جوزي قالي انه زهق من الصرف عليا حكايات مني سيد

قضيت الليلة دي في أوضتي وأنا حاسة براحة نفسية بقالي سنين ما حسيتهاش. لأول مرة من يوم ما اتجوزت، أنام بالي مرتاح وما أصحاش على همّ التفكير في عزومة الجمعة أو ترتيبات الشقة.
صحيت الصبح على صوت حركة خفيفة في المطبخ. اتعدلت في سريري، بصيت في الساعة كانت 8 الصبح. قمت أخدت دش دافي، ولبست طقم شيك من بتوع الشغل، وخرجت بابتسامة هادية على وشي.
لقيت أحمد واقف في المطبخ، لابس قميص البدلة بس مش مقفول، وشه دبلان وتحت عينيه أسود واضح إنه مانامش طول الليل. كان ماسك براد الشاي الفخار القديم وبيحاول يغليه على البوتاجاز، وقدمه طبق فيه حتة جبنة بيضا ناشفة وربع رغيف بلدي من بتاع امبارح.
أول ما شافني، رفع عينه ورجّع شعره لورا بقلة حيلة.
أنا ما حطيتش عيني في عينه.. فتحت الرف بتاعي في التلاجة، طلعت علبة السلمون، والبيض الأورجانيك، والزبادي باليوناني اللي بحبه. شغلّت مكنة القهوة الاسبريسو، وخلال عشر دقايق كنت مجهزة فطار يفتح النفس، وحطيته على الترابيزة الصغيرة اللي في المطبخ وقعدت آكل بكل هدوء.
أحمد بصللي وبلع ريقه، وبعدين قال بصوت واطي ومبحوح:
“صباح الخير يا ندى..”
قلت وأنا بقلب صفحة في الموبايل بشوف إيميلات الشغل:
“صباح النور.”
قرب خطوة، وسند إيده على الرخامة وقال:
“هو إحنا بجد هنكمل كدة؟ إنتي هتاكلي قدامي سلمون وقهوة اسبريسو، وأنا باكل جبنة ناشفة وعيش بايت؟ هي دي العيشة اللي ترضيكي؟”
رفعت عيني بصيتله ببرود وقلت:
“أنا مالي يا أحمد؟ إنت اللي اخترت. إنت اللي جيت امبارح وقبل امبارح قدام أمك وتقول ‘زهقت من الصرف عليكي وكل واحد يصرف على نفسه’. إنت معاك فلوسك، انزل السوبرماركت واشتري السلمون والجبنة اللي تعجبك، واشتري مكنة قهوة لحسابك وحطها في الرف بتاعك. مين منعك؟”
قال بعصبية مكتومة وشه أحمر:
“إنتي عارفة إن مرتبك ضعف مرتبي! وعارفة إن الالتزامات اللي إنتي حطيتيها عليا امبارح دي هتخليني أتسول بقية الشهر!”
أنا ما اتأثرتش.. شربت بؤ قهوة وقلتله:
“ودي مشكلتي ولا مشكلتك؟ لما كنت أنا بشيل الإيجار والمصاريف والعزومات، كنت بتوفر مرتبك عشان تحطه في البنك وتدفع أقساطك وإنت حاطط رجل على رجل، وتيجي في الآخر قدام أهلك تنفخ صدرك وتقول إنت اللي بتصرف! دلوقت لما كل واحد بقا يشيل شيلته الحقيقية، زعلان ليه؟”
سكت، وجاب ورا.
أحمد طول عمره مقتنع إن كبريائه بيزيد لما يقلل مني، بس أول ما الأرقام والواقع يخبطوا في وشه، بيكتشف إنه كان عايش في وهم من غزل إيدي أنا.
أخدت شنطي ومفاتيح عربيتي وقمت.
قبل ما أخرج من المطبخ، بصيتله وقلتله:
“أنا حولتلك على الواتساب كشف حساب بمصاريف الشقة للشهر ده، نصيبك 18 ألف و750 جنيه. قدامك لحد يوم 1 في الشهر تحولهم على حسابي، عشان الإيجار بيتسحب تلقائي. عن إذنك عشان متأخرة على الشركة.”
سبته واقف في المطبخ مصدوم، ومشيت.
وصلت الشغل في مدينة نصر، دخلت مكتبي، واليوم كان زحمة واجتماعات مع شركات الملاحة والشحن. بس دماغي كانت شغال في حتة تانية.. كنت عارفة إن الحرب لسة ما خلصتش، وإن أم أحمد مش هتسكت.
واللي توقعته حصل بالظبط.
الساعة كانت 2 الضهر، لقيت تليفوني بيرن.
رقم حماتي.. الحاجة فاطمة.
سبت التليفون يرن لحد ما قرب يفصل، وبعدين فتحت الخط وحطيته على السبيكر وأنا بكمل شغل على اللابتوب.
“أيوة يا طنط.. خير؟”
صوتها جه ملغوم بالغل، بس بتحاول تظبط نبرتها عشان تبان هي الكبيرة:
“أيوة يا ندى.. إيه المعاملة اللي عاملتيهاني امبارح دي؟ تقفلي السكة في وشي؟ هي دي التربية اللي تربيتيها؟”
رديت بمنتهى الهدوء:
“والله يا طنط التربية بتقول إن محدش يتدخل بين الراجل ومراته في بيتهم، ولا يحرض الابن على مراته وهو قاعد ياكل في بيتها. وأنا ما قفلتش السكة، أنا بس بلغتِك بالوضع الجديد عشان تبقي على نور وما تتفاجئوش الجمعة الجاية.”
صوتها اتغير وبقى حاد:
“وضع جديد إيه يا هانم؟! إنتي فاكرة نفسك مين؟ إنتي حتة ست بتشتغلي، وأحمد ابني سيد الرجالة، ومن حقه يربيكي ويقولك اصرفي من معيتك! إنتي نسيتي إنك عايشة في خيره وفي بيته؟”
ضحكت ضحكة قصيرة وقلت:
“خيره؟ بيته؟ طنط.. هو أحمد ما قالكيش؟ الشقة دي إيجارها 30 ألف جنيه، أنا اللي بدفعهم من جيب كارتي بقالي خمس سنين. ابنك مرتبي ضعفه يا طنط! ابنك لما بياكل قطعة لحمة في بيته بتكون بفلوسي أنا. ابنك اللي حضرتك جاية تقوليلي سيد الرجالة، كان بيعزمك إنتي وعيلتك كل جمعة بألفين وثلاث آلاف جنيه من فيزتي أنا! إنتوا اللي كنتم عايشين في خيري بقالكم خمس سنين، ومش بس كدة.. كنتم بتاخدوا الأكل في علب بلاستيك وتذموا في الملح!”
السكون حل في الخط لمدة خمس ثواني كاملين.
صدمة الشلجم جاتلها.. فاطمة كانت فاكرة إن أحمد هو اللي طاير بيها في السماء وبيدفع ويصرف، وإن أنا مجرد ست بيتها بتطبخ وبتاخد مصروف.
ردت وهي بتتأتأ من الصدمة والغيظ:
“إنتي.. إنتي كدابة! أحمد ابني هو اللي شايل البيت! إنتي بتتبلي عليه عشان تصغّريه قدامي!”
قلت لها بروقان:
“طب اسأليه يا طنط. اسأليه مين بيكتب شيك الإيجار كل شهر؟ اسأليه سفرية الساحل اللي حضرتك قعدتي فيها أسبوعين في الشاليه وشربتي وأكلتي إنتي وأولاد أحفادك كلفنت كام ومين اللي دفعها؟ اسأليه قبل ما تسخنيه عليا. وعموماً، ابنك طلب إن كل واحد يصرف على نفسه، وأنا نفذت ورضيت.. فياريت بقى لما تجوا الجمعة الجاية، تخلوا ابنك سيد الرجالة هو اللي يدفع حق الأكل، أو تطلعوا تاكلوا في مطعم على حسابه.. سلام يا طنط عشان عندي اجتماع.”
وقفلت السكة.
الضربة دي كانت قاضية.
أنا عارفة فاطمة كويس.. الست دي أهم حاجة عندها شكلها قدام سلفاتها وعيلتها، وإنها تبان الأم اللي ابنها مهنيها ومقعدها في العز. لما تكتشف إن ابنها كان عايش على قفا مراته، وإن مراته هي اللي كانت مأكلاها ومشارباها، كبريائها هيتدمر.
رجعت البيت الساعة 7 بالليل.
أول ما فتحت الباب، لقيت الشقة هادية زي المقابر.
أحمد كان قاعد في الصالة، والبيت على حطته من امبارح.. علب البيتزا الفاضية لسة على السفرة، والأطباق بتاعة الفطار بتاعه مرمية في الحوض.
أول ما شافني دخلت، قام وقعد يمشي في الصالة رايح جاي.
“ندى.. إنتي كلمتي أمي وقدمتيلها كلام فارغ زي ده؟ أمي اتصلت بيا وهي بتعيط وبتصرخ وتقولي إني عيل ماليش كلمة، وإن مراتي هي اللي ممشياني وبتقول إنها هي اللي بتصرف عليا!”
قعدت على الكنبة، قلعت جزماتي، وبصيتله بجمود:
“وهو أنا كدبت يا أحمد؟ مش دي الحقيقة؟”
صرخ فيا وشه محمر:
“الحقيقة مش كدة! الحقيقة إننا متجوزين وبنكمل بعض! إنتي كدة بتكسري راجلك قدام أهله! إنتي كدة بتهينيني!”
وقفت قدامه، وبصيت في عينيه بثبات يخليه يرجع لورا:
“إنت اللي كسرت نفسك لما قعدت قدام أمك وهي بتقولك ‘عشان محدش يستغل التاني’ ووافقتها! إنت اللي كسرت نفسك لما جيت تقول لي ‘زهقت من الصرف عليكي’ وأنا أصلًا اللي شايلتك وشايلاهم! إنت كنت عايز تبان سي السيد قدامهم على حسابي، عايز تطلعني أنا الست الطماعة الاستغلالية، وفي نفس الوقت تاكل من خيري! إنت عايز الميزة من غير ما تدفع التمن يا أحمد!”
أحمد سكت، وشه بدأ يتغير، وعينيه بقى فيها الخوف. الخوف الحقيقي بتاع الشخص اللي اكتشف إن الغطاء اتكشف من عليه نهائي.
قال بنبرة أهدى، فيها توسل استغاثة:
“طب خلاص يا ندى.. أنا آسف. أنا غلطت لما سمعت كلام أمي. أنا اتأثرت بالفيديوهات وكلام الناس.. خلاص، نرجع زي الأول، وأنا أوعدك مش هفتح البق ده تاني.”
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وقلتله:
“نرجع زي الأول؟ ههههه.. لأ يا أحمد. اللي انكسر ما بيتصلحش بنفس السهولة دي. إنت كنت فاكر إن الجواز ده كارت بلانش تستغلني بيه، ولما تزهق ترميلي كلمتين تهين بيهم كرامتي. لأ.. النظام الجديد مستمر.”
“يعني إيه؟” قالها بصوت طالع بالعافية.
“يعني الإيجار والمصاريف النص بالنص. ومفيش عزومات جمعة على حسابي تاني. ومفيش طبيخ ليك. إنت تنظف لنفسك، وتغسل لنفسك، وتطبخ لنفسك. لو عايز تعزم أهلك، اتفضل عزومهم من جيبك وعلى حسابك. خلينا نشوف ‘سيد الرجالة’ هيصرف كام على عزومة واحدة من بتوع كل جمعة.”
سيبته ودخلت المطبخ..
الحوض كان مليان أطباق من امبارح ومن الصبح بتوعه.
أنا ما لمستش طبق واحد منهم.
طلعت أطباقي أنا النظيفة، عملت لنفسي عشا خفيف، وأكلت، وغسلت طبقي وكوبايتي وحطيتهم في المطبخ، وسبت باقي الحوض زي ما هو.
أحمد دخل المطبخ، بص للحوض المليان، وبصلي..
كان شكله زي حد غرقان في شبر مياه.
مرت الأيام الخمسة اللي بعد كدة زي الكابوس بالنسبة لأحمد.
أحمد مهندس مدني، متعود يرجع البيت يلاقي الأكل سخن ومحطوط، الشقة معطرة، الهدوم مغسولة ومكوية في الدولاب.
دلوقت؟
رجع يوم التلات لقاه مفيش أكل.. اضطر ينزل يجيب كشري.
يوم الأربعاء جه يتصور بالقميص الأبيض بتاعه عشان عنده اجتماع مهم في الشركة، لقاه مغسول بس مفيش حد كواه.. اضطر يقف يكوي القميص بنفسه ولسبه محروق حتة صغيرة من الأسيور!
التلاجة بقت مقسومة.
الرف بتاعي فيه أكل طازة، فاكهة، عصاير، وجبات جاهزة شرياها لنفسي.
الرف بتاعه فيه علبة جبنة رومي ناشفة، ولتر لبن قارب ينتهي تاريخه، وكيس عيش.
كل يوم كان بيشوف الفرق ده، وكان كبريائه بيموت حتة حتة.
وجاء يوم الخميس بالليل..
اليوم اللي قبل الجمعة الموعودة.
التليفون رن عند أحمد، وكان على السبيكر وهو قاعد في الصالة.
صوت أخوه كريم جه على الخط:
“إيه يا أبو حميد؟ جاهزين لبكرة؟ أمك بتقولنا نجمع كلنا عندك الساعة 1 بعد الصلاة.. ونادية مراتي بتقولك خلّي ندى تكتر من صينية اللحمة المرة دي عشان الأولاد بيحبوها.”
أحمد بصلي بمنتهى الرعب، وأنا كنت قاعدة على الكنبة التانية بقرأ كتاب وبشرب شاي، ولا كأني سامعة.
أحمد اتلجلج وقال:
“أااا.. كريم.. هو بص.. بكرة ظروفنا مش مظبوطة أوي..”
كريم استغرب وقال:
“ظروف إيه يا عم؟ هو إحنا غرب؟ إحنا جايين ناكل لقمة سوا ونقعد مع أمك! وبعدين ندى أختنا وما بتتأخرش.. قولي بس هي هتعمل إيه عشان نادية تجيب معاها العلب البلاستيك عشان تاخد الباقي كالعادة.”
الكلمة دي.. “العلب البلاستيك”.. نزلت على أحمد زي السوط.
لأول مرة أحمد يحس بالكسفة والإهانة اللي أنا كنت بحس بيهم لما كانوا بيلموا الأكل ويمشوا ولا كأني تعبت فيه!
أحمد قال بصوت متوتر:
“لأ يا كريم.. ندى مش هتطبخ بكرة.”
كريم اتصدم:
“يعني إيه مش هتطبخ؟ مالها؟ تعبانة؟”
أحمد بلع ريقه وبصلي، وبعدين قال بشجاعة مزيفة:
“لأ مش تعبانة.. بس إحنا قررنا إننا نطلب أكل من برة بكرة على حسابي.”
كريم ضحك وقال:
“يا سيدي ماشي! طالما هتطلب دليفري كباب وكفتة أو مشويات يبقى فل أوي! خلاص، هنجيب العيلة كلها، وخالتك هتيجي معانا وابنها!”
وقفلت المكالمة.
أحمد قعد على الكرسي، ومسك راسه بين إيديه.
أنا قفلت الكتاب وبصيتله وقلتله بابتسامة:
“ما شاء الله يا أحمد.. عيلة كريم ومراته والتلات عيال، وأمك، وخالتك وابنها، وإنت.. يعني 9 تنفار! عزومة مشويات لكباب وكفتة لـ 9 أفراد في القاهرة دلوقت هتكلفك كام؟ أقل حاجة 4 آلاف لـ 5 آلاف جنيه يا مهندس. جاهز للفيزة؟”
أحمد رفع رأسه وشها أصفر كأنه شاف عفريت:
“خمس آلاف جنيه؟! في وجبة واحدة؟!”
“آه طبعاً.. ما إنت كنت فاكر إن صينية اللحمة والمحشي والبط والعصاير والحلويات اللي كنت بعملها بتتكلف كام؟ كنت فاكرها بتطلع ببلاش من الأرض؟ إنت امبارح بس عرفت تمن البيتزا، بكرة هتعرف تمن الكباب!”
أحمد صرخ بقلة حيلة:
“أنا ما معاييش 5 آلاف جنيه أرميهم في وجبة واحدة! أنا فاضل في حسابي كلو على بعضه 8 آلاف جنيه لحد آخر الشهر، ومطالب أدفعلك 18 ألف ونص إيجار ومصاريف يوم 1!”
قمت وقفت وقربت منه وقلتله بكلمات حاسمة زي السيف:
“ودي مشكلتك إنت يا أحمد.. إنت اللي أعلنت الحرب، وإنت اللي أصرّيت إنك ‘زهقت من الصرف عليا’. اتفضل ورّي عيلتك كرمك، وريهم ‘سيد الرجالة’ وهو بيصرف على عزومته. ولا أقولك؟ ممكن تجيب لهم بيض وجبنة بلدي، وتخليهم يلموا الباقي في العلب البلاستيك بتعتهم!”
سيبته ودخلت أوضتي، وسبته يغرق في أفكاره وحساباته.
جه يوم الجمعة.. الساعة 12 الظهر.
الشقة كانت أهدى من المعتاد. أنا مجهزة نفسي، لابسة دريس أزرق شيك جداً، وحاطة ميك أب خفيف، ومجهزة شنطتي.
أحمد كان صاحي من 8 الصبح، رايح جاي في الشقة زي المجلوب.
نزل السوبرماركت، ورجع شايل أكياس..
فتحت الباب ولقيته جايب: فرختين مجمدين، وكيسين رز، وعلبتين صلصة، وكيس مكرونة!
كان بيحاول يطبخ بنفسه عشان يوفر فلوس الكباب!
دخلت المطبخ ولقيته واقف قدام البوتاجاز، الحلة محروقة من التحت، والرز معجن، والفرخة لسة نية من جوة والدم طالع منها، وهو واقف عرقان ودموعه نازلة من ريحة البصل والحرارة!
بصلي بنظرة انكسار رهيبة وقال:
“ندى.. أرجوكي.. ساعديني. أمي والعيلة على وصول، والرز اتحرق والفرخة مش راضية تستوي.. أرجوكي الحقيني، أنا أسف.. والله العظيم أسف على كل كلمة قولتها!”
بصيت للبوتاجاز، وبصيت لساعتي.. كانت 12:45.
قلتله ببرود تام:
“الأسف ما بيصلحش الأكل المحروق يا أحمد. وإنت اللي اخترت الطريق ده.. اتعلم تسد في الإلتزامات اللي بتفتح بقك بيها.”
وفي اللحظة دي.. جرس الباب رن!
وصلوا!
أحمد اتجمد مكانه، ووشه بقى أبيض زي الملاية.
فتح الباب وهو بيتفاض..
دخلت الحاجة فاطمة، وراها كريم ومراته نادية وأولادهم التلاتة، وبعدين خالتهم وابنها.
دخلوا الصالة وهما بيضحكوا ويهزروا..
حماتي دخلت وهي باصة في الشقة بثقة، وتقول:
“ما شاء الله.. إيه الريحة دي؟ فين الغدا يا أحمد؟ ندى عقلت وطبخت ولا إيه؟”
في اللحظة دي، أنا خرجت من الأوضة بشنطتي على كتفي، وبصيتلهم بابتسامة ناصعة.
“أهلاً يا طنط.. أهلاً يا كريم. نورتوا.”
حماتي بصتلي بضيق وقالت:
“على فين إن شاء الله يا هانم؟ لابسة ورايحة فين والناس في بيتك؟”
رديت بثقة وابتسامة عريضة:
“والله يا طنط أنا رايحة اتغدا في مطعم مع أصحابي.. أما بالنسبة للغدا، فابنكم ‘أحمد’ هو اللي قائم بالواجب النهاردة. هو اللي نزل واشترى وبنفسه وقف في المطبخ يطبخلكم عشان يوفر ويثبتلكم إنه بيعرف يصرف!”
كريم بصلها باستغراب ودخل المطبخ..
وبعد ثانية واحدة، طلع كريم ووشه مصدوم وهو ماسك الحلة المحروقة في إيده وقال:
“إيه ده يا أحمد؟ هو ده الأكل؟ الرز محروق والفرخة نية وريحة الشياط مالي الشقة؟ هو إحنا جايين ناكل أكل محروق؟”
نادية مراته بصت للعلب الفاضية اللي جيباها معاها، وقالت بقرف:
“إيه ده؟ فين المحشي وفين اللحمة؟ إحنا جايين من آخر الدنيا على رز محروقوفرخة نية؟”
حماتي فاطمة بصت لأحمد بذهول وصدمة وقالتله بصوت جهوري:
“إيه العك ده يا أحمد؟! إنت مأكلنا أكل محروق؟ فين الطبيخ اللي بنثكل منه كل جمعة؟ فين خير البيت؟”
أحمد وقف وسطهم، وشه في الأرض، عرقان، متبهدل بالصلصة والبصل، ومش عارف يقول إيه.
بصيتلهم كلهم، ورفعت نظارتي الشمسية حطيتها على وشي وقلت:
“خير البيت كان خيري أنا يا طنط.. ولما ابنك حب يوريكم رجولته وصرفه، هي دي النتيجة! أكل محروق وفرخة نية. أتمنى لكم وجبة ممتعة.. عن إذنكم عشان التاكسي مستنيني تحت!”
فتحت باب الشقة، وخرجت..
وسبت الباب مفتوح ورايا على صوت صراخ حماتي على أحمد، وخناق كريم معاه، وأحمد واقف بينهم مهزوم، مكسور، وبيسدد تمن كل حاجة كان فاكرها بـ “بلاش”.
نزلت السلم وأنا باخد نفس عميق..
عاطفياً ومادياً، أنا كسبت حريتي وكرامتي. والدرس اللي اتعلموه الجمعة دي، مش هينسوه طول حياتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *