الرز بايت حكايات مني السيد
الجزء الرابع والأخير
وقفت في وسط الشارع، ناعورة العربيات رايحة جاية وجرس إشعار الموبايل لسه بيرن في ودني زي صفارة إنذار. مسكت الموبايل، صوابعي ثلجت وأنا بفتح الصورة اللي جاتلي من الرقم المجهول.
كانت صورة لتوكيل رسمي عام إدارة وتصرف، متسجل باسمي، ومكتوب فيه إني بفوض أحمد تفويض مطلق في البيع والشراء والشراء لنفسه وللغير لكل مستحقاتي وحساباتي البنكية وميراثي! والأنكى من كده.. كانت فيه ورقة ثانية، إقرار مديونية مبصوم عليه بفتحة إيدي، بيدعي إني استلفت منه ومن أخته منى مبلغ مليون وثمانمائة ألف جنيه!
وتحت الصورة، كانت الرسالة النصية:
“يا حلوة، الحركة بتاعة تجميد الحسابات دي هتلبسيكي قضية تزوير ونصب، والتوكيل ده متسجل وموثق، والإقرار ده يوديكي ورا الشمس. قدامك ساعتين تسحبي البلاغ وتنازلي عن كل حاجة، يا إما بكرة الصبح هيكون البلاغ ده في النيابة بتهمة خيانة الأمانة وتبديد أموال العيلة.”
وقفت مكاني مش قادرة آخد نفسي. الضربة المرة دي مكنتش مجرد سرقة فلوس ولا استغلال، دي كانت ضربة في الشرف والمستقبل.. أحمد كان مخطط لكل حاجة من سنين، كان بيجهز المشنقة اللي يربطها حوالين رقبتي اليوم اللي أقرر فيه أقول “لأ”.
افتكرت اليوم اللي خلاني أبصم فيه على ورق وأنا راجعة من شفت ليلِي هدّ حيلِي من سنتين، لما قال لي: “دي أوراق تجديد رخصة العربية وأوراق التأمين يا سعاد، ابصمي هنا عشان أخلص الإجراءات بدالك وتستريحي.”
أنا بصمت وأنا مش شايفة قدامي من التعب.. كنت واثقة فيه! واثقة في الراجل اللي شاركته السرير والسقف تلاتين سنة!
أيدي بدأت ترجف، والشارع كله بدا يلف بيا. حسيت بالضعف يزحف لجسمي تاني، كأن طبق الرز البايت وكلمات القهر رجعوا يخنقوني. قعدت على كبّاس كهربا على الرصيف، وحطيت وشي بين إيديا.
أنا هضيع؟ بعد كل السنين دي، بعد الشقا والغربة جوة بيتي، هينتهي بيا المطاف في السجن بتهمة أنا معملتهاش؟
وفي اللحظة دي، افتكرت نور.. بنتي.
نور اللي سافرت تعمل الماجستير في ألمانيا، نور اللي أنا حرقت عمري عشان أطلعها ست قوية ومستقلة وما تخضعش لحد. لو أنا استسلمت دلوقتي، هعلمها إيه؟ هقولها إيه لما تسألني عن حقي؟
رفعت رأسي، ومسحت دموعي بطرفة كمي. لأ.. سعاد مهندسة الشبكات والأنظمة اللي بتقوم سيرفرات شركات كاملة في نص الليل، مش هي اللي يكسرها راجل بيبصم ورق في الضلمة!
كلمت الأستاذ عصام المحامي فوراً.
صوته جه دافي وواثق: “إيه يا مدام سعاد؟ وصلتي الفندق؟”
ـ “أستاذ عصام.. أحمد بعتلي صورة توكيل عام وإقرار مديونية بمليون وثمانمائة ألف جنيه، وبيبهددني يوديني النيابة بكرة الصبح!”
السكوت ساد الناحية التانية لثواني، وبعدين سمعت صوت تقليب أوراق.
ـ “التوكيل متسجل في الشهر العقاري؟”
ـ “كاتب في الرسالة إنه متسجل وموثق.”
ـ “سمعيني كويس يا سعاد.. التوكيل ده لو متسجل، يبقى اتعمل باستغلال أو بتزوير، وأنا هقولك نعمل إيه. بس أهم حاجة دلوقتي: التوكيل ده اتسحب منه حاجة رسمي لحد دلوقتي؟”
ـ “ما أظنش.. هو بيستخدمه دلوقتي عشان يهددني بيه بس.”
ـ “حلو قوي.. اسمعيني ونفذي اللي هقولك عليه بالحرف. أولاً: هتروحي حالاً لأقرب فرع شهر عقاري شغال مسائي أو بكرة الصبح أول ما يفتحوا، وهتعملي ‘إلغاء توكيل من طرف واحد’ وتخطريه رسمياً على يد محضر. ثانياً: التزوير البصمي حبل طويل، والنيابة هتحول الإقرار للطب الشرعي، والطب الشرعي بيحدد عمر البصمة وحالة الشخص وقت البصم وهل كان فيه تدليس ولا لأ. بس إحنا مش هنستنى الطب الشرعي.. إحنا هنضربهم في ملعَبهم!”
ـ “يعني إيه يا أستاذ عصام؟”
ـ “يعني أحمد عمل غلطة عمره لما بعت الرسالة والصورة من رقم غريب.. الرقم ده إحنا هنتبعه، والرسالة دي إثبات ابتزاز رسمي! اطلعي على قسم الشرطة فوراً، واعملي محضر في مباحث الكهرباء والمعلومات ‘ابتزاز إلكتروني وتهديد’.”
قفلت مع الأستاذ عصام، وحسيت بنار شجاعة جديدة بتسري في جسمي.
أنا مش هروح فندق أنام.. أنا عندي حرب ولازم أكسبها الليلة دي.
طلعت على إدارة مباحث الإنترنت والتكنولوجيا. قعدت مع الضابط المسؤول، قدمت الموبايل، وقدمت سكرين شوت للرسائل وصورة الورق. الضابط كان راجل فاهم ومحترم، بص في الشاشة وقال:
ـ “الرقم ده باسم مين يا مدام؟”
ـ “ما أعرفش، جالي منه الرسالة فجأة.”
شغل الضابط أجهزته، وفي ظرف نص ساعة، طلعت النتيجة اللي خلتني أبتسم ابتسامة حادة:
الرقم متسجل باسم “مجدي عبد السلام”.. جوز منى أخت أحمد!
مجدي بذكائه الشديد استخدم خط مسجل باسمه عشان يبعتلي الابتزاز بدال أحمد، فاكرين إن البرامج مش هتوصل له!
الضابط كتب المحضر: “ابتزاز إلكتروني، تهديد بتزوير محرر رسمي، واستخدام وسائل الاتصال في الترهيب.”
وانقطعت أوامر باستدعاء صاحب الخط فوراً!
خرجت من مباحث الإنترنت الساعة اتنين بالليل. الدنيا كانت هادية، وأنا كنت حاسة إني ملكت العالم.
رحت حجزت أوضة في فندق نضيف في وسط البلد. دخلت الأوضة، أخدت دش دافي يغسل تعب السنين، وطلعت الأجندة بتاعتي وقعدت اشتغل.
فتحت اللاب توب بتاعي، وبدأت أعمل شغل الأنظمة اللي بحبه:
جمعت كل بيانات السيرفرات والبنوك، واستخرجت السجلات الرقمية (Log Files) اللي بتثبت حركة الدخول على الحسابات البنكية. اكتشفت إن أحمد كان بيدخل على الأبلكيشن بتاعي من تليفونه هو الشخصي باستخدام الـ IP الخاص بالبيت، وفي أوقات متأخرة بالليل أجهزة البنك بتسجل فيها موقع الموبايل!
يعني التليفون اللي بيسحب وبيحول الأقساط لشقة التجمع، كان تليفون أحمد، برقم الـ IMEI بتاعه، ومكانه كان جوة شقته، في الوقت اللي تليفوني أنا كان شبكته لقطة من برج التغطية اللي جنب الشركة في نيو قاهرة!
دليل قاطع لا يقبل الشك:
أنا كنت في الشغل، والتليفون اللي بيحول الفلوس لشقة التجمع كان في بيته هو!
نِمت الليلة دي أعمق نومة نمتها من تلاتين سنة. نومة الست اللي عرفت حقها ومش هتسيبه.
صحيت الساعة تمانية الصبح. لبست أشيك طقم عندي، وحطيت روج خفيف، ورحت الشهر العقاري لغيت أي توكيل باسم أحمد أو غيره، وطلعت شهادة بالإلغاء.
وعلى الساعة حداشر الضهر، كان الأستاذ عصام المحامي مستنيني قدام مجمع المحاكم والنيابة.
دخلنا قدمنا البلاغات:
* بلاغ بالاستيلاء على أموال ودائع (“حساب مستقبل فاطمة”).
* بلاغ بخيانة الأمانة واستغلال توكيلات وفواتير مزورة.
* محضر مباحث الإنترنت للابتزاز ضد مجدي وأحمد.
* دعوى تحفظ مستعجل على شقة التجمع الخامس وعلى حصته في بيت العيلة.
وكيل النيابة قرأ الأوراق، وبص للتحليلات الرقمية اللي أنا مجهزاهالهم، وبص لكشوفات البنك الموثقة، وقال بتقدير:
ـ “ما شاء الله يا مدام سعاد.. إنتِ مجهزة قضية مكتملة الأركان، شغل مهندسين بصحيح.”
أصدرت النيابة قرار فورياً:
استدعاء كلاً من: أحمد، مجدي، ومنى.. للتحقيق معهم في التهم المنسوبة إليهم، مع إرفاق شهادة تجميد الحسابات وشقة التجمع.
الساعة أربعة العصر، كنت قاعد في كافيه قريب من البيت، بتفقد الموبايل وأنا بشرب قهوتي بجميع حواسي.
فجأة.. الموبايل بدأ يرن.
الاسم: “أحمد”.
ما رديتش.
رن تاني وتالت ورابع.
بعدها بـ خمس دقائق، رن تليفون الأستاذ عصام. فتح السبيكر عشان أسمع.
صوت أحمد كان مكسور، مرعوب، وبيرتعش بشكل مش طبيعي:
ـ “أستاذ عصام! أرجوك يا أستاذ عصام! النيابة بعتت لطلب مجدي جوز أختي والشرطة جمت خدته من بيته! وأنا أصحابي في البنك قالولي إن الشقة عليها قرار تحفظ ومحدش يقدر يبيعها ولا يتصرف فيها! أرجوك خلّي سعاد تتكلم.. إحنا عشيرة تلاتين سنة!”
الأستاذ عصام بص لي، وأنا هزيت رأسي بالرفض، فرفع هو صوته بثبات:
ـ “عشيرة تلاتين سنة يا أستاذ أحمد؟ هي العشيرة برضه فيها تزوير توكيلات وابتزاز من تليفون جوز أختك؟ هي العشيرة فيها سرقة فلوس الست اللي كانت بتأمن بيها آخرت أمك؟”
أحمد بدأ يعيط.. آه والله، الراجل اللي كان من أربع وعشرين ساعة بيزقني وبيقولي “الباب يفوت جمل” كان بيبكي زي الأطفال في التليفون:
ـ “والله العظيم مجدي هو اللي أشار عليا بفكره التهديد دي! والله أنا مكنتش عايز أعمل كده! يا أستاذ عصام، أمي تعبانة في البيت وجالها هبوط في السكر لما عرفت إن مجدي اتقبض عليه وبنتها منى بتصرخ وتولول! سعاد فين؟ خليني أكلمها أترجاها!”
مسكت التليفون من الأستاذ عصام، وحطيت السماعة على ودني، وبصوت هادي جداً، أخف من النسمة، بس أتقل من الجبال:
ـ “أنا هنا يا أحمد.”
ـ “سعاد! حبيبتي.. أرجوكي! أرجوكي اسحبي البلاغ! مجدي هيتخرب بيته ومنى هتنقهر، وأمي يموت فيها! أنا مستعد أكتبلك شقة التجمع باسمك! مستعد أكتبلك البيت كله باسمك! بس بلاش النيابة والحبس!”
ابتسمت وأنا بقلّب المعلقة في كبابة القهوة:
ـ “شقة التجمع والبيت دول حقي بالقانون يا أحمد.. مش منكّة منك ولا تنازل. إنت مش بتديني حاجة من جيبك، إنت بترد اللي سرقته.”
ـ “طب خلاص! خدي حقك وزيادة! بس اسحبي المحضر بتاع الابتزاز! مجدي مالوش ذنب، ده كان بيساعدني أنا!”
ـ “مجدي اللي شتم في شرفي وذمتي المالية البارحة؟ منى اللي قالتلي إني ‘حافية وبتروحي وتيجي بالساعات وما حدش عارف بتعملي إيه’؟ ولا أمك اللي حطت قدامي طبق الرز البايت وقالتلي ‘على قد اللي بتدفعيه ده كفاية عليكي’؟”
أحمد بقى يتوسل:
ـ “حقك عليا أنا! أقطع لساني ولسانهم! أمي مستعدة تعتذرلك وتستقبلك في البيت وتبوس على رأسك! بس بلاش يخرب بيتنا!”
ـ “بيتك اتخرب من زمان يا أحمد..” ـ قلتها ونبرة صوتي كانت قطعية زي السيف ـ “اتخرب يوم ما نسيت ربنا، ويوم ما استخصرت فيا اللقمة النظيفة، ويوم ما اعتبرت عرق شقايا حق مكتسب ليك ولعيلتك. إنتوا ما كبرتوش بالكرامة، إنتوا كبرتوا بالاستغلال.”
ـ “يعني إيه يا سعاد؟ مش هتسامحي؟”
ـ “القانون هو اللي هيسامح أو يعاقب يا أحمد. الحقوق هتترد للقرش الواحد، وشقة التجمع هتتدرج ضمن مستحقاتي المالية، والـ 430 ألف بتوع تجديد البيت هيتحولوا لدَين رسمي مسجل بحكم محكمة على حصتك في العقار. أما بالنسبة للطلاق.. فورقتي توصلني على إيد محضر خلال أسبوع، يا إما دعوى خلع هتترفع بكرة الصبح وتتكتب في الجرايد.”
ـ “سعاد!! أرجوكي!!”
قفلت الخط في وشه.
قفلت الخط، وحسيت إن كل تلاتين سنة الوجع، والتعب، والسهر، والاهانة، والرز الناشف البايت.. طاروا في الهواء زي الهبار.
تمر الأيام..
بعد تلات شهور من الجلسات والتحقيقات، كان المشهد كالتالي:
مجدي اتكم عليه بسنة مع شغل ونفاذ بتهمة الابتزاز الإلكتروني والتهديد بتزوير محرر رسمي. منى أخته اضطرت تبيع عربيتها المستعملة عشان تدفع اتعاب المحامين ولغرامات، وقعدت في بيتها مكسورة العين والظهر، ما تقدرش ترفع عينها في وش حد من القرايب.
أحمد اتمسكت عليه كل الدلائل، واضطر بقرار من المحكمة والنيابة إنه يتنازل رسمياً عن شقة التجمع الخامس لصالحي لتسوية المبالغ المسروقة من “حساب مستقبل فاطمة” ومن حسابي الشخصي. ده غير إنه تم فرض حجز تحفظي على حصته في بيت العيلة لصالح دَين الـ 430 ألف جنيه اللي دفعتهم في التجديدات!
أما الحاجة فاطمة..
فلما عرفت إن ابنها “سيد البيت” اتعرى قدام القرايب والعيلة، وإن الشقة راحت والفلوس اتجمدت، وإن منى جوزها في السجن، جالها جلطة خفيفة، وقعدت في بيتها لا بتهش ولا بتهش، وما بقتش تطلب غير رضا ربنا ولقمة العيش، وبقت منى هي اللي بتخدمها وبتاكلها من بواقي أكل بيتها، بعد ما الكروت اتلغت والفيز اتسحبت!
وفي يوم مشمس جميل في القاهرة..
كنت واقفة في الشباك بتاع الشقة الجديدة اللي في التجمع الخامس.
شقة واسعة، يدخلها الشمس من كل ناحية، مفروشة بأرقى وأجمل العفش اللي شريته من فلوسي وحلالي.
نور بنتي كانت قاعدة جنبي، ماسكة كوباية القهوة وبتبصلي بفخر:
ـ “يا ماما.. أنا عمري ما شفت ست بقوتك دي. أنا بجد فخورة إنك أمي.”
مسكت إيدها وابتسمت من قلبي:
ـ “يا نور يا بنتي.. القوة مش إنك ما تقعيش، القوة إنك لما تقعي وتكتشفي إن اللي حواليكي بياكلوا في لحمك، تقومي وتقفي على حيلك وتوريهم إن الست اللي بتعرف تشتغل وتتعب، بتعرف كمان تاخد حقها بالقانون والكرامة.”
نور بَاست إيدي وقالت:
ـ “وطبق الرز البايت يا ماما؟”
ضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة كلها، ضحكة صافية مفيهاش أي نقطة مرارة:
ـ “طبق الرز البايت ده يا نور.. كان أغلى درس في حياتي. كان هو الشرارة اللي صحّتني من نوم تلاتين سنة، عشان أعرف إن قيمتي أكبر بكتير من إن حد يحطها لي في طبق.”
قمت وقفت قدام مراية الشقة الجديدة.
بصيت لنفسي.. وشي كان رد فيه اللون، العيون السودة تحت عيني اختفت، والابتسامة رجعت لمكانها الطبيعي.
أنا سعاد..
الست اللي دفعت ثمن سكوتها تلاتين سنة، بس لما اتكلمت.. استردت عمرها، فلوسها، وكرامتها بالكامل.
تمت…