فستان حماتي

.”
​قرب مني: “فريدة، أرجوكِ.. بلاش تدخّلينا في الحيطة.”
​كنت هضحك: “هي اللي دخلتنا في الحيطة!”
​”بس إحنا اللي بنكمل فيها!”
​”عشان برفض أعمل نفسي مش شايفه؟”
​”عشان بتكبري موضوع الفستان أكتير من الجوازة نفسها!”
​الجملة اتتتقالت بهدوء.. بس كانت متقاسة.
​كان بيفكر فيها بجد.
​دموعي جمعت في عيني: “الفستان مش أكتير أهمية من الجوازة.. الجوازة هي اللي مخليا الفستان له قيمة وموقف!”
​كان باصص لي ومش فاهم.
​”أنا محتاجة اعرف، أنت هتحمي علاقتنا لما موضوع تحميها ده يزعل أمك ولا لأ؟”
​”أنا بتجوزك أهو!”
​”ده كتب كتاب ومظاهر!”
​”ده التزام!”
​”يبقى التزم بيه دلوقتي!”
​دعك جبهته بقلة حيلة: “أنا طول عمري عايش بحاول أراضي مشاعرها وأعديها!”
​”عارفة.”
​”لو رفضتها النهاردة، ممكن ما تكلمنيش تاني طول عمرها.”
​”هتكلمك.”
​”أنتِ مش ضامنة.”
​”صح.. مش ضامنة.”
​بص ناحية الجنينة: “أنا ما أقدرش أخسر عيلتي النهاردة.”
​سمعت الجملة بوضوح شمس الضهر.
​مش “ما أقدرش أخسرك انتِ”.. لأ، “ما أقدرش أخسر عيلتي.”
​سهير نجحت إنها تخلي الفرح اختبار: يا يختارها يا يختارني.
​كنت أتمنى يرفض الاختبار ده أصلاً، بس هو دخل اللعبة وشربها.
​”أمال عايزني أنا أخسر إيه؟” سألت بكسرة.
​”أنتِ مش بتخسري حاجة!”
​”كرامتي!”
​”محدش يقدر ياخد كرامتك.”
​”سهل تقول كده لما ما تكونش الإهانة نازلة على دماغك أنت!”
​”هي طالعة شكلها يضحك ومكشوفة يا فريدة، الكل فاهم إنها بتستعبط.”
​”وده المفروض يواسين يعني؟”
​”نوعاً ما، أه.”
​”عايزني أدخل كتب الكتاب وجنبي أمك لابسة زيي عشان المعازيم يقعدوا يقلشوا عليها في السِر؟”
​”هي اللي عملت في نفسها كده.”
​”وأنت وافقت لها!”
​”لأ!”
​”أنت دخلتها القصر!”
​”كنت بحاول أنقذ اليوم!”
​”عشان مين؟”
​كان شكله مهدود: “ليه بتتكلمي معايا كأنك وكيل نيابة؟”
​”عشان لما اتكلمت معاك كخطيبتك ما جابش نتيجة.”
​أتضايق، بس كان كلامي حقيقي.
​فاليريا خبطت ودخلت: “فاضل 5 دقائق.”
​مازن بص لي: “هتعملي إيه؟”
​بصيت للبوكيه، وبعدين للشخص اللي كنت عايزة أكمل حياتي معاه.
​”هطلع أكتب الكتاب.”
​نفسه هدي: “الحمد لله…”
​”بس،” كملت، “شرطي الوحيد.”
​”إيه؟”
​”في الصور الرسمية بعد كتب الكتاب، أمك مش هتتحط في أي صورة معانا إلا لو غيرت الفستان ده.”
​الارتياح اختفى من وشه: “وصورة العيلة؟”
​”لأ.”
​”كده هيحصل خناقة ثانية!”
​”سيبها تحصل.”
​بص لي بذهول: “أنتِ بتعاقبيها.”
​”أنا برفض أساعدها ترسم الصورة اللي هي عايزاها.”
​”صورة إيه؟”
​”صورة العريس اللي واقف بين عروستين!”
​وشه اتغير.. ولأول مرة حس بالصورة في خياله قبل ما تتصور.
​”هي مش تقصد…”
​”تقصد ونص.”
​فاليريا اتكلمت: “لازم ناخد قرار.”
​مازن بص لي: “ماشي.. مفيش صور معاها بالفستان ده.”
​”بلّغ المصور.”
​”هبلغه.”
​”وبلغها هي كمان.”
​تردد.. وبعدين هز رأسه: “هبلغها.”
​كان ده أقل من اللي طلبته.. عارفة.
​بس اخترت أعديها وقتها.
​يمكن الحب بيخلينا نفاوض في حاجات المفروض نسيب المكان ونمشي بسببها.
​يمكن كنت محتاجة أشوف اللي هيحصل بنفسي.
​رجعت لمدخل القصر.
​أمي بصت في وشي: “سابها تقعد؟”
​”أه.”
​”وهتكملي عادي؟”
​”أه.”
​بصت لي بخيبة أمل بس ما جادلتش: “ده اختيارك.”
​”شايفاه غلط؟”
​”شايفاكي بتدفعي ثمن غالي أوي عشان تتأكدي من حاجة.”
​بدأ كتب الكتاب.
​المعازيم وقفوا وأنا داخلة الجنينة.
​ورد أبيض مغطي الممر، وشمس العصر طالعة بين الشجر، ومازن واقف تحت كوشة خشب هادية جنب المأذون.
​وبعدين شفت سهير.
​قاعدة في أول صف.
​بفستاني.
​حاطة توتة ألماظ في شعرها وحلق كبير، وشفايفها مبتسمة بانتصار.
​المعازيم كانوا بيبصوا بيني وبينها.
​واحدة ست بؤها اتفتح من الصدمة.
​سهير رفعت رأسها لفوق وكأنها بتقول للناس “قارنوا براحتكم”.
​فضلت ماشية.
​أمي كانت عرضت تمشي جنبي، بس أنا اخترت أمشي لوحدي.
​كل خطوة كانت غريبة.
​الفستان كان مريح وبيتحرك معايا زي ما تخيلت بالظبط وأنا بختاره.
​مازن كان باصص لي أنا ومش باصص لأمه.. وده ساعدني شوية.
​مش أكتير أوي.. بس ساعد.
​لما وصلت له، مسك إيدي: “جيتي.”
​”أه.”
​المأذون بدأ.
​اتكلم عن المودة والرحمة، وعن الوفاء بالاختيار كل يوم.
​الكلام كان له طعم تاني خالص غير اللي تخيلته الصبح.
​لما مازن جه يردد ورا المأذون، صوته كان بيرتعش.
​ووعد إنه يصونني ويحمي بيتنا ويختار جوازنا في الصعب.
​كنت بسمع بتركيز.
​وبعدين قلت كلامي وردا المأذون.
​مش بعماية.. ولا عشان الصبح اتمسح.
​بس عشان كنت لسه عندي أمل إنه يكبر ويتحول للراجل اللي بيقوله في كلامه.
​لما المأذون قال “بارك الله لكما”، المعازيم صقفوا.
​وسهير قعدت تعيط بتمثيل في منديل دانتيل!
​بعد كتب الكتاب، اتجهنا للجنينة عشان الصور.
​المصور بدأ بصور العرسان، وبعدها عيلتي.
​أمي وقفت جنبي بالفستان الكحلي، ملامحها هادية بس مش مبسوطة.
​وبعدين جه دور عيلة مازن.
​سهير قربت بثقة.
​مازن وقف قدامها: “يا أمي.”
​ابتسمت: “أقف فين؟”
​”لازم تغيري الفستان قبل الصور الرسمية.”
​ابتسامتها اتجمدت: “إيه؟”
​”الفستان الكحلي لسه فوق في الأوضة.”
​بصت لي أنا.. وأنا حافظت على وشي خالي من أي تعبير.
​”دي هي اللي قالتلك تعمل كده!”
​”لأ،” مازن قال، “أنا اللي كان المفروض أكون واضح من بدري.”
​المصور نزل الكاميرا.
​شوية من القرايب عملوا نفسهم مش سامعين.
​عين سهير اتملت دموع في ثواني: “أنت بتطرد أمك من الصورة؟”
​”أنا بطلب منك تلبسي فستان مناسب.”
​”الفستان ده مناسب جداً!”
​”ده شبه فستان فريدة بالظبط.”
​”ده تصميم كلاسيك عادي!”
​”أنتِ نقلتيه منها!”
​شهقت: “إزاي تتضمن ي وتتهمني بكده؟!”
​”أنا كنت معاكِ في البروفة وسمعتك!”
​وشها نشف واتحجم: “أنت بتهينني قدام الناس كلهم!”
​مازن كان باين عليه التعب بس فضلت واقف: “تقدري تطلعي تغيري وترجعي.”
​”ولو رفضت؟”
​”يبقى مش هتكوني في صور العيلة الرسمية.”
​سهير لفت لي: “أكيد انتِ مبسوطة دلوقتي!”
​”لأ،” قلت، “أنا كان نفسي في فرح طبيعي بس.”
​”ده فرح طبيعي!”
​”لأ مش طبيعي.”
​قعدت تدور على حد ينصرها.
​أختها قربت: “سهير.. معلش انزلي غيريه عشان الصور والتصوير.”
​”أنتِ كمان يا أختي؟!”
​”عشان كلام الناس والقال والقال بس.”
​كلمة “كلام الناس” هزتها.
​سهير كان يهمها أوي الصورة اللي هتنزل في المجلة وشكلها قدام المجتمع.
​بصت لمازن تاني: “لو غيرت، الناس هتقول إني عملت حاجة غلط!”
​أمي اتكلمت من ورايا: “هما شايفين إنك عملتي حاجة غلط من ساعة ما دخلتي القصر أصلاً.”
​بصيت لأمي.. ما اعتذرتش على كلامها.
​سهير بصت لأمي بغل صافي.
​وبعدين لفت ومشت.
​للحظة، افتكرت إن الموقف اتلم والحدود اتقالت.
​عدت 10 دقائق.
​المصور كمل تصوير مع المجموعات الصغيرة.
​وفجأة سهير رجعت.
​لسه لابسة الفستان الأبيض!
​مشيت بثقة، وقفت جنب مازن مباشرة، شبكت إيدها في دراعه، وبصت للكاميرا.
​”صور صورة العيلة يلا،” قالت بآمر.
​المصور بص لمازن.
​مازن سكت.
​السكوت ده قعد ثواني بسيطة.. بس كان كفاية.
​سهير ابتسمت.
​أنا كنت واقفة الناحية الثانية من مازن.
​المنظر كان زي ما تخيلت بالظبط:
​العروسة على الشمال.
​الأم بفسان عروسة أخت الفستان على اليمين.
​العريس في النص.
​وسهير ماسكة دراعه بقوة.
​مازن ابتسم ابتسامة مش مظبوطة قدام الكاميرا.
​وأمي واقفة بعيد بالفستان الكحلي، وشها مقلوب.
​المصور صور صورة.. وبعدين ثانية.
​لفت لمازن: “أنت قلت لأ.”
​وطى صوته: “مش راضية تتحرك.”
​”يبقى أنت اتحرك!”
​”يا فريدة…”
​”ابعد عنها يا مازن!”
​المعازيم بدأوا يركزوا.
​المصور نزل الكاميرا تاني.
​مازن بص لأمه: “أمي.. أرجوكِ.”
​سهير مسكت فيه أكتير: “هي صورة واحدة بس!”
​”أنتِ أخدتي صورة خلاص،” قلت لها.
​ابتسمت لي ببرود: “ونأخد ثانية عادي.”
​الابتسامة دي نهت حاجة جوايا.
​مش الجوازة.. مش في ساعتها.
​بس نهت النسخة القديمة مني، الست اللي كانت فاكرة إن الصبر هيربي الناس ويخليهم يحترموها في الآخر.
​طلعت برة كادر الصورة.
​مازن بص ورايا: “فريدة!”
​مشيت ناحية أمي.
​ورايا، سهير كانت لسه ماسكة في دراعه.
​المصور ما صورش تاني.
​أمي بلغتني في النص: “عايزة تمشي؟”
​بصيت على القاعة المعازيم، والراجل اللي لسه كاتبة كتابي عليه من شوية.
​”لأ.”
​”ليه؟”
​”عشان عايزة أفهم أنا بختار إيه بالظبط قبل ما أهد كل حاجة.”
​هزت رأسها ببطء: “ده هيبحتاج وقت.”
​”عارفة.”
​البوفيه والعشاء بدأوا ببيخة وسخافة.
​الناس كانت بتشرب وتأكل بسرعة.
​محدش كان بيتكلم عن الفستانين علن، بس كنت بشوف نظراتهم.
​فيه ناس افتكرت دي تقاليد عيلة غريبة!
​وناس ثانية همست إن يمكن ده كتب كتاب مشترك لعروستين!
​صاحباتي القريبين كانوا هينفجروا من الغيظ.
​واحدة عرضت تاني تدفق عليها شاي أو عصير.
​رفضت: “مش هبقى القصة اللي هي عايزاها.”
​”قصة إيه؟” سارة سألت.
​”قصة العروسة الغيورة اللي بتتهاجم على أم جوزها المسكينة.”
​”أنتِ مش غيورة!”
​”أنا عارفة.. بس الناس بتألف قصص.”
​سهير دخلت القاعة آخر واحدة.
​كانت لسه بالفستان الأبيض.
​ثقتها رجعت لها تاني.
​كانت بتسلم على الترابيزات وكأنها هي صاحب الفرح ومستضيفة الناس!
​ولما المصور بتاع المجلة قرب، راحت وقفت جنب مازن على طول.
​شفت المخطط خلاص:
​كل صورة مهمة هتكون هي فيها.
​تقطيع التورتة.
​الشربات.
​الرقصة الأولى.
​كانت عايزة إثبات مصور إنني دخلت حياة ابنها من غير ما أزحزحها من مكانها.
​على العشاء، مازن لمس إيدي تحت الترابيزة: “أنا آسف.”
​”على إيه بالظبط؟”
​”على كل حاجة.”
​”حدد يا مازن.”
​وشه اتشنج: “كان المفروض أصر إنها تغير.”
​”صح.”
​”وما كانش المفروض أسمح بالصورة.”
​”صح.”
​”هي زنقتني قدام الناس.”
​”حصل.”
​”أنا اتجمدت.”
​”أه.”
​بص للأرض: “عايزاني أعمل إيه دلوقتي؟”
​”أطلب منها تمشي.”
​رفع رأسه بسرعة: “فريدة!”
​”أنت اللي سألت.”
​”ده هيبوظ العشاء والجو!”
​”هو بايظ أصلاً.”
​”الناس بتأكل أهو!”
​”أنا مش بتكلم على الأكل والبرنامج يا مازن.”
​قعد يفرك صباعه في المنديل: “هي هادية دلوقتي وما بتعملش مشاكل.”
​”هي بتلف على الترابيزات بفستان عروسة!”
​”الناس شايفين اللي هي بتعمله وعارفين إنها غلطانة.”
​”أنت بتقول كده وكأن فضيحتها قدام الناس بديل عن إنك تاخد موقف وتحط حدود!”
​”تقصدي إيه؟”
​”أقصد إنك عايز الكل يشوف إنها غلطانة عشان أنت ما تضطرش تقولها بنفسك إنها غلطانة.”
​سكت.
​كملت: “أنت مستعد تسيبني مش مرتاحة ومتهانة، طالما الصالة كلها متفقة معاك في السر إنها مجنونة.”
​”ده مش عدل منك.”
​”ده اللي بيحصل بالظبط.”
​بص ناحية أمه.. كانت واقفة مع قرايبه وبتضحك بصوت عالي.
​”وهيحصل إيه لو قلت لها تمشي؟” قال بصوت مكسور.
​”هتتجنن.”
​”وممكن تقطع معايا.”
​”جايز.”
​”بتقوليها بسهولة أوي!”
​”لأ.. بقولها لأنني مش هقدر أوعدك إنها هترد بعقل.”
​بص لي: “أنا محتاج وقت.”
​”إحنا اتجوزنا خلاص.. وقت قد إيه؟”
​”مش عارف.”
​الدي جي بدأ يجهز مزيكا الرقصة الأولى.
​فاليريا قربت: “فاضل دقيقتين.”
​مازن وقف.
​أنا فضلت قاعدة.
​”فريدة؟”
​”محتاجة دقيقة.”
​القاعة كلها كانت باصة علينا.
​وكانت حاسة بنظرات سهير من أخر الصالة.
​مازن وطى صوته: “أرجوكِ ما تعمليش فضيحة ثانية.”
​الكلام وجعني أكتير مما توقعت.
​”ثانية؟!”
​أدرك الغلطة: “مش قصدي…”
​”أنت شايف إنني أنا اللي عملت الفضيحة؟”
​”لأ.”
​”أنت لسه قايلها!”
​”أنا مضغوط يا فريدة!”
​”وأنا كمان مضغوطة ومقهورة!”
​فاليريا بعدت بهدوء.
​مازن قعد تاني: “أنا مش عارف أتصرف إزاي.”
​”في إيه؟”
​”إزاي أختار من غير ما أجرح حد.”
​بصيت له: “الخيار ده مش دايماً متاح يا مازن.”
​غطى وشها بإيده لثواني: “أنا بحبك.”
​”وأنا بحبك.”
​”يبقى ساعديني!”
​”أنا ما أقدرش علمك إزاي تدافع عني في نفس الوقت اللي أنا فيه الشخص اللي محتاج حماية منك ومن أهلك!”
​عينيه اتملت دموع.
​المنظر ده أثر فيّ.. وده كان جزء من المشكلة.
​مازن ما كانش شرير ولا قاسي.
​كان خايف.
​بس الخوف برضه بيخلي البني آدم يتخلى عن غيره.
​”قولها تغير أو تمشي،” قلت.
​بص لسهير تاني.. وبعدين وقف.
​راقبته وهو ماشي في الصالة.
​الكلام هدي والناس بدأت تلاحظ.
​سهير شافته جاي وابتسمت.
​اتكلم معاها في السر الأول.. ابتسامتها اختفت.
​هزت رأسها بنفي.
​كمل كلامه.. صوتها علي: “دي جوازة ابني!”
​الناس لفت.
​مازن حافظ على صوته الواطي.
​سهير شاورت عليّ: “هي اللي سممت دماغك ضد أمك!”
​قال حاجة ما سمعتهاش.
​بدأت تعيط بصوت عالي.
​أختها قربت منهم.
​مازن فضل واقف في مكانه.
​وفجأة.. سهير مشيت ناحية ترابيزتي.
​وقفت جنبي: “ده اللي أنتِ عايزاه؟”
​”لأ.”
​”أنتِ مش مستحملة إنه بيحبني!”
​القاعة بقت زي المدافن.. مفيش صوت.
​بصيت لها: “أنتِ أمه.”
​”بالظبط!”
​”وأنا مراته.”
​”الستات بيجوا ويروحوا!”
​ناس من المعازيم شهقوا.
​مازن غمض عينه بيأس.
​سهير كملت: “لكن الأم بتفضل طول العمر!”
​وقفت من كرسيي.
​الفستانين البيض وقفوا قدام بعض تحت نور القاعة.
​فهمت وقتها ليه الصورة كانت مقرفة.
​مش بس عشان القماش زي بعضه.. عشان هي كانت فاكرة إننا في منافسة على نفس الكرسي.
​”أنتِ صح في حاجة واحدة،” قلت لها.
​ملامحها اتشدت.
​”الأم بتفضل أم.. وعشان كده ما كانش فيه أي داعي تلبسي زي العروسة عشان تثبتي وجودك.”
​بصت حواليها في الصالة: “أنتِ بتهينين قدام الناس!”
​”لأ.. أنا بقول اللي الكل شايفه وساكت.”
​وشها أحمر.. ومدت إيدها لكوباية العصير اللي جنب طبقي.
​لثانية، افتكرت إنها هترميه في وشي.
​بس رفعتها وابتسمت بشر.
​أمي وقفت فوراً. والأمن قرب خطوة.
​مازن أخد الكوباية من إيد سهير بسرعة: “كفاية يا أمي!”
​بصت له بذهول.
​حط الكوباية على الترابيزة: “لازم تمشي.”
​بؤها اتفتح: ” إيه؟”
​”تقدري تطلعي تغيري وترجعي، أو تروحي البيت.”
​”أنا أمك!”
​”عارف.”
​”أنت بتختارها هي عليّ؟”
​”أنا اتجوزتها هي.”
​الجملة كانت بسيطة.
​جت متأخرة.. بس كانت لازم تتقال.
​وش سهير اتقلب: “هتندم على ده!”
​”يمكن.”
​”أنت دايماً بترجع لي في الآخر!”
​”هكلمك لما نهدى إحنا الاثنين.”
​”أنت سبتها تهد بيتنا!”
​”لأ.. أنا بطلب منك تبطلي تحاولي تتصرفي في جوازي.”
​القاعة فضلت ساكتة.
​سهير بصت لي بغل.. وبعدين لفت وخرجت.
​أختها مشيت وراها، واثنين من ولاد عم مازن مشوا كمان.
​بس معظم عيلته فضلت قاعدة.
​الأبواب اتقفلت.
​مازن فضل واقف في مكانه ثواني مش بيتحرك.
​وبعدين رجع لي: “أنا آسف.”
​بصيت له: “شكراً إنك طلبت منها تمشي.”
​”ده مش بيصلح باقي العك.”
​”صح.”
​”ترقصي معايا؟”
​فكّرت أرفض.. بس وقفت.
​الرقصة الأولى بدأت متأخرة 20 دقيقة.
​المزيكا كانت هادية.
​مازن كان ماسكني بحرص أوي.
​في نص الأغنية الأولاني، محدش فينا اتكلم.
​وبعدين همس: “أنا كنت خايف.”
​”عارفة.”
​”وده مش حجة.”
​”صح.”
​”كنت فاكر إني لما أهديها كده بحمي الكل.”
​”أنت كنت بتحميها هي بس.”
​هز رأسه: “فهمت ده دلوقتي.”
​”أنت كنت فاهمه من بدري يا مازن.”
​أتضايق.. بس الصراحة كانت مهمة.
​الفرح كمل.
​ما اتدمرش.. وما كانش مثالي.
​الناس أكلت ورقصت وضحت، والتورتة اتقطعت. أمي قالت كلمة صغيرة عن الشجاعة والمشاركة من غير ما تجيب سيرة سهير.
​أبو مازن جه اعتذر لي بصوت واطي.
​قال إنه كان عارف بمسألة الفستان بس اختار ما يتدخلش.
​”كان المفروض أتدخل،” قال.
​”صح يا عمي،” رديت.
​هز رأسه وسكت. مفيش مصالحة درامية.. مجرد اعتراف بالخطأ بعد فوات الأوان.
​بعد أسبوعين، المجلة نزلت صورة الفرح.
​مش الصورة الرسمية اللي كنت عايزاها.. نزلت الصورة بتاعة مازن اللي واقف فيها بين ستين لابسين نفس الفستان الأبيض!
​سهير هي اللي كانت بعتاها للمجلة بنفسها.
​والعنوان كان كاتب اسمائنا وبيوصف الفرح إنه من أرقى مناسابات الموسم!
​حد صور صفحة المجلة ونزلها على النت.
​والصورة انتشرت زي النار في الهشيم.
​جروب على الفيس بوك بتاع “فضايح الأفراح” نزل الصورة بـ كابشن:
“لما حماتك تكون بتكرهك بس عايزة تلبس فستان فرحك!”
​آلاف الناس علقوا.
​ناس قالوا افتكروا في الأول إنه فرح معازيم مزدوج.
​وناس قالوا إن سهير طالعة كأنها هي اللي تتجوز ابنها!
​وناس تسأل ليه الأمن ما طردهاش من الأول.
​وناس لامت مازن إنه مبتسم في الصورة.
​وناس لامتني أنا إني كملت الفرح.
​وفيه تعليق واحد علم معايا جداً:
“الحماة المفترية وحشة، بس الزوج اللي بيسمح بده ألعن وأضل!”
​الجملة دي فضلت في دماغي.
​مازن شاف البوستات وهو في الشغل وكلمني: “أنا آسف.”
​”اعتذرت خلاص.”
​”ما كنتش فاهم الصورة شكلها مقرف إزاي.”
​”أنت كنت واقف فيها يا مازن!”
​صوته كان مليان خزي.
​الانتشار ده أثر على سهير بطريقة ثانية.
​في الأول نزلت بوست بتقول إن الناس فاهمة غلط وإن دي تقاليد عائلية جميلة! محدش صدقها.
​وبعدين قالت إن أنا اللي وافقت لها على الفستان.
​أنا ما طلعتش أي بيان علني.
​بس صاحبة الأتيليه طلعت!
​أكدت إن سهير طلبت نفس الفستان بعد ما حضرت بروفتي، وطلبت إن التصميم يفضل سر عني!
​وده نهى أي شك.
​سهير قعدت ترن على مازن. ما ردش عليها لمدة تلات أيام.
​لما رد في الآخر، طلب منها تعتذر لي.
​رفضت. وقالت إن أنا اللي بوظت سمعتها لما سبت الصورة تنتشر!
​مازن فكرها إن هي اللي بعتت الصورة للمجلة برجلها.
​فما كلمتوش لمدة أربع شهور.
​الشهور دي كانت صعبة جداً.
​مش عشان البيت بقى هادي فجأة.. لأ.
​مازن كان زعلان، حاسس بالذنب، وبيتحول لمدافع كل ما أجيب سيرة أمه.
​كنا بنتخانق على الحدود، على الإجازات والأعياد، وهل المفروض أسامحها لو عمرها ما اعتذرت.
​الفرح كشف المشكلة.. بس ما حلهاش.
​بدأنا نروح لدكتور علاقات زوجية (Couples Therapy).
​في الجلسة الثالثة، الدكتور سأل مازن هو خايف من إيه لو زعل سهير؟
​”كانت بتسحب حبها مني،” قالها بسرعة.
​”وكان شكل ده إيه وأنت صغير؟” سأله الدكتور.
​”كانت بتبطّل تتكلم معايا خالص.”
​”لمدة قد إيه؟”
​”أيام.. وساعات أسابيع.”
​”وكنت بتعمل إيه؟”
​”بروح أعتذر.”
​”حتى لو ما عملتش حاجة غلط؟”
​”أه.”
​كنت بقعد أسمع.
​فهم تاريخه ما مسحش اللي حصل.. بس غير شكل غضبي.
​مازن اتعلم إن القرب محتاج استسلام.
​وأنا اتعلمت إن التجاوز محتاج تحمّل.
​والدرسين كانوا مدمّرين.
​العلاج النفسي ساعدنا نغير ده ببطء.
​سهير في الآخر بعتت لي جواب.
​بدأ بداية زفت:
أنا آسفة إن اختياري للفستان تسبب في رد الفعل المبالغ فيه ده.
​قفلت الجواب وما كملتوش.
​بعد أسبوعين، جه جواب تاني.
​ده كان أقصر:
أنا نقلت فستانك عشان حسيت إنك خدتي مكاني. كنت عايزة الناس تشوف إني لسه مهمة في حياة مازن. ده كان غلط. أنا أهنتك وحطيت ابني في موقف مستحيل. أنا آسفة.
​قريته كذا مرة.
​وبعدين كلمتها.
​اتقابلنا في كافيه هادي.
​جت لابسة كحلي غامق.
​أنا لاحظت الاختيار.. وهي لاحظت إني لاحظت.
​”كنت هلبس رصاصي،” قالت.
​”كان هيبقى حلو برضه.”
​بصت للتحت: “أنا كنت غيرانة.”
​”مني؟”
​”من اللي أنتِ بتمثليه.”
​”إيه؟”
​”إنه كبر خلاص.”
​سكت واستنيتها.
​كملت: “لما مازن كان صغير، أبوه كان بيسافر كتير.. كنا إحنا الاثنين بس طول الوقت. أنا خليته مركز حياتي.”
​”وده ما كانش خياره.”
​”صح.”
​”وبعدين؟”
​”لما عرفك، بطل يكلمني كل يوم.”
​”ده طبيعي.”
​”عارفة دلوقتي.”
​”ما كنتيش عارفة وقتها؟”
​”كنت عارفة بعقلي بس.”
​ابتسمت بتعب: “طالعة شبه الدكتور بتاعي.”
​”أنتِ بتروحي لدكتور؟”
​”أه.”
​ده فاجأني.
​”أنا مش مستنية منك تثقي فيّ،” قالت.
​”أنا فعلاً مش واثقة.”
​”فاهمة.”
​قبلت الاعتذار.. بس ما وعدتهاش بقرب.
​على مدار السنة اللي بعدها، تعاملنا فضل محدود.
​سهير ما كانش معاها مفتاح شقتنا.
​كانت بترن قبل ما تيجي.
​ما كانتش بتنظم إجازاتنا.
​ولما كانت بتقول رأيها، مازن اتعلم يقول: “إحنا قررنا خلاص.”
​ساعات كانت تتقمص، وساعات كانت تتعدل.
​التقدم كان بطيء بس حقيقي.
​الفستان الأبيض فضل متشال في بيتها.
​في عيد جوازنا الثاني، تبرعت بيه لمسرح جامعة.
​وبعتت لي الإيصال من غير كلام.
​ما كنتش محتاجة الإيصال.. بس شيلته عندي.
​مش كدليل.. بس كإثبات إن الناس تقدر تتخلى عن الرموز لما تفهم معناها في الآخر.
​أنا ومازن فضلنا متجوزين.
​ده فاجأ ناس كتير من اللي شافوا الصورة على النت.
​الناس بتحب النهايات القاطعة: الزوج يفشل فالعروسة تمشي، أو الحماة تعتذر فالكل يتصالح.
​بس الحياة الحقيقية مش منظمة كده.
​مازن خذلني قدام الناس.. وبعدين اشتغل لسنين عشان يبقى جدع وصادق معايا في السر.
​أنا فضلت.. بس الفضل ده ما كانش غفران فوراي. كان قرار بيتراجع كل يوم بالتصرفات.
​لما بنتنا اتولدت، سهير استأذنت قبل ما تيجي المستشفى.
​شالت البيبي وعيطت.
​ولما مديت إيدي أخدها، ادتهاني فوراً.
​من غير مقاومة.. من غير إيحاءات.. ومن غير هزار عن مين صاحب البيبي.
​في عصر يوم، والبنت نايمة، سهير قالت لي: “أنا افتكرت إن احتياج ابن لي هو نفسه حبه لي.”
​بصيت لها: “بيحصل.”
​”كنت عايزاه يفضل محتاج لي.”
​”هو لسه بيحبك.”
​”عارفة.”
​”وده كفاية؟”
​”معظم الأيام، أه.”
​كان رد صريح.
​بعد سنين، صورة الفرح لسه بتطلع على النت من وقت للثاني.
​ناس جديدة بتكتشفها وتكتب نفس التعليقات:
مريضة.. مش محترمة.. ادفقوا عليها عصير.. اطردوها.
​الصورة ثبتت ثانية واحدة بس من الزمن.
​ما ورتش مازن وهو بيطلب منها تمشي بعدين.
​ما ورتش جلسات العلاج النفسي بتاعنا.
​ما ورتش سهير وهي بتتعلم ترن الأول قبل ما تيجي.
​ما ورتش الجواب الثاني.
​بس الصورة فضلت حقيقية في حاجة واحدة مهمة:
​ورت ثمن الهروب من الموقف لحد ما المشكلة بقت مفضوحة قدام الكل.
​لما حد بيسألني هل ندمت إني كملت كتب الكتاب؟ بسباوب بصراحة:
“ساعات.”
​كانوا بيستنوا رد أقوى.
​كنت بشرح إني مش ندمانة إني اتجوزت مازن.. أنا ندمانة إني افتكرت إن الحب بيطلب مني أبلع الإهانة في سكات.
​ندمانة إني وقفت في صورة العيلة بعد ما هو وعدني إنها مش هتصل.
​ندمانة على كمية الفضيحة اللي احتاجناها عشان نوقف تمثيل!
​الفستان نفسه ما كانش المشكلة العميقة.. كان شوية قماش ستان غالي ومنقوش.
​المشكلة الحقيقية كانت الرسالة اللي سهير عايزة تقولها:
“أنا هنا الأول.. أنا الأهم.. اتجوزيها بس مش هتاخدي مكاني.”
​والفشل الحقيقي كان إن مازن في الأول طلب مني أعدي الرسالة دي عشان ما يضطرش يقف في وشها.
​جوازنا بقى صحي أكتر لما فهم إن الهروب من الخيار هو خيار في حد ذاته.
​السكوت كان بيحمي الشخص اللي بيعمل المشكلة.
​والسلام اللي مبني على إن ست واحدة تبلع الإهانة ما كانش سلام.. كان استسلام وعبودية.
​في عيد جوازنا العاشر، أنا ومازن رجعنا نفس القصر عشان نتعشى.
​المكان كان متجدد بس الجنينة زي ما هي.
​كان فيه كتب كتاب شغال في الناحية الثانية من الجنينة، فقعدنا جوة عشان ما نزعجهمش.
​جنب المدخل كان فيه برقع صور قديمة للأفراح اللي اتعملت في القصر.
​صورتنا ما كانتش معروضة.
​إدارة القصر شالتها من سنين بعد ما حد اشتكى.
​”أنا مبسوط إنهم شالوها،” مازن قال.
​”أنا لأ.”
​بص لي: “ليه؟”
​”عشان حصلت.”
​”عايزاها تتعرض؟”
​”لأ.. بس مسح الصورة مش بيمسح الدرس.”
​مسك إيدي: “أنا لسه بضايق لما بشوفها.”
​”وأنا كمان.”
​تمشينا برة بعد ما الفرح الثاني خلص.
​العمال كانوا بيلموا الكراسي البيضاء من على النجيل.
​”كنتِ هتتجوزيني تاني؟” سألني.
​”النهاردة؟”
​”أه.”
​”وأنتِ عارفة كل اللي حصل؟”
​”أه.”
​فكرت شوية: “كنت هسأل أسئلة أصعب من بدري.”
​”ده مش إجابة.”
​”كنت هتجوز الراجل اللي أنت بقيت عليه دلوقتي.”
​هز رأسه ببطء: “مش الراجل اللي في الصورة.”
​”لأ.”
​”حقك.”
​بص ناحية الكوشة الفاضية: “أنا كنت فاكر إن حبي لكم انتو الاثنين معناه إني ما أقفش ضد حد فيكم.”
​”وشايف إيه دلوقتي؟”
​”إن الحب من غير حدود بيبقى مجرد خوف متغطي بأخلاق جاملة.”
​ابتسمت: “الكلام ده مراجع عليه!”
​”10 سنين علاجات زوجية بقى!”
​ضحكنا.
​في أخر الجنينة، ست لابسة كحلي كانت ماشية جنب العروسة، شايلا لها الطرحة بعيد عن المية اللي على النجيل.
​لثانية، افتكرت أمي وهي واقفة على طرف صورة فرحنا.
​وشها وقتها كان باين فيه اللي أنا كنت بحاول أنكره:
عدم الارتياح.. القلق.. والحقيقة.
​أمي فهمت الموقف في ساعتها لأنها كانت عارفة إن الفرح المفروض ما يخليش العروسة تنافس على مكانتها عند جوزها.
​سهير كانت فاكرة إن لبس الفستان هيثبت إنها ما بتتبدلش.. بس في الحقيقة أثبت هي قد إيه كانت خايفة من دور عمره ما كان متهدد.
​ومازن كان فاكر إن الابتسامة في الصورة هتهدي الجو.. بس في الحقيقة ثبّتتردده لخلق الله كلهم يشوفوه.
​وأنا كنت فاكرة إن الأدب والهدوء هيحفظوا كرامتي.. بس ما حصلش.
​كرامتي رجعت لي اللحظة اللي خرجت فيها برة كادر الصورة.
​دي اللحظة اللي فاكراها بوضوح:
​مش فستان سهير.. ولا الهوُسة.. ولا الصورة اللي انتشرت.
​اللحظة اللي بعدت فيها وأجبرت مازن يقرر هل هيفضل واقف بيننا للأبد ولا ياخد موقف.
​وفي الآخر.. اختار ييجي معايا.
​مش بسرعة كفاية.. بس جه بمزاجه.
​والاختيار ده—مش صورة الفرح—كان البداية الحقيقية لجوازنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *