زوجها ابوها الي شحات
تحولت الأيام إلى أسابيع، كان يرافقها كل صباح إلى النهر ويصف لها الشمس والطيور والأشجار بكلمات شاعرية حتى شعرت أنها تراها من خلال صوته. كان يغني لها وهي تغسل الملابس ويروي لها حكايات عن النجوم والبلدان البعيدة.
في الليل ضحكت لأول مرة منذ سنوات، وبدأ قلبها ينفتح. وفي ذلك الكوخ الغريب الصغير، حدث ما لم تتوقعه: وقعت زينب في الحب. وذات مساء حين أمسك يدها، سألته: “هل كنت شحاذاً دائماً؟”. تردد قليلاً ثم قال بصوت خافت: “لم أكن هكذا دائماً”، لكنه لم يضف شيئاً آخر ولم تلح عليه زينب.
إلى أن جاء ذلك اليوم؛ ذهبت وحدها إلى السوق لتشتري بعض الخضار، كان يوسف قد أعطاها تعليمات دقيقة فحفظت كل خطوة، لكن في منتصف الطريق أمسك أحدهم بذراعها بقسوة. صرخ صوت مألوف: “أيها الجرذ الأعمى! أما زلت حية؟ أما زلت تدعين أنك زوجة لذلك الشحاذ؟”. كان الصوت صوت أختها أمينة.
غصت الدموع في عيني زينب لكنها تماسكت وقالت بثبات: “أنا سعيدة”. قهقهت أمينة بسخرية: “سعيدة! أنت لا تعرفين حتى كيف يبدو، إنه نفاية مثلك تماما!”. ثم همست بكلمات حطمت قلب زينب: “لو كنت تبصرين لعرفت أن زوجك ليس شحاذاً”.
تعثرت زينب في طريق عودتها إلى المنزل حائرة، وانتظرَت حتى حل الليل. وعندما عاد يوسف سألته مرة أخرى، ولكن هذه المرة بحزم: “قولي لي الحقيقة، من أنت حقاً؟”. عندها جثا أمامها، أمسك بيديها وقال: “لم يكن من المفترض أن تعرفي الآن، لكنني لا أستطيع أن أكذب عليك بعد اليوم”.
كان قلبه يخفق بعنف في صدره فأخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول: “أنا لست متسولاً، أنا ابن زعيم القبيلة”. بدأ عالم زينب يدور وهي تستوعب كلماته: “أنا ابن زعيم القبيلة”. حاول أن يسيطر على أنفاسه مستوعبا ما تفوه به.
استعادت عقولهم كل لحظة عاشوها معا، لطفه، قوته الهادئة، وحكاياته المليئة بالثراء والتي بدت دوما أعمق من أن تكون قصص متسول. والآن أدركت السبب؛ لم يكن متسولاً أبداً، والدها لم يزوجها لمتسول، بل -من حيث لا يعلم- زوجها من أمير متنكر في ثياب رثة.
سحبت زينب يديها وتراجعت خطوة إلى الوراء وسألت بصوت مرتجف: “لماذا؟ لماذا تركتني أظن أنك متسول؟”. وقف يوسف صوته هادئ لكنه مشحون بالعاطفة: “لأني كنت أريد شخصا يراني أنا، لا مالي ولا لقبي، بل أنا فقط. شخصا نقيا، شخصا لا يشترى ححبه ولا يفرض عليه.