بعد خمس ايام من ولادتي الكيسريه

هز رأسه وقال
أنا ما طلبتش ترجعي.
وقبل ما يخرج، وقف عند باب المكتب وقال
بس عندي طلب واحد.
سارة سألته
إيه هو؟
رد بصوت مكسور
لما ليان تكبر… متخليهاش تكرهني. قوليلها إني كنت أب غلط… لكني حبيتها من أول لحظة شفتها.
سارة بصت لبنتها، ثم قالت بهدوء
هتعرف الحقيقة… من غير زيادة، ومن غير كذب.
ابتسم كريم لأول مرة من شهور، ومشى.
مرّت خمس سنوات…
كانت ليان داخلة أول يوم مدرسة.
وقفت سارة تمسك إيدها، وقالت
جاهزة يا بطلة؟
ضحكت ليان وقالت
جاهزة يا ماما.
وفي الجهة التانية من الشارع…
كان كريم واقف من بعيد، يشوف بنته وهي داخلة المدرسة، من غير ما يزعجها.
ابتسم وهو شافها تلوح له بإيدها الصغيرة.
رد عليها بابتسامة، ولف ومشى.
أما سارة، فرفعت رأسها للسماء وهمست
الحمد لله… يمكن الطريق كان صعب، لكن النهاية استحقت كل الصبر.
بعد أسبوع من أول يوم مدرسة…
كانت سارة قاعدة في مكتبها، بتراجع عقود مشروع جديد، لما السكرتيرة دخلت بسرعة.
يا مدام… في راجل مُصر يقابلك، وبيقول إنه لو خرج من غير ما يشوفك… هتندمي طول عمرك.
رفعت سارة رأسها باستغراب.
مين؟
ناولتها السكرتيرة بطاقة صغيرة.
أول ما قرت الاسم…
شهقت.
عادل المنصوري.
الاسم ده كانت شافته قبل كده…
في وصية والد كريم.
قالت بسرعة
دخليه.
دخل راجل في السبعينات، شيبته مالية شعره، وماسك عصاية.
أول ما قعد، حط ظرف قديم على المكتب.
وقال
أنا اتأخرت عشرين سنة… لكن جه الوقت تعرفي الحقيقة كلها.
فتحت سارة الظرف.
طلعت صورة قديمة.
الصورة كانت فيها والدها… ووالد كريم… وشخص تالت.
سألت باستغراب
مين الراجل ده؟
تنهد عادل وقال
ده… أبوكي الحقيقي.
تجمدت سارة.
حست إن قلبها وقف.
إيه؟! إنت بتقول إيه؟!
هز رأسه وقال
الراجل اللي رباكي كان أعظم إنسان في الدنيا… لكنه ماكانش والدك البيولوجي.
وقبل ما تستوعب الصدمة…
طلع شهادة ميلاد قديمة.
واختبار نسب موثق.
كل ورقة كانت بتأكد نفس الحقيقة.
سارة حست الدنيا بتلف بيها.
همست
يعني… أنا مين؟
رد عادل وهو بيبصلها بحزن
إنتِ الوريثة الوحيدة لعيلة المنصوري… وثروة ماحدش يعرف عنها حاجة.
وفي اللحظة دي…
رن موبايل عادل.
رد، واتغير لون وشه.
وقف بسرعة وقال
عرفوا إنك عرفتي الحقيقة…
سارة قامت وهي مش فاهمة.
مين؟
بصلها وقال بصوت مرتعش
العيلة اللي حرمتك من اسمك… وهم دلوقتي جايين ياخدوا كل المستندات… ويمكن ياخدوكي إنتِ كمان!
وفي نفس اللحظة…
اتسمع صوت فرامل عربية بعنف قدام الشركة…
ثم دوى طرق عنيف على باب المكتب اتجمدت سارة مكانها.
والطرق على الباب زاد بعنف.
السكرتيرة صرخت من بره
يا مدام… في ناس كسروا البوابة وبيطلعوا لفوق!
عادل مسك إيد سارة بسرعة وقال
اسمعيني كويس… خدي ليان واخرجي من الباب الخلفي.
سارة هزت رأسها.
لا… مش ههرب.
وقبل ما يكمل كلامه…
اتفتح باب المكتب.
دخل أربعة رجال ببدل سوداء.
وفي النص كان واقف رجل خمسيني، ملامحه حادة، وعينيه مليانة غرور.
ابتسم وقال
أخيرًا اتقابلنا… يا بنت أخويا.
شهقت سارة.
بنت… أخوك؟
ابتسم وهو يقرب منها.
أنا فؤاد المنصوري… عمك.
عادل صرخ فيه
إوعى تصدقيه!
لكن الرجل رفع ورقة مختومة وقال
أنا عمها فعلًا… وجيت آخدها ترجع وسط عيلتها.
سارة بصت له ببرود.
بعد كل السنين دي افتكرتوا إن ليَّ عيلة؟
ضحك بسخرية.
لأن الوقت جه.
سألته
وقت إيه؟
رد وهو بيبص في ساعته
وقت تقسيم الميراث.
ساد الصمت.
ثم قال
جدك مات من ساعتين… وساب ثروة بالمليارات.
عادل ضرب العصاية في الأرض وقال
كذاب! أنت خبيت عنها وجود العيلة سنين.
ابتسم فؤاد وقال
يمكن… لكن الوصية الجديدة غيرت كل حاجة.
وأخرج مظروفًا أبيض.
الوصية دي بتقول إن سارة لازم تحضر قراءة الوصية بنفسها… وإلا تعتبر متنازلة عن حقها بالكامل.
سارة أخذت المظروف بيد مرتعشة.
وقبل أن تفتحه…
رن هاتفها.
كان كريم.
ردت باستغراب.
جاءها صوته متوترًا
سارة… أوعي تروحي معاهم لوحدك.
قالت بسرعة
إنت عرفت منين؟
رد
لأن أبويا قبل ما يموت كتب اسم واحد في مذكراته… وقال لو ظهر في حياتك يوم، اعرفي إن كل اللي بيقوله نصه حقيقة… ونصه خدعة.
سارة همست
مين؟
قال كريم
فؤاد المنصوري…
وفي اللحظة نفسها…
ابتسم فؤاد وهو ينظر إليها وقال
واضح إن كريم لحق يحذرك…
ثم أضاف وهو يخرج مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا من جيبه
لكن في حاجة ماحدش يعرفها غيري…
الخزنة اللي فيها الحقيقة الكاملة… محدش يقدر يفتحها غير بالمفتاح ده تعلقت عيون الجميع بالمفتاح الذهبي.
رفع فؤاد المفتاح بين صوابعه وقال بابتسامة غامضة
الخزنة دي مقفولة من تلاتين سنة… وكل اللي حاول يفتحها فشل.
سارة مدت إيدها وقالت
هات المفتاح.
هز رأسه.
مش قبل ما تيجي معايا.
وقبل ما ترد…
قال عادل بغضب
إوعي تثقي فيه! هو السبب في اختفاء أبوكي الحقيقي!
ساد صمت ثقيل.
سارة بصت من واحد للتاني.
كل واحد بيحكي حكاية مختلفة.
وفجأة…
قالت بهدوء
خلاص… هنروح كلنا.
بعد ساعة…
وصلوا إلى قصر قديم على أطراف المدينة.
البوابة الحديد اتفتحت ببطء، وكأن المكان مهجور من سنين.
دخلوا لحد ما وقفوا قدام غرفة ضخمة تحت الأرض.
أشار فؤاد إلى باب فولاذي سميك.
دي هي.
دخل المفتاح في القفل…
لكن ما حصلش حاجة.
ابتسم فؤاد وقال
قلتلك. .. المفتاح لوحده ما يكفيش.
طلع من جيبه ورقة قديمة.
في كلمة سر.
نظر إلى سارة وقال
الكلمة دي ما يعرفهاش غير وريث العيلة الحقيقي.
اقتربت سارة من الباب.
لاحظت لوحة نحاسية عليها عبارة محفورة
الدم يفتح الباب… لكن القلب يكشف الحقيقة.
وقفت لحظة…
ثم تذكرت الوصية القديمة.
همست بكلمة واحدة
الأمانة.
في اللحظة نفسها…
صدر صوت قوي.
واهتز الباب.
ثم بدأ يفتح ببطء.
اتسعت عينا فؤاد.
مستحيل…!
دخلوا جميعًا.
كانت الخزنة عبارة عن غرفة كاملة.
وفي منتصفها…
صندوق زجاجي.
وبداخله ملف أحمر.
أسرعت سارة وفتحته.
لكنها تجمدت.
أول ورقة كانت شهادة وفاة…
باسم والدها.
أما الورقة الثانية…
فكانت شهادة أخرى…
لشخص يحمل الاسم نفسه…
لكن بتاريخ مختلف.
همست وهي ترتجف
إزاي…؟
اقترب عادل، وما إن رأى الورقتين حتى تغير لون وجهه.
ثم قال بصوت منخفض
يبقى… اللي اتدفن من تلاتين سنة…
ما كانش أبوكي أصلًا دخلت سارة الغرفة الأخيرة في القصر، وهي ماسكة ليان بين إيديها، والملفات القديمة قدامها.
بصت إلى فؤاد وقالت
قول الحقيقة… مرة واحدة.
تنهد فؤاد، وقعد على الكرسي وقال
أبوكي الحقيقي مات في حادث قبل ولادتك بشهور. وصاحبه المقرب، محمود… الراجل اللي رباكي، طلب يكتبك باسمه عشان محدش من العيلة الطماعة يقرب منك أو من ميراثك.
سارة نزلت دموعها لأول مرة.
يعني… بابا اللي رباني كان بيحبني وهو عارف إني مش بنته؟
ابتسم فؤاد وقال
كان بيعتبرك أغلى من أي بنت في الدنيا. وقال قبل ما يموت الأب مش اللي خلّف… الأب اللي ربّى.
في اللحظة دي، فتحت آخر ظرف في الخزنة.
كان فيه خطاب بخط والدها الذي رباها.
يا سارة… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. متدوريش على الثروة، دوري على راحتك. أنا سيبتلك مال يكفيكي عمرك كله، لكن أكبر ميراث سيبتهولك هو اسمك النضيف. سامحي اللي ظلمك، لكن ما ترجعيش لحد كسرك.
سارة حضنت الخطاب وهي بتبكي.
بصت لكريم، اللي كان واقف بعيد في صمت.
قال
أنا مش مستني منك تسامحيني… لكن هفضل أب ليان طول عمري.
ردت بهدوء
هتفضل أبوها… لأن الذنب بيني وبينك، مش بينها وبينك.
بعدها بأيام، تنازلت سارة عن جزء كبير من الميراث لصالح مؤسسة خيرية باسم والدها الذي رباها، وأنشأت مستشفى مجاني لعلاج الأطفال، وعلقت على مدخله لوحة مكتوب عليها
إلى الرجل الذي علّمني أن الأبوة أفعال وليست دمًا.
أما كريم، فبدأ حياة جديدة، يعمل بجد ويزور ابنته في مواعيدها، حتى كسب احترامها مع مرور السنين.
وفي عيد ميلاد ليان الثامن، سألت أمها
ماما… مين أحسن راجل عرفتيه في حياتك؟
ابتسمت سارة، ونظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط، وقالت
الراجل اللي رباني، وعلّمني إن الكرامة أغلى من أي ثروة.
انتهت الحكاية، وعاشت سارة وليان حياة هادئة، بعدما أدركتا أن الحقيقة قد تتأخر، لكن العدل يجد طريقه دائمًا، وأن الأسرة تُبنى بالمحبة والوفاء، لا بالمال ولا بالميراث.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *