اهانه

الجزء الأول ظلال في البيت الهادئ
كانت الشقة الواقعة في أحد أحياء مدينة نصر الهادئة تمثل لنهى أكثر من مجرد جدران وأثاث؛ كانت حصنًا بناه الدفء، وذكرى زكية من خالتها الراحلة التي أورثتها إياها لتكون سندًا لها في الحياة. نهى، المحاسبة الأربعينية ذات العقل المرتب والخطوات الموزونة، عاشت سنواتها في هذه الشقة وهي تجعل من كل ركن فيها متنفسًا للهدوء بعد ساعات العمل الطويلة والمجهدة في شركة الاستثمار العقاري.
حين تزوجت من أحمد، ذلك الكهربائي الهادئ الذي أظهر في بدايات زواجهما وادعة وطيبة نادرة، ظنت أنها وجدت الشريك الذي يكمل هذا السكون. لم تكن تبحث عن ثراءٍ فاحش، بل عن بيت يجمعهما بالاحترام والمودة. غير أن هذه السکينة لم تكن سوى قشرة خارجية لواقع يخبئ تحت سطحه هشاشة كبيرة في شخصية أحمد، هشاشة تظهر بكل فجاجة ومباشرة حين يتأرجح الأمر بين زوجته وأفراد عائلته، وتحديدًا أخته عبير وابنتها مروة.
تبدأ حكايتنا في ذلك المساء الخريفي من شهر نوفمبر، عندما عادت نهى من عملها محملة بإرهاق مراجعة الميزانيات السنوية، لتجد أحمد ينتظرها بابتسامة غير عادية، ومعه صندوق من الجاتوه العاخر وعصير طازج. كانت هذه اللفتات غير المعتادة كافية لتوقظ حواس نهى المحاسبية؛ فالخبرة علمتها أن المبالغة في التودد المفاجئ ما هي إلا غطاء لطلب ثقيل.
جلس أحمد بجوارها، وبعد تمهيد مضطرب، ألقى بالخبر الذي غيّر مسار حياتهما
مروة تعبانة في السكن الإيجار اللي قاعدة فيه مع البنات… دوشة، وسهر، ومفيش جو يناسب المذاكرة. قلت تقعد عندنا شوية لحد ما تظبط أمورها.
نظرت إليه نهى بذهول متدرج، مستفسرة عن مدة هذه الشوية، ليفاجئها بأنها تمتد حتى نهاية الترم في شهر يونيو! سبعة أشهر كاملة في شقة مكونة من غرفة نوم واحدة وصالة صغيرة بالكاد تتسع لزوجين! والأدهى من ذلك، أن القرار كان قد اتُّخذ بالفعل، وتذاكر السفر قُطعت، والبنت قادمة في الصباح التالي دون أدنى اعتبار لقصور المساحة أو لحق نهى المطلق في إدارة بيتها.
الجزء الثاني اقټحام المساحة الخاصة
في الصباح التالي، وصلت مروة. لم تكن البنت الانطوائية التائهة التي صورها أحمد؛ بل كانت فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تفيض بالصلف والاستعلاء. دخلت حاملة حقائب سفر ضخمة، ممسكة بأحدث طراز من الهواتف الذكية، وترتدي ملابس تحمل توقيعات ماركات شهيرة. بدلاً من أن تبدي شيئًا من الامتنان أو الحرج من التطفل على مساحة ضيقة، جالت بعينيها في الشقة بنظرة ازدراء وقالت بصوت مسموع
هي صغيرة أوي بصراحة… بس معلش، هحاول أستحمل الكتمة دي لحد ما الترم يخلص.
بلعت نهى الغصة، محاولة ممارسة أكبر قدر من ضبط النفس احترامًا لزوجها، لكن الأيام التالية أثبتت أن الفتاة لم تأتِ لِتدرس، بل جاءت لتفرض سيطرتها.
خلال أيام معدودة، تحولت الصالة الصغيرة إلى

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *