حكايات مني السيد
طمع الأقارب
الجزء الأول
لما جوزي أعلن إنه واخد إجازة شهرين بدون مرتب عشان يشتغل على الجاهز في شقة أخته اللي ورثتها…
إيه يا أشرف؟ بطل تبحلق كده وفك المسمار ده بسرعة! أنا عايزة الخلاط ده يركب عندي الليلة!
نيرمين كانت واقفة في الحمام بتأمر بصوت عالي، كأنها بتدير موقع مقاولات مش نازلة نهب وتفكيك في شقة مرات أخوها.
فيروز كانت متخشبة على عتبة باب الشقة، قالعة فردة جزمة وماسكة التانية في إيدها من الصدمة… كانت لسه راجعة مهدود حيلها من شفت التمريض في مستشفى خاصة في الدقي، وآخر حاجة كانت تتخيل تشوفها هي جوزها أشرف وهو دافن نص جسمه تحت الحوض بمفتاح إنجليزي، وأخته نيرمين واقفة فوق راسه ماسكة في إيدها خلاط المية الإيطالي الجديد اللي فيروز لسه شارياه من حر مالها الشهر اللي فات.
ممكن أفهم بالراحة كده إيه اللي بيحصل هنا؟
أشرف طلّع راسه من تحت الحوض ببطء وهو وشه في الأرض… أما نيرمين فولا اتهزت ولا حتى رماشت، وبكل بجاحة قالت المحبس عندي ضرب في الشقة، والسباك جه وقفل العمومي وسد المواسير. محتاجة خلاط جديد ضروري، وده بصراحة لقطة وهيجي مقاسه بالمللي.
فيروز فضلت كام ثانية بتستوعب الكلام ده؟ الخلاط بتاعي أنا؟! جرى إيه يا فيروز! ما تكبريش الموضوع بقى، انتوا تقدروا تجيبوا غيره الصبح. ما شاء الله أشرف بيقبض كويس وانتي كمان شغالة ومبسوطة. إنما أنا لسه مخرجة شاشة 70 بوصة بالقسط ومش حمل مصاريف سباكة وخلاطات غالية دلوقتي.
فيروز بصت لجوزها وقالت بنبرة حاسمة أشرف… اطلع من تحت الحوض. الراجل قام ونفض هدومه بتوتر يا فيروز افهمي، أختي مزنوقة وما عندهاش مية من الصبح. قلت أفك ده أركبهولها الليلة، وبكرة الصبح ننزل السبتية أو الرويعي نجيب لنا واحد تاني على قدنا وخلاص.
فيروز ابتسمت… وأشرف أول ما شاف الابتسامة دي ركبه الخوف، لقطتها دي وراها مصيبة يعني عشان الست أختك ما تباتش ليلة من غير خلاط، تقلع حمام شقتنا وتخليه خرابة؟ يا فيروز دي أختي ومن لحمنا ودمنا… على عيني وعلى راسي، أختك ولحمك ودمك تنزل معاها دلوقتي عند الموان تحت البيت، تشتروا واحد جديد على حسابها وتركبهولها. لكن لو لمست مسمار واحد تاني في الحمام ده من غير إذني، أقسم بالله هتقضيها استحمام بجردل وبلاستيكة في البلكونة!
نيرمين نفخت بضيق يا ساتر على الغل والأنانية! يلا يا أشرف، مراتك بتستخسر حتة حديدة في أهلك وبيتك، ربنا يعوض عليك.
أشرف مشي وراها مطأطأ راسه، بهدوم البيت القديمة اللي لابسها. قفلت فيروز الباب وراهم وسندت ضهرها عليه… الحكاية دي مش جديدة، أشرف متربي من صغره إن نيرمين أخته الكبيرة دي خط أحمر ومسؤوليته الشخصية يحل لها كل عقدة في حياتها. أمه الله يرحمها كانت ليل نهار ترن في ودنه يا أشرف، انت الراجل وسند أختك، مالهاش غيرك بعد ربنا تشيل عنها. وأشرف كان عبد المأمور، ينفذ وهو مغمض. شال عفش، دفع فواتير، أجرى ورا صنايعية، صلح عربيات، وضيع جمعات وإجازات من عمره يخدم فيها من غير كلمة شكر.
والطامة الكبرى بانت لما أمه اتوفت… الكل اتفاجئ إن شقة العيلة الكبيرة اتكتبت بيع وشراء باسم نيرمين لوحدها قبل ما الأم تموت! والمبرر كان سم قاتل أشرف مستور وقاعد في شقة تمليك باسم مراته، ونيرمين غلبانة ومحتاجة تأمن مستقبلها. مين اللي شال مصاريف المستشفيات والتمريض والعلاج والعمليات لأمه في آخر أيامها من جيبه؟ أشرف. وطلع في الآخر بإيه؟ ولا مليم، ولا حتى أوضة في الشقة. فيروز ساعتها بلعت لسانها وسكتت عشان ما تكسرش بخاطره ولا تشمت فيه حد.
لحد ما نيرمين قررت تشطب الشقة وتجددها على سنجة عشرة… قالت وهي قاعدة بتضرب جاتوه في صالة فيروز بكل برود يا اختي الصنايعية اليومين دول بقوا جشعين وبياخدوا أرقام فلكية! بس الحمد لله، ربنا رزقني بأخ إيده تتلف في حرير، أشرف هياخدها مقاولة حتة حتة بعد ما يخلص شغله ويوم الجمعة في إجازته.
وأشرف عيونه لمعت ووافق من غير تفكير… وفيروز عضت على شفايفها وما نطقتش… لسه… لحد ما جه يوم في عز حر يوليو، رجعت فيروز البيت الساعة أربعة العصر لقت جوزها قاعد في المطبخ ومروّق وشارب شاي. خير يا أشرف؟ مروّح بدري ليه النهاردة؟ ابتسم بفخر وقال أصلي واخد إجازة. فيروز برقت إجازتك السنوية في نوفمبر، إجازة إيه دي؟! قدمت على شهرين إجازة بدون مرتب، يوليو وأغسطس بحالهم.
فيروز نزلت شنطة الخضار على التربيزة براحة تامة، والهدوء اللي في صوتها كان يرعب شهرين… بدون مرتب؟! نيرمين قالت لي لو اشتغلت بعد الضهر بس مش هنخلص قبل سنة، وقعدنا ورتبنا كل حاجة سوا. رتبتوا سوا؟! أشرف بلع ريقه بتوتر نيرمين وأنا… اتفقنا إنك هتمسكي مصاريف البيت الشهرين دول بما إن مرتبك ماشي، وكنا بنفكر يعني ناخد قرشين من فلوس الجمعية اللي شايلاها عشان تجددي عربيتك، نجيب بيهم شوية خامات ومحارة وسيراميك لشقتها ونبقى نسدهم بعدين.
فيروز بصت له في عينه من غير ما يرمش لها جفن فلوسي أنا؟ أشرف رد بضعف أمي وصتني قبل ما تموت ما سيبش أختي لوحدها أبداً…
هنا فيروز فهمت إن الكلام والعتاب والزن خلاص ما بقاش ليهم أي لازمة، الخبطة لازم تيجي في صلب الموضوع. كان لازم تسيب أشرف يخبط في الحيطة بنفسه، عشان يعرف بعينيه قيمة الأخوة والدم اللي بيضحي ببيته ومستقبله عشانها، والست هانم مقدراه قد إيه. والقرار اللي أخدته في اللحظة دي… خلى أشرف يقف مكانه مذهول ومش مصدق ودانه!
الجزء الثاني
فيروز فضلت واقفة قصاده، عينيها مثبتة في عينيه كأنها بتشرح مريض على ترابيزة العمليات. السكوت اللي نزل على صالة الشقة كان أتقل من جبال المقطم. أشرف قعد يفرك في إيديه الاتنين بتوتر، وحبات عرق باردة بدأت تلمع على جبينه تحت إضاءة النجفة الصفرا. كان متعود لما يعك عكة من عكاته مع أخته، يلاقي فيروز بتزعق، بتثور، بترزع ضلف الدواليب، وبتفتح دفاتر السنين القديمة كلها من أول يوم جوازهم لحد اللحظة دي. بس المرة دي، الهدوء ده كان أشبه بالرياح اللي بتسبق العاصفة، ريحة خطة بتتدبر في صمت تخلع القلوب.
قرشين من فلوس الجمعية يا أشرف؟ ومرتبي أنا اللي يشيل البيت؟ قالتها فيروز ونبرة صوتها ناعمة، أبرد من تلج الفريزر.
أشرف حس بريحة أمل كدابة، افتكر إن السكوت والهدوء ده بداية استسلام، فبلع ريقه بسرعة وابتسم ابتسامة باهتة حاول يخليها حنينة يا حبيبتي افهميني بس، أنا عارف إن الحمل تقيل عليكي، بس دي حسبة شهرين مش أكتر. نيرمين أختي حاسبة كل مليم، قالت لي اليومية بتاعة الصنايعية والمقاول دلوقتي بتكسر الضهر، وأنا أولى بالقرشين دول نوفرهم ليها. وإنتي عارفة الظروف، والشقة دي هي ورثها الوحيد من أمي، لو ما وقفناش جنبها مين هيقف؟ الجمعية بتاعتك هتقبضيها أول الشهر الجاي، نشتري بيهم الأسمنت وسيراميك كليوباترا فرز أول ومؤن المحارة، ونيرمين أول ما تخلص وتأجر الشقة مفروش للطلبة أو للعرب في الدقي، هترجع لك كل مليم بالجنيه والقرش. إحنا أهل يا فيروز، وعيب الغريب يسمع إننا بنحاسب بعض على مليم.
فيروز مشيت خطوتين بهدوء نحية المطبخ، حطت شنطة الخضار على الرخامة، وطلعت إزازة مية مشبرة وصبت لنفسها كباية، شربتها كلها على مهل وهي باصة له من فوق حرف الكباية كلام جميل يا أشرف، كلام يوزن بلاد. بس عندي سؤال صغنن قد كده… هو مين اللي قال لنيرمين إن جمعيتي هتقبض أول الشهر؟ ومين اللي سمح لك تفصل وتخيط في عرقي وتحدد فلوسي تروح فين وتيجي منين؟
أشرف اتلخبط، حك قفاه ووشه جاب ألوان يعني… كنا بنشرب شاي تحت عندها أول امبارح، وسألتني إنتي بتعملي إيه بالفيزا والمرتب، فقلت لها بحسن نية إنك داخلة جمعية مع الممرضات والدكاترة في المستشفى وهتقبضيها عشان تغيري العربية السوزوكي القديمة اللي مطلع عينك تصليحها. فنيرمين قالت لي بحرقة قلب يا خويا هي العربية هطير؟ ما العربية بتمشي وبتروح وبتيجي، إنما شقة أختك واقفة على المحارة ومتبهدلة، والفلوس دي تسندنا دلوقتي وبدل ما تضيع على كماليات، نحطها في أصل ثابت.
فيروز حطت الكباية على الرخامة بصوت رن في الشقة كلها، لفت وشها ليه وربعت إيديها على صدرها تمام… كلام نيرمين أختك على راسي من فوق. ومن اللحظة دي يا ابن الناس، أنا رفعت إيدي تماماً.
أشرف اتنفس الصعداء وعينيه وسعت بفرحة ساذجة يعني موافقة يا روزة؟ ربنا يخليكي ليا يا رب وما يحرمنيش منك، والله كنت عارف إنك أصيلة وبنت حلال وم…
قاطعته بإشارة واحدة من صباعها، إشارة جمدت الكلام في زوره ما تستعجلش على رزقك يا أشرف، اسمعني للآخر عشان ما يحصلش لبس ولا سوء تفاهم. إنت راجل بالغ، عاقل، حر في تصرفاتك، طالما شايف إن أختك أولى بجهدك وعرقك وشهرين إجازة بدون مرتب، فدي حياتك ودي وظيفتك وإنت المسؤول عنها. بس خليني أرتب لك حسبتك عشان إنت باين عليك الحسابات ساقطة منك. حسبة إيه؟ أولاً، فلوس جمعيتي وفلوس شغلي وعرقي في شفتات العناية المركزة والمناوبات اللي ببات فيها مهدود حيلي بين الدم والسيرنجات، دي خط أحمر. لو السما انطبقت على الأرض، مليم أحمر منها مش هيدخل شقة نيرمين، ولا هتشوف منه قشاية. تشتري سيراميك، تشتري طين، تجيب دهانات جوتن، تجيب جير، دي مشكلتها ومشكلتك، تصرفوا من جيبكم. ثانياً بقى، وده الأهم… الشقة اللي إنت واقف فيها دي، ملكي أنا، شاريينها من ورث والدي الله يرحمه والتوكيل والعقد الأخضر باسم فيروز السيوفي. طول السنين اللي فاتت، أنا شايلاك ومتحملة نص المصاريف عشان كنت بقول راجلي وسندي وبنبني سوا. لكن طالما إنت قررت تفرغ نفسك وتشتغل باليومية وببلاش في عقارات الهانم أختك، يبقى إنت راجل مستغني. ومن بكرة الصبح، مصاريف البيت