فستان حماتي
.”
قرب مني: “فريدة، أرجوكِ.. بلاش تدخّلينا في الحيطة.”
كنت هضحك: “هي اللي دخلتنا في الحيطة!”
”بس إحنا اللي بنكمل فيها!”
”عشان برفض أعمل نفسي مش شايفه؟”
”عشان بتكبري موضوع الفستان أكتير من الجوازة نفسها!”
الجملة اتتتقالت بهدوء.. بس كانت متقاسة.
كان بيفكر فيها بجد.
دموعي جمعت في عيني: “الفستان مش أكتير أهمية من الجوازة.. الجوازة هي اللي مخليا الفستان له قيمة وموقف!”
كان باصص لي ومش فاهم.
”أنا محتاجة اعرف، أنت هتحمي علاقتنا لما موضوع تحميها ده يزعل أمك ولا لأ؟”
”أنا بتجوزك أهو!”
”ده كتب كتاب ومظاهر!”
”ده التزام!”
”يبقى التزم بيه دلوقتي!”
دعك جبهته بقلة حيلة: “أنا طول عمري عايش بحاول أراضي مشاعرها وأعديها!”
”عارفة.”
”لو رفضتها النهاردة، ممكن ما تكلمنيش تاني طول عمرها.”
”هتكلمك.”
”أنتِ مش ضامنة.”
”صح.. مش ضامنة.”
بص ناحية الجنينة: “أنا ما أقدرش أخسر عيلتي النهاردة.”
سمعت الجملة بوضوح شمس الضهر.
مش “ما أقدرش أخسرك انتِ”.. لأ، “ما أقدرش أخسر عيلتي.”
سهير نجحت إنها تخلي الفرح اختبار: يا يختارها يا يختارني.
كنت أتمنى يرفض الاختبار ده أصلاً، بس هو دخل اللعبة وشربها.
”أمال عايزني أنا أخسر إيه؟” سألت بكسرة.
”أنتِ مش بتخسري حاجة!”
”كرامتي!”
”محدش يقدر ياخد كرامتك.”
”سهل تقول كده لما ما تكونش الإهانة نازلة على دماغك أنت!”
”هي طالعة شكلها يضحك ومكشوفة يا فريدة، الكل فاهم إنها بتستعبط.”
”وده المفروض يواسين يعني؟”
”نوعاً ما، أه.”
”عايزني أدخل كتب الكتاب وجنبي أمك لابسة زيي عشان المعازيم يقعدوا يقلشوا عليها في السِر؟”
”هي اللي عملت في نفسها كده.”
”وأنت وافقت لها!”
”لأ!”
”أنت دخلتها القصر!”
”كنت بحاول أنقذ اليوم!”
”عشان مين؟”
كان شكله مهدود: “ليه بتتكلمي معايا كأنك وكيل نيابة؟”
”عشان لما اتكلمت معاك كخطيبتك ما جابش نتيجة.”
أتضايق، بس كان كلامي حقيقي.
فاليريا خبطت ودخلت: “فاضل 5 دقائق.”
مازن بص لي: “هتعملي إيه؟”
بصيت للبوكيه، وبعدين للشخص اللي كنت عايزة أكمل حياتي معاه.
”هطلع أكتب الكتاب.”
نفسه هدي: “الحمد لله…”
”بس،” كملت، “شرطي الوحيد.”
”إيه؟”
”في الصور الرسمية بعد كتب الكتاب، أمك مش هتتحط في أي صورة معانا إلا لو غيرت الفستان ده.”
الارتياح اختفى من وشه: “وصورة العيلة؟”
”لأ.”
”كده هيحصل خناقة ثانية!”
”سيبها تحصل.”
بص لي بذهول: “أنتِ بتعاقبيها.”
”أنا برفض أساعدها ترسم الصورة اللي هي عايزاها.”
”صورة إيه؟”
”صورة العريس اللي واقف بين عروستين!”
وشه اتغير.. ولأول مرة حس بالصورة في خياله قبل ما تتصور.
”هي مش تقصد…”
”تقصد ونص.”
فاليريا اتكلمت: “لازم ناخد قرار.”
مازن بص لي: “ماشي.. مفيش صور معاها بالفستان ده.”
”بلّغ المصور.”
”هبلغه.”
”وبلغها هي كمان.”
تردد.. وبعدين هز رأسه: “هبلغها.”
كان ده أقل من اللي طلبته.. عارفة.
بس اخترت أعديها وقتها.
يمكن الحب بيخلينا نفاوض في حاجات المفروض نسيب المكان ونمشي بسببها.
يمكن كنت محتاجة أشوف اللي هيحصل بنفسي.
رجعت لمدخل القصر.
أمي بصت في وشي: “سابها تقعد؟”
”أه.”
”وهتكملي عادي؟”
”أه.”
بصت لي بخيبة أمل بس ما جادلتش: “ده اختيارك.”
”شايفاه غلط؟”
”شايفاكي بتدفعي ثمن غالي أوي عشان تتأكدي من حاجة.”
بدأ كتب الكتاب.
المعازيم وقفوا وأنا داخلة الجنينة.
ورد أبيض مغطي الممر، وشمس العصر طالعة بين الشجر، ومازن واقف تحت كوشة خشب هادية جنب المأذون.
وبعدين شفت سهير.
قاعدة في أول صف.
بفستاني.
حاطة توتة ألماظ في شعرها وحلق كبير، وشفايفها مبتسمة بانتصار.
المعازيم كانوا بيبصوا بيني وبينها.
واحدة ست بؤها اتفتح من الصدمة.
سهير رفعت رأسها لفوق وكأنها بتقول للناس “قارنوا براحتكم”.
فضلت ماشية.
أمي كانت عرضت تمشي جنبي، بس أنا اخترت أمشي لوحدي.
كل خطوة كانت غريبة.
الفستان كان مريح وبيتحرك معايا زي ما تخيلت بالظبط وأنا بختاره.
مازن كان باصص لي أنا ومش باصص لأمه.. وده ساعدني شوية.
مش أكتير أوي.. بس ساعد.
لما وصلت له، مسك إيدي: “جيتي.”
”أه.”
المأذون بدأ.
اتكلم عن المودة والرحمة، وعن الوفاء بالاختيار كل يوم.
الكلام كان له طعم تاني خالص غير اللي تخيلته الصبح.
لما مازن جه يردد ورا المأذون، صوته كان بيرتعش.
ووعد إنه يصونني ويحمي بيتنا ويختار جوازنا في الصعب.
كنت بسمع بتركيز.
وبعدين قلت كلامي وردا المأذون.
مش بعماية.. ولا عشان الصبح اتمسح.
بس عشان كنت لسه عندي أمل إنه يكبر ويتحول للراجل اللي بيقوله في كلامه.
لما المأذون قال “بارك الله لكما”، المعازيم صقفوا.
وسهير قعدت تعيط بتمثيل في منديل دانتيل!
بعد كتب الكتاب، اتجهنا للجنينة عشان الصور.
المصور بدأ بصور العرسان، وبعدها عيلتي.
أمي وقفت جنبي بالفستان الكحلي، ملامحها هادية بس مش مبسوطة.
وبعدين جه دور عيلة مازن.
سهير قربت بثقة.
مازن وقف قدامها: “يا أمي.”
ابتسمت: “أقف فين؟”
”لازم تغيري الفستان قبل الصور الرسمية.”
ابتسامتها اتجمدت: “إيه؟”
”الفستان الكحلي لسه فوق في الأوضة.”
بصت لي أنا.. وأنا حافظت على وشي خالي من أي تعبير.
”دي هي اللي قالتلك تعمل كده!”
”لأ،” مازن قال، “أنا اللي كان المفروض أكون واضح من بدري.”
المصور نزل الكاميرا.
شوية من القرايب عملوا نفسهم مش سامعين.
عين سهير اتملت دموع في ثواني: “أنت بتطرد أمك من الصورة؟”
”أنا بطلب منك تلبسي فستان مناسب.”
”الفستان ده مناسب جداً!”
”ده شبه فستان فريدة بالظبط.”
”ده تصميم كلاسيك عادي!”
”أنتِ نقلتيه منها!”
شهقت: “إزاي تتضمن ي وتتهمني بكده؟!”
”أنا كنت معاكِ في البروفة وسمعتك!”
وشها نشف واتحجم: “أنت بتهينني قدام الناس كلهم!”
مازن كان باين عليه التعب بس فضلت واقف: “تقدري تطلعي تغيري وترجعي.”
”ولو رفضت؟”
”يبقى مش هتكوني في صور العيلة الرسمية.”
سهير لفت لي: “أكيد انتِ مبسوطة دلوقتي!”
”لأ،” قلت، “أنا كان نفسي في فرح طبيعي بس.”
”ده فرح طبيعي!”
”لأ مش طبيعي.”
قعدت تدور على حد ينصرها.
أختها قربت: “سهير.. معلش انزلي غيريه عشان الصور والتصوير.”
”أنتِ كمان يا أختي؟!”
”عشان كلام الناس والقال والقال بس.”
كلمة “كلام الناس” هزتها.
سهير كان يهمها أوي الصورة اللي هتنزل في المجلة وشكلها قدام المجتمع.
بصت لمازن تاني: “لو غيرت، الناس هتقول إني عملت حاجة غلط!”
أمي اتكلمت من ورايا: “هما شايفين إنك عملتي حاجة غلط من ساعة ما دخلتي القصر أصلاً.”
بصيت لأمي.. ما اعتذرتش على كلامها.
سهير بصت لأمي بغل صافي.
وبعدين لفت ومشت.
للحظة، افتكرت إن الموقف اتلم والحدود اتقالت.
عدت 10 دقائق.
المصور كمل تصوير مع المجموعات الصغيرة.
وفجأة سهير رجعت.
لسه لابسة الفستان الأبيض!
مشيت بثقة، وقفت جنب مازن مباشرة، شبكت إيدها في دراعه، وبصت للكاميرا.
”صور صورة العيلة يلا،” قالت بآمر.
المصور بص لمازن.
مازن سكت.
السكوت ده قعد ثواني بسيطة.. بس كان كفاية.
سهير ابتسمت.
أنا كنت واقفة الناحية الثانية من مازن.
المنظر كان زي ما تخيلت بالظبط:
العروسة على الشمال.
الأم بفسان عروسة أخت الفستان على اليمين.
العريس في النص.
وسهير ماسكة دراعه بقوة.
مازن ابتسم ابتسامة مش مظبوطة قدام الكاميرا.
وأمي واقفة بعيد بالفستان الكحلي، وشها مقلوب.
المصور صور صورة.. وبعدين ثانية.
لفت لمازن: “أنت قلت لأ.”
وطى صوته: “مش راضية تتحرك.”
”يبقى أنت اتحرك!”
”يا فريدة…”
”ابعد عنها يا مازن!”
المعازيم بدأوا يركزوا.
المصور نزل الكاميرا تاني.
مازن بص لأمه: “أمي.. أرجوكِ.”
سهير مسكت فيه أكتير: “هي صورة واحدة بس!”
”أنتِ أخدتي صورة خلاص،” قلت لها.
ابتسمت لي ببرود: “ونأخد ثانية عادي.”
الابتسامة دي نهت حاجة جوايا.
مش الجوازة.. مش في ساعتها.
بس نهت النسخة القديمة مني، الست اللي كانت فاكرة إن الصبر هيربي الناس ويخليهم يحترموها في الآخر.
طلعت برة كادر الصورة.
مازن بص ورايا: “فريدة!”
مشيت ناحية أمي.
ورايا، سهير كانت لسه ماسكة في دراعه.
المصور ما صورش تاني.
أمي بلغتني في النص: “عايزة تمشي؟”
بصيت على القاعة المعازيم، والراجل اللي لسه كاتبة كتابي عليه من شوية.
”لأ.”
”ليه؟”
”عشان عايزة أفهم أنا بختار إيه بالظبط قبل ما أهد كل حاجة.”
هزت رأسها ببطء: “ده هيبحتاج وقت.”
”عارفة.”
البوفيه والعشاء بدأوا ببيخة وسخافة.
الناس كانت بتشرب وتأكل بسرعة.
محدش كان بيتكلم عن الفستانين علن، بس كنت بشوف نظراتهم.
فيه ناس افتكرت دي تقاليد عيلة غريبة!
وناس ثانية همست إن يمكن ده كتب كتاب مشترك لعروستين!
صاحباتي القريبين كانوا هينفجروا من الغيظ.
واحدة عرضت تاني تدفق عليها شاي أو عصير.
رفضت: “مش هبقى القصة اللي هي عايزاها.”
”قصة إيه؟” سارة سألت.
”قصة العروسة الغيورة اللي بتتهاجم على أم جوزها المسكينة.”
”أنتِ مش غيورة!”
”أنا عارفة.. بس الناس بتألف قصص.”
سهير دخلت القاعة آخر واحدة.
كانت لسه بالفستان الأبيض.
ثقتها رجعت لها تاني.
كانت بتسلم على الترابيزات وكأنها هي صاحب الفرح ومستضيفة الناس!
ولما المصور بتاع المجلة قرب، راحت وقفت جنب مازن على طول.
شفت المخطط خلاص:
كل صورة مهمة هتكون هي فيها.
تقطيع التورتة.
الشربات.
الرقصة الأولى.
كانت عايزة إثبات مصور إنني دخلت حياة ابنها من غير ما أزحزحها من مكانها.
على العشاء، مازن لمس إيدي تحت الترابيزة: “أنا آسف.”
”على إيه بالظبط؟”
”على كل حاجة.”
”حدد يا مازن.”
وشه اتشنج: “كان المفروض أصر إنها تغير.”
”صح.”
”وما كانش المفروض أسمح بالصورة.”
”صح.”
”هي زنقتني قدام الناس.”
”حصل.”
”أنا اتجمدت.”
”أه.”
بص للأرض: “عايزاني أعمل إيه دلوقتي؟”
”أطلب منها تمشي.”
رفع رأسه بسرعة: “فريدة!”
”أنت اللي سألت.”
”ده هيبوظ العشاء والجو!”
”هو بايظ أصلاً.”
”الناس بتأكل أهو!”
”أنا مش بتكلم على الأكل والبرنامج يا مازن.”
قعد يفرك صباعه في المنديل: “هي هادية دلوقتي وما بتعملش مشاكل.”
”هي بتلف على الترابيزات بفستان عروسة!”
”الناس شايفين اللي هي بتعمله وعارفين إنها غلطانة.”
”أنت بتقول كده وكأن فضيحتها قدام الناس بديل عن إنك تاخد موقف وتحط حدود!”
”تقصدي إيه؟”
”أقصد إنك عايز الكل يشوف إنها غلطانة عشان أنت ما تضطرش تقولها بنفسك إنها غلطانة.”
سكت.
كملت: “أنت مستعد تسيبني مش مرتاحة ومتهانة، طالما الصالة كلها متفقة معاك في السر إنها مجنونة.”
”ده مش عدل منك.”
”ده اللي بيحصل بالظبط.”
بص ناحية أمه.. كانت واقفة مع قرايبه وبتضحك بصوت عالي.
”وهيحصل إيه لو قلت لها تمشي؟” قال بصوت مكسور.
”هتتجنن.”
”وممكن تقطع معايا.”
”جايز.”
”بتقوليها بسهولة أوي!”
”لأ.. بقولها لأنني مش هقدر أوعدك إنها هترد بعقل.”
بص لي: “أنا محتاج وقت.”
”إحنا اتجوزنا خلاص.. وقت قد إيه؟”
”مش عارف.”
الدي جي بدأ يجهز مزيكا الرقصة الأولى.
فاليريا قربت: “فاضل دقيقتين.”
مازن وقف.
أنا فضلت قاعدة.
”فريدة؟”
”محتاجة دقيقة.”
القاعة كلها كانت باصة علينا.
وكانت حاسة بنظرات سهير من أخر الصالة.
مازن وطى صوته: “أرجوكِ ما تعمليش فضيحة ثانية.”
الكلام وجعني أكتير مما توقعت.
”ثانية؟!”
أدرك الغلطة: “مش قصدي…”
”أنت شايف إنني أنا اللي عملت الفضيحة؟”
”لأ.”
”أنت لسه قايلها!”
”أنا مضغوط يا فريدة!”
”وأنا كمان مضغوطة ومقهورة!”
فاليريا بعدت بهدوء.
مازن قعد تاني: “أنا مش عارف أتصرف إزاي.”
”في إيه؟”
”إزاي أختار من غير ما أجرح حد.”
بصيت له: “الخيار ده مش دايماً متاح يا مازن.”
غطى وشها بإيده لثواني: “أنا بحبك.”
”وأنا بحبك.”
”يبقى ساعديني!”
”أنا ما أقدرش علمك إزاي تدافع عني في نفس الوقت اللي أنا فيه الشخص اللي محتاج حماية منك ومن أهلك!”
عينيه اتملت دموع.
المنظر ده أثر فيّ.. وده كان جزء من المشكلة.
مازن ما كانش شرير ولا قاسي.
كان خايف.
بس الخوف برضه بيخلي البني آدم يتخلى عن غيره.
”قولها تغير أو تمشي،” قلت.
بص لسهير تاني.. وبعدين وقف.
راقبته وهو ماشي في الصالة.
الكلام هدي والناس بدأت تلاحظ.
سهير شافته جاي وابتسمت.
اتكلم معاها في السر الأول.. ابتسامتها اختفت.
هزت رأسها بنفي.
كمل كلامه.. صوتها علي: “دي جوازة ابني!”
الناس لفت.
مازن حافظ على صوته الواطي.
سهير شاورت عليّ: “هي اللي سممت دماغك ضد أمك!”
قال حاجة ما سمعتهاش.
بدأت تعيط بصوت عالي.
أختها قربت منهم.
مازن فضل واقف في مكانه.
وفجأة.. سهير مشيت ناحية ترابيزتي.
وقفت جنبي: “ده اللي أنتِ عايزاه؟”
”لأ.”
”أنتِ مش مستحملة إنه بيحبني!”
القاعة بقت زي المدافن.. مفيش صوت.
بصيت لها: “أنتِ أمه.”
”بالظبط!”
”وأنا مراته.”
”الستات بيجوا ويروحوا!”
ناس من المعازيم شهقوا.
مازن غمض عينه بيأس.
سهير كملت: “لكن الأم بتفضل طول العمر!”
وقفت من كرسيي.
الفستانين البيض وقفوا قدام بعض تحت نور القاعة.
فهمت وقتها ليه الصورة كانت مقرفة.
مش بس عشان القماش زي بعضه.. عشان هي كانت فاكرة إننا في منافسة على نفس الكرسي.
”أنتِ صح في حاجة واحدة،” قلت لها.
ملامحها اتشدت.
”الأم بتفضل أم.. وعشان كده ما كانش فيه أي داعي تلبسي زي العروسة عشان تثبتي وجودك.”
بصت حواليها في الصالة: “أنتِ بتهينين قدام الناس!”
”لأ.. أنا بقول اللي الكل شايفه وساكت.”
وشها أحمر.. ومدت إيدها لكوباية العصير اللي جنب طبقي.
لثانية، افتكرت إنها هترميه في وشي.
بس رفعتها وابتسمت بشر.
أمي وقفت فوراً. والأمن قرب خطوة.
مازن أخد الكوباية من إيد سهير بسرعة: “كفاية يا أمي!”
بصت له بذهول.
حط الكوباية على الترابيزة: “لازم تمشي.”
بؤها اتفتح: ” إيه؟”
”تقدري تطلعي تغيري وترجعي، أو تروحي البيت.”
”أنا أمك!”
”عارف.”
”أنت بتختارها هي عليّ؟”
”أنا اتجوزتها هي.”
الجملة كانت بسيطة.
جت متأخرة.. بس كانت لازم تتقال.
وش سهير اتقلب: “هتندم على ده!”
”يمكن.”
”أنت دايماً بترجع لي في الآخر!”
”هكلمك لما نهدى إحنا الاثنين.”
”أنت سبتها تهد بيتنا!”
”لأ.. أنا بطلب منك تبطلي تحاولي تتصرفي في جوازي.”
القاعة فضلت ساكتة.
سهير بصت لي بغل.. وبعدين لفت وخرجت.
أختها مشيت وراها، واثنين من ولاد عم مازن مشوا كمان.
بس معظم عيلته فضلت قاعدة.
الأبواب اتقفلت.
مازن فضل واقف في مكانه ثواني مش بيتحرك.
وبعدين رجع لي: “أنا آسف.”
بصيت له: “شكراً إنك طلبت منها تمشي.”
”ده مش بيصلح باقي العك.”
”صح.”
”ترقصي معايا؟”
فكّرت أرفض.. بس وقفت.
الرقصة الأولى بدأت متأخرة 20 دقيقة.
المزيكا كانت هادية.
مازن كان ماسكني بحرص أوي.
في نص الأغنية الأولاني، محدش فينا اتكلم.
وبعدين همس: “أنا كنت خايف.”
”عارفة.”
”وده مش حجة.”
”صح.”
”كنت فاكر إني لما أهديها كده بحمي الكل.”
”أنت كنت بتحميها هي بس.”
هز رأسه: “فهمت ده دلوقتي.”
”أنت كنت فاهمه من بدري يا مازن.”
أتضايق.. بس الصراحة كانت مهمة.
الفرح كمل.
ما اتدمرش.. وما كانش مثالي.
الناس أكلت ورقصت وضحت، والتورتة اتقطعت. أمي قالت كلمة صغيرة عن الشجاعة والمشاركة من غير ما تجيب سيرة سهير.
أبو مازن جه اعتذر لي بصوت واطي.
قال إنه كان عارف بمسألة الفستان بس اختار ما يتدخلش.
”كان المفروض أتدخل،” قال.
”صح يا عمي،” رديت.
هز رأسه وسكت. مفيش مصالحة درامية.. مجرد اعتراف بالخطأ بعد فوات الأوان.
بعد أسبوعين، المجلة نزلت صورة الفرح.
مش الصورة الرسمية اللي كنت عايزاها.. نزلت الصورة بتاعة مازن اللي واقف فيها بين ستين لابسين نفس الفستان الأبيض!
سهير هي اللي كانت بعتاها للمجلة بنفسها.
والعنوان كان كاتب اسمائنا وبيوصف الفرح إنه من أرقى مناسابات الموسم!
حد صور صفحة المجلة ونزلها على النت.
والصورة انتشرت زي النار في الهشيم.
جروب على الفيس بوك بتاع “فضايح الأفراح” نزل الصورة بـ كابشن:
“لما حماتك تكون بتكرهك بس عايزة تلبس فستان فرحك!”
آلاف الناس علقوا.
ناس قالوا افتكروا في الأول إنه فرح معازيم مزدوج.
وناس قالوا إن سهير طالعة كأنها هي اللي تتجوز ابنها!
وناس تسأل ليه الأمن ما طردهاش من الأول.
وناس لامت مازن إنه مبتسم في الصورة.
وناس لامتني أنا إني كملت الفرح.
وفيه تعليق واحد علم معايا جداً:
“الحماة المفترية وحشة، بس الزوج اللي بيسمح بده ألعن وأضل!”
الجملة دي فضلت في دماغي.
مازن شاف البوستات وهو في الشغل وكلمني: “أنا آسف.”
”اعتذرت خلاص.”
”ما كنتش فاهم الصورة شكلها مقرف إزاي.”
”أنت كنت واقف فيها يا مازن!”
صوته كان مليان خزي.
الانتشار ده أثر على سهير بطريقة ثانية.
في الأول نزلت بوست بتقول إن الناس فاهمة غلط وإن دي تقاليد عائلية جميلة! محدش صدقها.
وبعدين قالت إن أنا اللي وافقت لها على الفستان.
أنا ما طلعتش أي بيان علني.
بس صاحبة الأتيليه طلعت!
أكدت إن سهير طلبت نفس الفستان بعد ما حضرت بروفتي، وطلبت إن التصميم يفضل سر عني!
وده نهى أي شك.
سهير قعدت ترن على مازن. ما ردش عليها لمدة تلات أيام.
لما رد في الآخر، طلب منها تعتذر لي.
رفضت. وقالت إن أنا اللي بوظت سمعتها لما سبت الصورة تنتشر!
مازن فكرها إن هي اللي بعتت الصورة للمجلة برجلها.
فما كلمتوش لمدة أربع شهور.
الشهور دي كانت صعبة جداً.
مش عشان البيت بقى هادي فجأة.. لأ.
مازن كان زعلان، حاسس بالذنب، وبيتحول لمدافع كل ما أجيب سيرة أمه.
كنا بنتخانق على الحدود، على الإجازات والأعياد، وهل المفروض أسامحها لو عمرها ما اعتذرت.
الفرح كشف المشكلة.. بس ما حلهاش.
بدأنا نروح لدكتور علاقات زوجية (Couples Therapy).
في الجلسة الثالثة، الدكتور سأل مازن هو خايف من إيه لو زعل سهير؟
”كانت بتسحب حبها مني،” قالها بسرعة.
”وكان شكل ده إيه وأنت صغير؟” سأله الدكتور.
”كانت بتبطّل تتكلم معايا خالص.”
”لمدة قد إيه؟”
”أيام.. وساعات أسابيع.”
”وكنت بتعمل إيه؟”
”بروح أعتذر.”
”حتى لو ما عملتش حاجة غلط؟”
”أه.”
كنت بقعد أسمع.
فهم تاريخه ما مسحش اللي حصل.. بس غير شكل غضبي.
مازن اتعلم إن القرب محتاج استسلام.
وأنا اتعلمت إن التجاوز محتاج تحمّل.
والدرسين كانوا مدمّرين.
العلاج النفسي ساعدنا نغير ده ببطء.
سهير في الآخر بعتت لي جواب.
بدأ بداية زفت:
أنا آسفة إن اختياري للفستان تسبب في رد الفعل المبالغ فيه ده.
قفلت الجواب وما كملتوش.
بعد أسبوعين، جه جواب تاني.
ده كان أقصر:
أنا نقلت فستانك عشان حسيت إنك خدتي مكاني. كنت عايزة الناس تشوف إني لسه مهمة في حياة مازن. ده كان غلط. أنا أهنتك وحطيت ابني في موقف مستحيل. أنا آسفة.
قريته كذا مرة.
وبعدين كلمتها.
اتقابلنا في كافيه هادي.
جت لابسة كحلي غامق.
أنا لاحظت الاختيار.. وهي لاحظت إني لاحظت.
”كنت هلبس رصاصي،” قالت.
”كان هيبقى حلو برضه.”
بصت للتحت: “أنا كنت غيرانة.”
”مني؟”
”من اللي أنتِ بتمثليه.”
”إيه؟”
”إنه كبر خلاص.”
سكت واستنيتها.
كملت: “لما مازن كان صغير، أبوه كان بيسافر كتير.. كنا إحنا الاثنين بس طول الوقت. أنا خليته مركز حياتي.”
”وده ما كانش خياره.”
”صح.”
”وبعدين؟”
”لما عرفك، بطل يكلمني كل يوم.”
”ده طبيعي.”
”عارفة دلوقتي.”
”ما كنتيش عارفة وقتها؟”
”كنت عارفة بعقلي بس.”
ابتسمت بتعب: “طالعة شبه الدكتور بتاعي.”
”أنتِ بتروحي لدكتور؟”
”أه.”
ده فاجأني.
”أنا مش مستنية منك تثقي فيّ،” قالت.
”أنا فعلاً مش واثقة.”
”فاهمة.”
قبلت الاعتذار.. بس ما وعدتهاش بقرب.
على مدار السنة اللي بعدها، تعاملنا فضل محدود.
سهير ما كانش معاها مفتاح شقتنا.
كانت بترن قبل ما تيجي.
ما كانتش بتنظم إجازاتنا.
ولما كانت بتقول رأيها، مازن اتعلم يقول: “إحنا قررنا خلاص.”
ساعات كانت تتقمص، وساعات كانت تتعدل.
التقدم كان بطيء بس حقيقي.
الفستان الأبيض فضل متشال في بيتها.
في عيد جوازنا الثاني، تبرعت بيه لمسرح جامعة.
وبعتت لي الإيصال من غير كلام.
ما كنتش محتاجة الإيصال.. بس شيلته عندي.
مش كدليل.. بس كإثبات إن الناس تقدر تتخلى عن الرموز لما تفهم معناها في الآخر.
أنا ومازن فضلنا متجوزين.
ده فاجأ ناس كتير من اللي شافوا الصورة على النت.
الناس بتحب النهايات القاطعة: الزوج يفشل فالعروسة تمشي، أو الحماة تعتذر فالكل يتصالح.
بس الحياة الحقيقية مش منظمة كده.
مازن خذلني قدام الناس.. وبعدين اشتغل لسنين عشان يبقى جدع وصادق معايا في السر.
أنا فضلت.. بس الفضل ده ما كانش غفران فوراي. كان قرار بيتراجع كل يوم بالتصرفات.
لما بنتنا اتولدت، سهير استأذنت قبل ما تيجي المستشفى.
شالت البيبي وعيطت.
ولما مديت إيدي أخدها، ادتهاني فوراً.
من غير مقاومة.. من غير إيحاءات.. ومن غير هزار عن مين صاحب البيبي.
في عصر يوم، والبنت نايمة، سهير قالت لي: “أنا افتكرت إن احتياج ابن لي هو نفسه حبه لي.”
بصيت لها: “بيحصل.”
”كنت عايزاه يفضل محتاج لي.”
”هو لسه بيحبك.”
”عارفة.”
”وده كفاية؟”
”معظم الأيام، أه.”
كان رد صريح.
بعد سنين، صورة الفرح لسه بتطلع على النت من وقت للثاني.
ناس جديدة بتكتشفها وتكتب نفس التعليقات:
مريضة.. مش محترمة.. ادفقوا عليها عصير.. اطردوها.
الصورة ثبتت ثانية واحدة بس من الزمن.
ما ورتش مازن وهو بيطلب منها تمشي بعدين.
ما ورتش جلسات العلاج النفسي بتاعنا.
ما ورتش سهير وهي بتتعلم ترن الأول قبل ما تيجي.
ما ورتش الجواب الثاني.
بس الصورة فضلت حقيقية في حاجة واحدة مهمة:
ورت ثمن الهروب من الموقف لحد ما المشكلة بقت مفضوحة قدام الكل.
لما حد بيسألني هل ندمت إني كملت كتب الكتاب؟ بسباوب بصراحة:
“ساعات.”
كانوا بيستنوا رد أقوى.
كنت بشرح إني مش ندمانة إني اتجوزت مازن.. أنا ندمانة إني افتكرت إن الحب بيطلب مني أبلع الإهانة في سكات.
ندمانة إني وقفت في صورة العيلة بعد ما هو وعدني إنها مش هتصل.
ندمانة على كمية الفضيحة اللي احتاجناها عشان نوقف تمثيل!
الفستان نفسه ما كانش المشكلة العميقة.. كان شوية قماش ستان غالي ومنقوش.
المشكلة الحقيقية كانت الرسالة اللي سهير عايزة تقولها:
“أنا هنا الأول.. أنا الأهم.. اتجوزيها بس مش هتاخدي مكاني.”
والفشل الحقيقي كان إن مازن في الأول طلب مني أعدي الرسالة دي عشان ما يضطرش يقف في وشها.
جوازنا بقى صحي أكتر لما فهم إن الهروب من الخيار هو خيار في حد ذاته.
السكوت كان بيحمي الشخص اللي بيعمل المشكلة.
والسلام اللي مبني على إن ست واحدة تبلع الإهانة ما كانش سلام.. كان استسلام وعبودية.
في عيد جوازنا العاشر، أنا ومازن رجعنا نفس القصر عشان نتعشى.
المكان كان متجدد بس الجنينة زي ما هي.
كان فيه كتب كتاب شغال في الناحية الثانية من الجنينة، فقعدنا جوة عشان ما نزعجهمش.
جنب المدخل كان فيه برقع صور قديمة للأفراح اللي اتعملت في القصر.
صورتنا ما كانتش معروضة.
إدارة القصر شالتها من سنين بعد ما حد اشتكى.
”أنا مبسوط إنهم شالوها،” مازن قال.
”أنا لأ.”
بص لي: “ليه؟”
”عشان حصلت.”
”عايزاها تتعرض؟”
”لأ.. بس مسح الصورة مش بيمسح الدرس.”
مسك إيدي: “أنا لسه بضايق لما بشوفها.”
”وأنا كمان.”
تمشينا برة بعد ما الفرح الثاني خلص.
العمال كانوا بيلموا الكراسي البيضاء من على النجيل.
”كنتِ هتتجوزيني تاني؟” سألني.
”النهاردة؟”
”أه.”
”وأنتِ عارفة كل اللي حصل؟”
”أه.”
فكرت شوية: “كنت هسأل أسئلة أصعب من بدري.”
”ده مش إجابة.”
”كنت هتجوز الراجل اللي أنت بقيت عليه دلوقتي.”
هز رأسه ببطء: “مش الراجل اللي في الصورة.”
”لأ.”
”حقك.”
بص ناحية الكوشة الفاضية: “أنا كنت فاكر إن حبي لكم انتو الاثنين معناه إني ما أقفش ضد حد فيكم.”
”وشايف إيه دلوقتي؟”
”إن الحب من غير حدود بيبقى مجرد خوف متغطي بأخلاق جاملة.”
ابتسمت: “الكلام ده مراجع عليه!”
”10 سنين علاجات زوجية بقى!”
ضحكنا.
في أخر الجنينة، ست لابسة كحلي كانت ماشية جنب العروسة، شايلا لها الطرحة بعيد عن المية اللي على النجيل.
لثانية، افتكرت أمي وهي واقفة على طرف صورة فرحنا.
وشها وقتها كان باين فيه اللي أنا كنت بحاول أنكره:
عدم الارتياح.. القلق.. والحقيقة.
أمي فهمت الموقف في ساعتها لأنها كانت عارفة إن الفرح المفروض ما يخليش العروسة تنافس على مكانتها عند جوزها.
سهير كانت فاكرة إن لبس الفستان هيثبت إنها ما بتتبدلش.. بس في الحقيقة أثبت هي قد إيه كانت خايفة من دور عمره ما كان متهدد.
ومازن كان فاكر إن الابتسامة في الصورة هتهدي الجو.. بس في الحقيقة ثبّتتردده لخلق الله كلهم يشوفوه.
وأنا كنت فاكرة إن الأدب والهدوء هيحفظوا كرامتي.. بس ما حصلش.
كرامتي رجعت لي اللحظة اللي خرجت فيها برة كادر الصورة.
دي اللحظة اللي فاكراها بوضوح:
مش فستان سهير.. ولا الهوُسة.. ولا الصورة اللي انتشرت.
اللحظة اللي بعدت فيها وأجبرت مازن يقرر هل هيفضل واقف بيننا للأبد ولا ياخد موقف.
وفي الآخر.. اختار ييجي معايا.
مش بسرعة كفاية.. بس جه بمزاجه.
والاختيار ده—مش صورة الفرح—كان البداية الحقيقية لجوازنا!