كشف المستور حكايات اماني سيد
مسح خالد على وشه بتهكم، وبَصّ لي بنظرة فيها استهانة وقسوة أكتر، وقرر يصحح الكلام ببرود كأنه بيحكي خطة محبوكة:
“لا يا هدى.. متفهميش غلط وتعيشي دور الضحية المخدوعة ببساطة كده. لما شفتكم سوا لأول مرة، أختك كانت متجوزة ومستقرة، ومكانش فيه أي خيط أو سكة في الدنيا ممكن تقربني منها أو تخليها في محيط حياتي غير إني أكون جوز أختها! أنتِ كنتِ الباب الوحيد المفتوح قدامي عشان أدخل بيتكم، وأبقى موجود في كل مناسبة، وفي كل عزومة، وفي كل خطوة تخصها.. كنت مستعد أتجوزك وأعيش معاكِ سنين، بس عشان يجي اليوم اللي أكون فيه جنبها لما تحتاج راجل يجدع معاها، زي ما حصل النهاردة بالضبط”.
الكلام نزل زي طعنة باردة، وندى كانت واقفة باصة له بذهول وفي نفس الوقت عينها فيها نظرة انتصار مريض، وكأنها أخيراً أخدت التأكيد اللي كانت مستنياه. أنا وقفت في نص الأوضة، بصيت له وبعدين بصيت لها.. ومسكت سوستة الشنطة وقفلتها بصوت حاد هز السكوت اللي في المكان. قربت منه، وبصيت في عينيه بثبات يخليه يحس بضآلته، وقلت له بصوت هادي جداً لكنه يقطع العرق والدم:
“يعني أنت مش بس خاين ورخيص.. أنت كمان عشت عمرك كله كومبارس في حياة ست متجوزة، واشتريت دور العبيط اللي بيمشي ورا أوهامه! فاكر إنك كده بطل مسلسل؟ أنت مجرد أداة رخيصة استعملتها أختي عشان ترضي غرورها، واستعملتك أنت عشان تدخل بيت ناس أنضف منك.. الشنطة دي مش خروج مهزومة يا خالد، دي خروج واحدة بتنضف حياتها من القمامة اللي دخلتها بجهل”. سحبت شنطتي من على السرير، ومشيت بثبات ناحية الباب من غير ما ألتفت ورايا ولا أديهم فرصة يردوا بكلمة واحدة.
خالد اتفاجأ بهدوئي، ووقف مكانه مش عارف يلحقني بردة فعل أو كلام يك.سرني بيه زي ما كان متعود، وندى كانت باصة لي بذعر مكتوم بعد ما كشفت اللعبة الحقيرة اللي كانوا عايشين فيها. أول ما حطيت إيدي على أكرة الباب عشان أخرج، سمعت صوت خالد وهو بيحاول يسترد كبرياءه المجروح وبيزعق بحدة: “اخروجي يا هدى! امشي وما ترجعيلش تاني.. فاكرة إنك لما تمشي هتمو.تيني؟ أنتِ اللي هترجعي تبكي بدل الدموع دم عشان تسامحي!”.
وقفت عند العتبة، ولفيت وشي له بنصف التفاتة، وبصيت له بنظرة استحقار أخير وقُلت له ببرود: “أنا ماشية ومش راجعة يا خالد.. بس افتكر كلامي ده كويس: اللي تبني بيتها على أوهام وتستغل راجل رخيص عشان ترضي غرورها، بكرة أول ما تمل منك هترميك بنفس الطريقة. وأنت مش هتكسب حاجة، غير إنك ضيعت عمرك كله كومبارس مالوش أي قيمة في رواية غيرك”. فتحت الباب وخرجت، وهبدته ورايا بقوة هزت العمارة كلها.
نزلت السلم خطوة بخطوة، ورغم إن جسمي كان بيمو.ت من وجع الحا.دثة والجروح، إلا إن قلبي كان حاسس بخفة غريبة.. خفة الست اللي أخيراً اترمت عنها أثقال السنين، وعرفت حقيقة الناس اللي حواليها. أول ما طلعت للشارع وشميت الهوا النظيف، وقفت تكسي، وحطيت الشنطة في الشنطة وركبت.. بصيت للمبنى لأخر مرة وأنا ببتسم ابتسامة نصـر، وعارفة إن دي مش نهاية القصة، دي بداية حياتي الحقيقية.
في التاكسي، حطيت رأسي على الشباك وغمضت عيني. كانت دموعي نازلة بسسكوّت، مش ضعف ولا حسرة عليه، لكن حزن على السنين اللي ضاعت مع بني آدم رخيص ومريض بالشكل ده. مسكت الموبايل بإيد بتترعش وطلعت شريحة الخط، كسرتها نصين ورميتها من شباك العربية.. كنت عايزة أقطع كل خيط ممكن يربطني بيهم أو يخليهم يوصلوا لي تاني. وصلت بيت بابا، نزلت وسحبت شنطتي بالعافية، وطلعت السلم وأنا سانده على السور. أول ما فتح لي الباب وشاف منظري—الجروح اللي في وشي، ورجلي المربوطة، وشنطة هدومي في إيدي—شهق بصوت عالي وجري عليا مسكني قبل ما أقع.
“هدى! يا بنتي إيه اللي جرى لك؟ مين عمل فيكِ كده؟!” ترميّت في ح.ضنه وبكيت لأول مرة من قلبي، بكاء طالع من أعمق نقطة وجع جوايا. حكيت له كل حاجة من لحظة الحا.دثة لخروج أختي وهي متشالة على إيد جوزي، لحد الكلام السم اللي قاله لي قبل ما أمشي. بابا كان بيسمع وشفايفه بتترعش من الغضب، وعينيه بتتملي شرار، قبضته اتجمعت على دراع الكرسي وهو مش مصدق إن بنته التانية وجوزها يعملوا كده. قام وقف بطوله وقال بصوت يهد جبال:
“والله العظيم ما هسيب حقك.. الرخيص ده واللي ما تتسمى أختك دي حسابهم معايا أنا، وهخليهم يعضوا صوابعهم ندم على كل نقطة دم ونقطة دموع نزلت منك!”. بقيت في بيت بابا، بتنقل بين الأوضة والصالة وأنا بحاول أستوعب كابوس الحا.دثة واللي كشفته. بابا ما ضيعش وقت؛ من تاني يوم كلم المحامي وبدأنا فوراً في إجراءات الطلاق للضرر وقضايا القايمة عشان ناخد كل حقوقي بالقانون.
في الوقت ده، ندى كانت سابت الشقة هي كمان ورجعت شقتها القديمة اللي عايشة فيها من وقت طلاقها، لأنها عارفة إن بقاءها مع خالد في الشقة لوحدها بعد ما أنا مشيت بقى “حرام” وما ينفعش، غير إنها كانت خايفة من مواجهة العيلة بعد ما السر انكشف.
خالد الشقة فضيت عليه فجأة.. خسرني وخسر البيت اللي كان شايله، وفي نفس الوقت لقى ندى قفلت بابها ورجعت شقتها. التوتر أكل دماغه، وبقى يتصل بنوى يحاول يضغط عليها عشان تقابله أو تخرج معاه، لكن ندى بدأت تتهرب منه وترفض ترد عليه، بعد ما أخدت الشو اللي هي عايزاه ورضت غرورها بأنها شدّت عين جوز أختها. لما لقى ندى بتقفل الأبواب في وشه، اتجنن وركبه العفريت. راح لها لحد شقتها القديمة عشان يضغط عليها وقرر يركب رأسه. وقف تحت العمارة وبدأ يزعق وينادي عليها بصوت عالي، فالشارع والجيران بدأوا يتلموا ويتفرجوا.
ندى خرجت له في البلكونة ووشها أصفر من الفضيحة، وزعقت فيه بصوت هز الشارع كله: “أنت جاي تعمل إيه هنا يا خالد؟ امشي من هنا فوراً بدل ما أتصل بالشرطة! أنت مجرد جوز أختي السابق، ووجودك هنا فضيحة وقرف.. أنا كرهتك وكرهت اليوم اللي عرفتك فيه، امشي واعرف حجمك!”.
وفي نفس اللحظة، كان بابا وصل تحت العمارة بعد ما الجيران اتصلوا بيه وقالو له إن فيه واحد عامل مشكلة تحت بيت ندى. بابا نزل من العربية زي الأسد، ومسك خالد من قميصه قدام أهل المنطقة كلهم، ومسح بيه الأرض: “أنت جاي تطارد بنتي يا واطي؟ لا ليك صفة ولا ليك عين تورينا وشك! ده أنت حسابك معايا في المحاكم هيخليك تتمنى المو.ت!”. خالد اتفضح فضيحة العمر قدام الناس، وظهر على حقيقته إنه مجرد واحد رخيص بيجري ورا أوهامه، وخسر كل حاجة في لحظة واحدة ومشي يجر أذيال الخيبة.
بعد ما خالد مشي، ندى ما استحملتش حجم الخسارة والفضيحة، وجت بيت بابا وهي بتعيط بحرقة، اتلمت عند رجلي ورجلين بابا وبتبكي: “سامحوني.. أنا كنت غبية وعمايا الغرور، افتكرت إني أخدت حاجة، وأتاري أخدت اللي هيوسخ حياتي وسيرتي!”. بصيت لها ببرود وثبات، وقفت بطولي، وبصيت لها بجمود وقمة القسوة اللي عمري ما حستها في حياتي. قربت منها خطوة بخطوة لحد ما وفت قصادها مباشرة، وقلت لها بصوت زي الموسى يقطع أي أمل:
“سامحك؟! أنتِ افتكرتِ إن شوية الدموع المزيفة دول يمسحوا الخيانة والنذالة اللي فيكِ؟ أنتِ واحدة أنانية، مريضة، وعمرك ما كنتِ أخت ولا تعرفي يعني إيه دم ولا صلة رحم! أنتِ كنتِ مستعدة تدوسي عليا وعلى جروحي في الحا.دثة عشان بس ترضي غرورك المريض وتثبتي لنفسك إنك قادرة تشدي راجل!”. نفضت إيدي منها بشدة لما حاولت تلمسني، وشاورت لها على باب الشقة بصوت هز المكان: “اطلعي بره! بره بيتنا وما توريناش وشك تاني أبداً! أنتِ بالنسبة لي ميتة من يوم الحا.دثة، وما تلزمينيش أخت ولا أعرفك! يلا بره!”.
ندى اتصدمت وبصت لبابا عشان يلحقها، بس بابا وقف ظهره لي وشاور لها على الباب وقال لها بصوت صارم: “اسمعي كلام أختك يا ندى.. امشي، أنتِ اللي اخترتِ الطريق ده، والبيت ده مالكيش مكان فيه خلاص”. خرجت ندى مطرودة، بتجر أذيال الخيبة والفضيحة قدام العيلة والشارع كله. ومرت الأيام.. خالد اتخرب بيته واتفضح في منطقته وعيلته، والمحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر وحبسته بقضية التبديد والقايمة وأخدت كل حقوقي منه لحد آخر قرش. وندى عاشت وحيدة ومبذولة، خسرت أختها وعيلتها وسمعتها، وبقت عايشة في الفراغ والندم اللي هيأكلوا فيها طول عمرها.
أما أنا، فققلت الصفحة دي للأبد، خرجت مرفوعة الراس، وعرفت إن الحق لما بيرجع، بيمسح كل ألم وبيسيب مكانه القوة.