حتى سألني تعبت إزاي وأنا واقفة في المطبخ بالساعات.
كانوا معتبرين ده حقهم.
من كام أسبوع…راجعت كشف حساب الكريدت كارد.
ولأول مرة حسبت أنا بصرف عليهم قد إيه.
اتفاجئت…إني خلال سنة واحدة صرفت أكتر من نص مليون جنيه على عزوماتهم ومناسباتهم.
وده غير الهدايا…
والسلف…
ورحلة الساحل اللي حماتي قالت إنها هترجعلي فلوسها.
وطبعًا…ولا شفت جنيه.
قعدت أبص للرقم دقيقة كاملة…
وبعدين قفلت اللابتوب من غير ما أتكلم.
بعدها بأيام…حماتي بدأت تتكلم وسط الغدا.
قالت:
“دلوقتي كل المتجوزين بقوا بيفصلوا فلوسهم عن بعض… عشان محدش يستغل التاني.”
وقالت الجملة وهي باصة في عيني.
أحمد كان ساكت.
ساعتها فهمت…
إنهم كانوا متفقين على كل ده من ورايا.
بعدها بأسبوع…أحمد بقى يبعتلي فيديوهات عن إن كل واحد يبقى ليه حساب لوحده.
ويتكلم عن ستات بتستغل جوازها عشان تاخد فلوس الرجالة.
لحد الليلة دي…قدام أمه…
بصلي وقال:
“أنا تعبت من الصرف عليكي… ومن أول الشهر الجاي كل واحد يصرف على نفسه.”
شربت رشفة شاي…وقلت بمنتهى الهدوء: “ممتاز.”
استغرب….”ممتاز؟”
قلت:
“من أول بكرة… كل واحد هيصرف على أكله… ومشاويره… وضيوفه… وكل حاجة تخصه.”
قال: “أنا قصدي نقسم المصاريف بالعدل.”
ابتسمت…. “وأنا كمان.”
تاني يوم الصبح…دخل المطبخ مستني الفطار.
لقاني بفطر بيض وأفوكادو وسلمون مدخن وقهوة.
لكن…مافيش طبق ليه.
فتح التلاجة…كل حاجة أنا اللي شرياها…
عليها استيكر صغير مكتوب عليه اسمي.
البيض.
الجبنة.
اللبن.
العصير.
حتى القهوة.
بصلي وقال:
“آكل إيه دلوقتي؟”
لبست الشنطة وقلت وأنا خارجة:
“أي حاجة تشتريها بفلوسك.”
وقبل ما أقفل الباب افتكرت حاجة.
قلت:
“بالمناسبة… أهلك جايين بكرة.”
قال بسرعة:
“هتطبخي عادي صح؟”
ابتسمت.
“لأ… دول ضيوفك إنت.”
رجعت من الشغل لقيته جايب بيتزا مجمدة، وكيس شيبسي، وزجاجات ساقعة….وكان فاكر إنه أنقذ الموقف.
لحد ما جه يوم الجمعة…الساعة واحدة بالظبط…
الجرس رن…دخلت حماتي…
وراها كريم ومراته وأولادهم…
وخالته…
وابن خالهم.
كلهم داخلين جعانين…
وكل واحد شايل علبة فاضية.
دخلت حماتي المطبخ…واتجمدت مكانها.
لا فيه صينية في الفرن.
ولا محشي.
ولا فتة.
ولا حتى ريحة طبيخ.
بس بيتزتين مجمدين…وأحمد ناسي يطلعهُم من الفريزر.
لفت ناحيتي وقالت:
“فين الغدا؟”
بصيت على أحمد.
وأحمد بصلي.
وفجأة…
وفجأة… وشه جاب ألوان، وبقى مش عارف يودي عينه فين من كتر الإحراج.
حماتي بصتلي بذهول، عيونها كانت هتطلع من مكانها وهي بتبص للرخامة الفاضية اللي متعودة تلاقي عليها ما لذ وطاب، وقالت بصوت طالع بالعافية:
“إيه ده يا ندى؟ هي دي الأصول؟ الناس داخلة بيتك جعانة ومستنية الغدا، وإنتي حاطالي كيسين بيتزا مجمدة في الفريزر؟”
رديت عليها بنفس الهدوء والبرود اللي بيحرق دمهم:
“والله يا طنط العيب مش عليا، العيب على صاحب البيت اللي عزَم. ابنك هو اللي قالي قدامك بالظبط من كام يوم إن كل واحد يصرف على نفسه وعالضيوف بتوعه. وحضرتك كنتي قاعدة وشاهدة، وكنتي مبسوطة أوي بالفكيرة وتقولي عشان محدش يستغل التاني! فدول ضيوف أحمد، ومصاريفهم عليه، وهو اختار يجيب بيتزا مجمدة.. أنا مالي بقى؟”
كريم أخوه اتنحنح ووشه احمر، ومراته بصلتله بضيق وكأنها بتقوله: “جرجرتنا على ملا وشنا ليه؟”، أما العيال فبدأوا يزنوا ويقولوا: “احنا جعانين يا تيتة! فين الفراخ وفين المحشي؟”
حماتي بصت لأحمد بقلة حيلة وقالتله بعصبية:
“إيه العبط ده يا أحمد؟ إنتوا بتتخانقوا على أكل وشرب؟ هي الجوازة بقت كدة؟ تقوم تجيب لـ 10 تنفار بيتزتين من السوبرماركت؟”
أحمد اتلجلج وقال:
“أصل.. أصل ندى كانت متعودة هي اللي بتتفاوض مع الدليفري أو بتطبخ.. وأنا.. أنا ما لحقتش أتصرف.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقمت وقفت وقلت بمنتهى الشياكة:
“عن إذنكم بقى.. أنا محجوزلي ترابيزة في مطعم شيك على البحر مع صحابي، والتاكسي مستنيني تحت.”
مسكت شنطتي، وطلعت أوتفيت جديد كنت شرياه بفلوسي، ومشيت وسبتهم في الصالة واقفين يبصوا لبعض. أحمد كان شكله زي العيل الصغير اللي أمه قفشت حيلته، وحماتي واقفة مش مصدقة إن “صيدلية الخير” وقفت، وإن الوجبات المجانية والتطويرات اللي كانت بتاخدها كل جمعة راحت خلاص.
رجعت بالليل على الساعة 9.
أول ما فتحت باب الشقة، لقيت ريحة البيتزا المطبوعة على الكرتون مالية المكان، والعلب مرمية على السفرة، والعيال كانوا مقلبين الصالة كراكيب. أحمد كان قاعد على الكنبة، حاطت إيده على خده، ووشه يبان عليه التعب والهم.
أول ما شافني، قام وقف وقال بعصبية مستترة:
“إنتي مبسوطة باللي حصل ده؟ عزومتي قدام أهلي اتقطعت بسببك! كريم ومراته مشيوا زعلانين، وأمي مشيت وهي بتقولي ربنا يهديلك حالك وحسيت إني صغير أوي قدامهم!”
قعدت حطيت رجل على رجل، وقلتله:
“إنت اللي صغّرت نفسك يا أحمد. إنت اللي فاكر إن كل حاجة بتيجي بالسهل، وشايف إن الصرف عليا ‘حمل’ عليك. إنت كنت فاكر إن لما تقولي كل واحد يصرف على نفسه، إني هقعد أتحايل عليك وأبكي عشان تصرف عليا؟ إنت نسيت إني مديرة عمليات في أكبر شركة استيراد؟ إنت نسيت إن مرتبي ضعفك؟”
سكت، وماردش.
كملت كلامي بثقة:
“إنت كنت فاكر إن الأكل اللي بيتحط على السفرة كل جمعة ده بيطلع بالسحر؟ المحشي اللي أهلك بياكلوه وبياخدوا الباقي في علب بيكلف قد إيه؟ اللحمة، الفراخ، الحلويات، العصاير.. كل ده كان بيتدفع من فيزتي أنا! إنت ما كنتش بتدفع جنيه واحد في عزومات أهلك، وكنت بتيجي تاكل وتقول ‘تسلم إيدك’ كأنك بتجاملني! دلوقت جه الوقت اللي تعرف فيه القيمة الحقيقية للبيت ده.”
أحمد قرب مني، وحاول يلطف الجو:
“خلاص يا ندى.. إحنا اتعصبنا، ونقدر نقسم كل حاجة بالنص. إنتي تدفعي النص وأنا النص.”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلته يرجع خطوة لورا.
“نقسم بالنص؟ بالعدل يعني؟ ماشي يا أحمد.. تعالى نحسبها بالعدل.”
طلعت اللابتوب بتاعي، وفتحت شيت أكسيل كنت مجهزاه من الصبح.
“بص يا سيدي.. إيجار الشقة دي في الكومباوند 30 ألف جنيه في الشهر. فاتورة الكهرباء والتكييفات اللي شغال طول الصيف بتعمل 4 آلاف. النت والغاز والمياه 2,000. الصيانة والجراج 1,500. إجمالي المصاريف الأساسية للشقة بس 37,500 جنيه. إنت مرتبك كام يا مهندس؟ 25 ألف؟ يعني لو قسمنا بالنص، إنت مطالب تدفع 18,750 جنيه بس عشان تسكن وتفتح النور وتستحمى بماء دافية! يفضل معاك كام من مرتبك؟ حوالي 6 آلاف جنيه.. تاكل بيهم بقى وتلبس وتحط بنزين لعربيتك وتدفع اشتراك الجيم! هتكفيك؟”
أحمد وشه اصفر، وقال بصوت واطي:
“إيه الأرقام دي؟ هو الإيجار بقى كدة؟”
“آه يا حبيبي، ما إنت ما كنتش بتدفع. أنا كنت بدفع الإيجار من حسابي، وإنت بتدفع القسط بتاع عربيتك والجمعية بتاعتك وبتشيل القرشين بتوعك في البنك فاكر نفسك ‘بتصرف عليا’ عشان بتجيب عيش وجبنة وأوقات دليفري!”
“بس أنا الراجل..” قالها بقلة حيلة.
“الراجل لما يشيل مسؤوليته بجد، مش لما ييجي قدام أمه ويتقمص دور الضحية اللي مراته مأكلاه ملحتها! إنت وأمك اتفقتوا عليا وعملتوا فيها خطة عشان ‘توقفوني عند حدي’، وفكرتوا إنكم بكدة بتمسكوني من الإيد اللي بتوجعني. إنتوا نسيتوا إن الإيد دي هي اللي كانت شايلاكم!”
أحمد قعد على الكرسي ومش عارف يرد. كبريائه كرجل اتمسح بيه الأرض، وفي نفس الوقت الأرقام قدام عينيه حقيقة ومش قادرة ينكرها.
قلتله:
“وده غير حساب الخمس سنين اللي فاتوا.. عارف عزومات الجمعة بس كلفنتي كام في الخمس سنين؟ عملت فوق المليون ونص! غير سفرية الساحل اللي أصلًا أمك عزمت نفسها وعيلتها فيها وقالتلي ‘هبعتلك الفلوس على فودافون كاش’ ولا شفت مليم. أنا كنت ساكتة وبقول ميضرش، ده جوزي ودول أهله.. لكن لما توصل إنك تعيرني وتقول ‘زهقت من الصرف عليكي’، يبقى لازم تتعدل الموازين.”
قام وقعد يتلمس أي مخرج:
“يعني إيه يا ندى؟ عايزين نطلق يعني عشان خاطر فلوس؟”
“مين جاب سيرة الطلاق؟” قلتها ببرود أشد.
“إحنا متجوزين عادي.. بس النظام الجديد هيتطبق بالحرف. إنت طلبت إن كل واحد يصرف على نفسه، وأنا وافقت. ومن بكرة، هتوصلك قائمة بنص مصاريف الشقة الثابتة. هتحولهم على حسابي يوم 1 في الشهر. الأكل والشرب؟ كل واحد ليه الرف بتاعه في التلاجة. Cleaning lady اللي بتيجي تنظف الشقة؟ أنا هتدفعلها عشان تنظف الأوضة بتاعتي والحمام بتاعي بس، وأوضتك إنت تنظفها بنفسك أو تدفلها نصيبك.”
أحمد بصلي بصدمة:
“إنتي بتتكلمي جد؟ هتعملي رفوف في التلاجة؟ ومش هتخليهم ينظفوا أوضتي؟ إنتي بتعاقبيني؟”
“أنا مش بعاقبك، أنا بنفذ طلبك. إنت اللي قولت مش عايز تصرف عليا، وأنا أعدت لك تعريف ‘الصرف’. إنت كنت فاكر إنك بتصرف عليا عشان بتجيبلي حاجة حلوة وأنت جاي من الشغل؟ إنت كنت عايش في خير مرتبي، ومستمتع بالخدمة خمس نجوم، وجاي في الآخر تطاول عليا قدام أمك؟”
في اللحظة دي، تلفون أحمد رن.
كانت أمه.
فتح السبيكر من غير ما يقصد أو ربما كان عايزها تنقذه.
صوت الحاجة فاطمة جه من التلفون حاد ومكتوم:
“إيه يا أحمد؟ عملت إيه مع السنيورة؟ طمنتي.. عقلت ولا لسة راكبة رأسها؟ أنا بقولك يا ابني ما تسكتلهاش، الست لما تحس إن معاها فلوس بتتكبر على جوزها، اركب راسك وقولها يا تدفعي النص يا بيت أبويك يلمك!”
أحمد بص للتلفون وبصلي، وكان شكله مرعوب.
مسكت التلفون من إيده، وقربته من بوقي وقلت بمنتهى الهدوء:
“مساء الخير يا حاجّة فاطمة.. معلش أحمد مش فاضي يرد عليكي دلوقت، أصل قاعد بيحسب نصيبه في إيجار الشقة ومصاريف الكهرباء والخدمة عشان يحولهالي الصبح. وبالمرة كتر خيرك، ياريت الجمعة الجاية تجيبوا معاكم الغدا معاكم وتكتروا عشان أحمد مش هيكون معاه ميزانية يعزمكم البيتزا المجمدة تاني.. باي يا طنط!”
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة.
أحمد بصلي وعيونه متوسعة من الذهول:
“إنتي قفلتي السكة في وش أمي؟”
“لأ، أنا قفلت الباب اللي كنتوا بتدخلوا منه عشان تستغلوني. وأهم حاجة يا أحمد.. افتكر كويس، الشوق للبيتزا المجمدة بيبدأ من الجمعة الجاية.”
دخلت أوضتي وقفلتي الباب بالمفتاح، وسبته قاعد في الصالة وسط كراتين البيتزا الفاضية، يحسب أول مرة في حياته.. تمن كل حاجة كان فاكرها ببلاش.