قبر ابي حكايات مني السيد
الجزء الثالث
القاعة كلها سكتت تماماً، لدرجة إن صوت التكييف بقى هو الوحيد اللي مسموع.
محمود كان واقف متنح، عينه رايحة جاية بيني وبين الحج رأفت، وشه اتقلب ألوان من الصدمة، شفايفه كانت بتترعش ومش مجمعة جملة واحدة مفيدة. بص للموظفين اللي كانوا بيبصوا لبعض بذهول، وبعدين بص لي بنبرة كلها عصبية وخوف متداري:
— مديرة مين؟! إنتِ بتهزري يا ندى؟ إيه المسرحية اللي إنتِ عاملاها دي؟ الحج رأفت.. أكيد حضرتك مش فاهم، دي طليقتي، ولسه خارجة من بيتي إمبارح، تلاقيها جاية تعمل شوشرة عشان تبتزني!
الحج رأفت ما ادالوش فرصة يكمل، وبص له بنظرة احتقار صريحة وقال بصوت هادي لكنه يرعب:
— اقعد مكانك يا محمود، وما تفتحش بقك بكلمة إلا لما يتطلب منك.. وإلا أقسم بالله هخلي الأمن يرميك برا الشركة بالهدوم اللي عليك دي.
محمود رجع قعد مكانه غصب عنه، رجليه ما كانتش شايلاه. كان بيبلع ريقه بصعوبة، وعينيه مثبتة على الملف الأزرق اللي حطيته قدامي.
فتحت الملف ببرود شديد، وطلعت منه أوراق العقد والتوكيل الرسمي، وبصيت للأستاذ سامح، المستشار القانوني، اللي أخد الورق وبدأ يتكلم بصوت رسمي مسموع للكل:
— بناءً على عقد الشراكة الموثق برقم ٤٥٢ لسنة ٢٠١٥، وبموجب التوكيل العام والخاص الممنوح من المغفور له المهندس فؤاد التهامي، فإن الأستاذة ندى فؤاد التهامي تمتلك رسمياً حصة ٤٠٪ من أصول وأسهم مجموعة الهلالي للإنشاءات، وبناءً على قرار مجلس الإدارة الطارئ المنعقد صباح اليوم، تم تفويضها بمنصب النائب التنفيذي لرئيس مجلس الإدارة ورئيس لجنة الرقابة والتفتيش المالي والإداري.
الهمهمات بدأت تعلى في القاعة، ومديري الأقسام بدأوا يبصوا لبعض بذهول، وفي لحظة، نظرات الاستغراب كلها اتحولت لنظرات احترام وخوف في نفس الوقت.
محمود كان حاطط إيده على راسه، مش قادر يستوعب الصدمة. الراجل اللي كان إمبارح بالليل بيقول لي «هتعيشي إزاي من غيري؟»، اكتشف إنه شغال في شركة أنا بملك تلتين قراراتها!
بصيت له وابتسمت بنصف ابتسامة، وشبكت إيديا الاتنين على الترابيزة، وقلت بصوت واثق:
— نبدأ الاجتماع يا سادة.. وطبعاً بما إني بستلم مهامي النهاردة، أول ملف هنفتحه هو تقرير المراجعة المالية لفرع التجمع الخامس اللي بيديره البشمهندس محمود.
محمود اتنفض من مكانه، وشه اصفرّ أكتر ما هو أصفر، وقال بارتباك:
— تقارير إيه يا فندم؟ الفرع ماشي زي الألف، وأنا مراجع كل العقود بنفسي، وكل مليم متسجل في الحسابات!
رديت عليه بهدوء وأنا بقلب في أوراق تانية كانت مجهزة من إدارة الحسابات المركزية:
— تمام.. خلينا نشوف مع بعض يا بشمهندس.
طلعت ورقة وبصيت فيها:
— عقد توريد حديد التسليح لمشروع “الربوة”.. السعر المسجل في الفواتير أعلى من سعر السوق بـ ١٥٪، والشركة الموردة مسجلة باسم “سيد الهواري”.. وسيد ده يبقى خال حضرتك يا بشمهندس، صح ولا أنا غلطانة؟
محمود لسانه اتعقد، وعينه بدأت تلف في القاعة، وعرق بارد نزل على جبينه:
— دي.. دي مناقصة عادية يا فندم، وخالي شركته معروفة ومفيهاش أي شبهة!
قاطعه الحج رأفت بحزم:
— مناقصة إيه وإنت الوحيد اللي وافقت عليها من غير ما تعرضها على لجنة المشتريات الرئيسية؟! إنت استغليت غياب الرقابة في الفرع وافتكرت إن الشركة مال سايب عشان أنا كنت سايب لك الحبل على الغارب عشان خاطر المرحوم فؤاد!
محمود دمعت عينه من التوتر، ووجه كلامه ليا بنبرة كان بيحاول يخليها مكسورة عشان يستعطفني:
— ندى.. إنتِ بتعملي كدة ليه؟ عشان خلافاتنا الشخصية؟ عشان اللي حصل إمبارح؟ إحنا عشرة تلات سنين، وما يصحش تصفي حساباتك معايا قدام الموظفين بتوعي!
ضحكت بسخرية، وصوتي كان واضح وقوي:
— خلافات شخصية؟! إنت اللي خلطت بين البيت والشغل لما نسيت نفسك وافتكرت إنك بنيت نفسك بمجهودك يا محمود. نسيت يوم ما كنت بتستلف مني تمن المواصلات عشان تروح تقدم في الانترفيو؟ نسيت لما كنت بتعيط في الصالة وتقولي الدنيا مقفلة في وشي، وأنا رحت لأبويا الله يرحمه وركعت تحت رجليه عشان يكلم الحج رأفت يشغلك هنا؟
سكت ثانية وأنا شايفة الدموع محبوسة في عينيه من قمة الإحراج قدام كل زمايله اللي كان بيتعالى عليهم طول السنة اللي فاتت.
كملت كلامي: