اهلي تركوني وانا حامل للكاتب اسلام احمد

أهلي غصبوني أنام في جراج بارد تلج وأنا حامل في الشهر السابع، بعد كام شهر بس من جنازة جوزي البطل اللي كان في القوات الخاصة. بس بعد أقل من 12 ساعة، عربيات جيب عسكرية سودة قفلت الشارع، وعساكر وظباط بس*لاحهم ضربوا لي تعظيم سلام باسمي، والناس اللي ذلوني وهانوني فهموا في لحظة إنهم دمروا حياتهم بإيديهم.
الساعة 5:12 الصبح يوم العيد، تليفوني بدأ يزن على رخامة المطبخ.
كانت أختي الصغيرة، نهى.
ما قالتش أهلاً. ما سألتش أنا عاملة إيه. ولا حتى مثلت إنها مهتمة.
“بابا وماما محتاجين الأوض اللي فوق”، قالتها بالصوت البارد اللي بتستعمله لما تقرر إني ماليش لازمة. “انقلي حاجتك الجراج الليلة دي. كريم محتاج مكتب لوحده طول ما هو قاعد هنا عشان بيشتغل أونلاين”.
وقفت جنب الحوض وماسكة كوباية شاي بلبن باردة بين إيدّيا، حامل في السابع ولابسة سويت شيرت القوات الخاصة الأزرق القديم بتاع جوزي طارق.
المطبخ كان ريحته سمنة مقدودة وشاي بايت، والدفا المزيف بتاع بيت قايد نوره بس مفيش حد فيه بيحسسك إنك مرغوبة. برا، النسمة كانت ساقعة وتلج. وجوا، أهلي بيبصوا لي كأن حملي، وحزني، ووجودي كله عبارة عن مشكلة كركبة ومحتاجين يخلصوا منها.
“الجراج؟”، كررت الكلمة بالراحة. “الدنيا برا تلج وتحت الصفر”.
أمي فضلت تقلب السكر في كوبايتها من غير ما ترفع عينها.
أبويا نزل الجرنان بنرفزة كانت جاهزة ومتفصلة.
“سمعتي أختك قالت إيه”، زعق. “بلاش شغل دلع وتعيشي دور إن كلنا مديونين لك بمعاملة خاصة”.
كنت هضحك والله.
لأن جوزي، طارق عبد الرحمن، هو اللي دفع تمن كل حاجة في البيت ده.
طارق هو اللي اشترى البيت ده بعد رجوعه من مأمورية سينا الثانية. طارق هو اللي دفع مصاريف عمليات أبويا وأمي. طارق هو اللي دفع مصاريف كلية الحقوق بتاعة نهى. وطارق بقاله تسع شهور بس ميت.
الظاهر إن تسع شهور كانت كفاية جداً عشان كلهم ينسوا هما عايشين في خير مين.
دخلت نهى المطبخ ببيجامة ستان، وشايلة كلبها الصغير اللولو كأنها ماشية على السجادة الحمراء. كريم كان وراها، بالثقة الباردة والمستفزة بتاعة راجل عمره ما تعب ولا شقي في حياته.
“الموضوع مؤقت”، نهى قالتها وهي بتلوي بوزها، كأنها بتطلب مني أحرك كرسي، مش بنقل جسمي الحامل لجراج من غير دفاية. “كريم محتاج هدوء عشان اجتماعات الشغل”.
كريم ضحك بصفار.
“والصراحة يعني، طاقة النكد والحزن اللي في البيت دي بقت تخنق”.
أمي أخيراً بصت لي.
“حاولي متكركبيش الكراتين في كل حتة”، قالتها بخفة. “كريم راكن العربية المرسيدس جوا”.
كريم ضحك تاني.
بصيت لكل واحد فيهم في صمت. وبعدين بصيت لأبويا.
محدش اتهز.
محدش نزل عينه في الأرض.
ندالة الأهل وقسوتهم عمرها ما بتيجي بزعيق وخناق. بتيجي بالشبشب، وكوباية الشاي السخنة في الإيد، وبيسموا جبروتهم وقسوتهم “عقلانية ومصلحة”.
ابتسمت مرة واحدة بس.
“حاضر، ماشي”، قلتها بهدوء.
هما افتكروا إني استسلمت.
بس في الحقيقة، ده كان معناه حاجة واحدة: إني أخيراً هبطل أحميهم من عواقب قسوتهم وسواد قلوبهم.
ليلة في الجراج والسر الكبير
لميت حاجتي بسرعة.
جاكتين. هدوم الحمل. اللاب توب بتاعي. وفيس بوك طارق وكاب الخدمة بتاعه.
مفيش حاجة تانية كانت تهم.
الجراج كان ريحته خرسانة منداة، بنزين، وتراب. حد كان زاقق سرير حديد قديم ومصدي جنب الحيطة ورا، جمب كومة كراتين بلاستيك مليانة تراب.
بطانية خفيفة.
من غير دفاية. من غير حمام. من غير كرامة.
قعدت براحة على السرير وحطيت إيدي على بطني.
البنت رَفست.
كأنها بتفكرني إني مش لوحدي تماماً في الدنيا دي.
في اللحظة دي، تليفوني المتشفر اتهز جمبي.
تم تحويل المبلغ.
مشروع “أوريون” معتمد رسميًا.
عقد وزارة الدفاع اتوقع.
تحرك أمن القوات المسحلة: 0800 (الثامنة صباحاً).
أهلاً بكِ في شركة “ستراتيكس للأنظمة الدفاعية”، مدام طارق.
فضلت باصة للشاشة وقت طويل.
طول الشهور اللي فاتت، وأهلي بيعاملوني كأني حمل تقيل ومضيق عليهم المكان، كنت بخلص في السر برنامج الدفاع العسكري اللي طارق كان بيحلم يبنيه.
شبكة اتصالات مشفرة ومحمية لأرض المعركة.
نظام معمول مخصوص عشان يمنع قطع الإشارة وقت عمليات الإنقاذ والإخلاء وسط الضرب.
نفس العطل اللي اتسبب في استشهاد كتيبة طارق كلها برا، لما طيارات الإنقاذ فقدت الاتصال بيهم.
بنيته من أبحاثه. ملاحظاته. خط إيده على حواف الورق. ومن حزني وكسرة قلبي عليه.
شركة “ستراتيكس”، واحدة من أكبر شركات المقاولات العسكرية، اشترت البرنامج بالكامل قبل يومين. الصفقة دي خليتني مليونيرة بين يوم وليلة، وعينوني رئيسة قطاع التكنولوجيا وأنا لسه مكملتش تلاتة وتلاتين سنة.
أهلي ما كانوش يعرفوا حاجة، لأن محدش فيهم فكر يكلف نفسه ويطلب يعرف أنا بعمل إيه طول الليالي الطويلة دي وأنا سهرانه لوحدي.
بالنسبة لهم، أنا كنت مجرد الأرملة الحامل اللي قاعدة فوق قلبهم.
ساعة الحساب
الساعة 7:58 الصبح، أرض الجراج بدأت تتهز تحت رجلي.
صوت مواتير تقيلة.
عربيات كتير.
قمت براحة وفتحت باب الجراج الحديد.
تلات عربيات جيب عسكرية سودة فاميه وقفت ورا بعض في الممر بتاع البيت.
اللواء نبيل حسن نزل الأول، بالبدلة العسكرية الرسمية بكامل رتبها.
وراه نزل أربعة من رجال القوات الخاصة، زمايل طارق القدام، بس*لاحهم.
جاهزين. ساكتين. وملامحهم ناشفة ومفهاش هزار.
اللواء مشي خطوة عسكرية عريضة ناحيتي، ورفع إيده وضرب لي تعظيم سلام عسكري يهز الأرض.
“مدام طارق”، قالها بصوت قوي جهوري. “موافقة القيادة وصلت الساعة 0600”.
باب البيت الكبير اتفتح هبد.
أمي خرجت بالروب.
نهى وراها، وهي ضامة الكلب لحضنها وخايفة.
كريم اتسمر في مكانة على السلم، والضحكة البايخة اتمسحت من على وشه.
أبويا كان لسه ماسك الجرنان متني في إيده.
عينيهم راحت من الأسطول العسكري للسرير الحديد المصدي اللي جوا الجراج. ومن كاب طارق وعلاماته العسكرية لبدلة اللواء. وبعدين، في الآخر، بصوا لي أنا.
الشارع كله بقى حتة واحدة من الصمت. كوباية أمي اتهزت على الطبق في إيدها. كلب نهى بطل يتحرك. كريم فتح بقه بس مفيش كلمة طلعت. أبويا بص للبطانية الخفيفة كأنه لسه فاهم حالا إن ده مش سرير؛ دي ج*ريمة ودليل إدانة ضدهم.
محدش ضحك.
اللواء نبيل حسن طلع فايل أسود عليه ختم النسر ومكتوب عليه جهة سيادية، وأختي همست برعب وهي بتبص لي:
“أنتِ عملتي إيه؟”
اللواء حتى مالتفتش يبص لها.
مد لي الفايل وقال بكل هيبة:
“يا فندم، قبل ما نتحرك وننقل حضرتك من هنا، في توقيع أخير لازم يخلص قدام شهود…”

“قدام شهود”، الكولونيل (اللوِاء نبيل) كرر الكلمة تاني، ولأول مرة من يوم ما طارق مات، اسم “عبد الرحمن” مكنش حاساه حمل تقيل عليا.. كان طالع من بوقه كأنه أمر عسكري يتهز له الشارع!

أخدت الفايل في إيدي الاتنين. الورق كان ساقع من ندى الصبح، بس صوابعي مكنتش بترعش خلاص. في الصفحة الأولى كان اسمي بالكامل، ورقم العقد، وساعة التصديق: 0600. الصفحة التانية كان فيها لستة بكل الأصول والملفات اللي شركة “ستراتيكس للأنظمة الدفاعية” أمنتها كجزء من الصفقة؛ اللاب توب بتاعي، السيرفرات المتشفرة، والنوت الفنية بتاعة طارق.. كل حاجة أهلي طنشوها ومشيوا فوقيها وهما بيبعتوني أنام جنب ريحة البنزين وتراب الخرسانة!

كريم نزل خطوة من على سلم الصالة، وبدأ يحاول يستعمل صوت “الراجل المهم الشيك” اللي بيظهر بيه في ميتنجات الشغل وقال: “أكيد في سوء تفاهم هنا.. هي عايشة هنا، وحاجتها هنا، وإحنا من حقنا إننا…”
عسكري من الرجالة قدم خطوة واحدة بس لقدام.. مش هجومية، بس كانت كفاية تخلي كريم يخرس ومينطقش بحرف، والكلمة تقف في زوره!

اللحظة الحاسمة
في اللحظة دي اللواء فتح ظرف تاني مكنتش شفته قبل كده، ظرف جديد تماماً عليه تيكت مكتوب عليه بالخط العريض: (كشف حصر الممتلكات الشخصية وسجل منع الدخول).

أمي من الصدمة إيدها اتهزت والطبق اللي شايل كوباية الشاي وقع من إيدها واتدشدد ميت حتة على أرض المدخل بصوت صغير بس كان بيعلن نهاية كل حاجة.

نهى بصت للجراج، وبعدين لكريم، وبعدين للفايل اللي في إيدي وقالت وهي بتوشوش برعب وعينها مليانة دموع: “لأ.. مش ممكن تعملي كده.. طارق هو اللي ساعدنا.. طارق كان من عيلتنا!”
بصيت لها من فوق علامات طارق العسكرية (الكلبشات والبادجات الفضية) اللي كانت مدلدلة على صدري وفوق قلبي، وقلت لها بكل برود:

“بالظبط.. عشان هو كان عيلتكم وأنتو عملتوا كده!”

اللواء نبيل قلب الصفحة الأخيرة ناحيتي وشاورلي على خط الإمضاء. إمضائي مش بس كان هيقفل نقل ملكية البيت والمكان فوريًا ويطردهم برا، لأ.. ده كان بيدي أمر رسمي ومباشر بمراجعة وفحص كل قرش وكل مليم اتسحب من حسابات طارق البنكية طول التسع شهور اللي فاتوا من ورايا!

أبويا وشه خطف لون غريب وبقى أبيض كأنه كفن، والجرنان اتطبق واتعصر بين صوابعه اللي بترتعش، وقبل ما القلم يلمس الورقة عشان أمضي، سألني بصوت واطي ومبحوح.. صوت راجل لأول مرة في حياته يكون مرعوب بجد:
“أنتِ عرفتي إيه بالظبط؟!”

بصيت لأبويا ورفعت القلم فوق خط الإمضاء مباشرة، والبرود اللي في قلبي كان أقوى من تلج الجراج اللي بيتهموني بالدلع فيه.

“عرفت كل حاجة يا بابا”، قلتها بصوت هادي ومسموع للكل. “عرفت التوكيل العام اللي خليت طارق يمضي عليه وهو في المستشفى بيموت، بحجة إنك بتخلص له ورق العلاج. وعرفت الحساب اللي فتحتوه باسم كريم عشان تحولوا عليه مبالغ المكافآت ومعاش القوات الخاصة بتاعي وبتاع بنتي اللي لسه مجتش الدنيا.”

أمي ساندت ضهرها على الحيطة كأن الركَب مش شايلاها، ونهى حطت إيدها على بوقها وهي بتبص لكريم، اللي ملامحه اتفضحت تماماً وبقا يتلفت حواليه كأنه بيدور على مخرج من المصيدة.

نهاية اللعبة
مضيت.

التكة بتاعة القلم وهي بتقفل كانت زي رصاصة الرحمة على جبروتهم. اللواء نبيل أخد الفايل، وبص لظابط وراه وأداه إشارة بسيطة براسه.

“يا فندم”، اللواء نبيل وجه كلامه ليا بكل احترام. “العربيات جاهزة عشان تنقل حضرتك للمجمع السكني الخاص بوزارة الدفاع. ومن اللحظة دي، القوة هنا هتستلم الموقع. الباشمهندس كريم والحج…” بص لهم بقرف كأنه بيبص لحشرات: “قدامكم بالظبط خمس دقايق تاخدوا هدومكم اللي عليكم. أي ورق، أي حسابات، أو ممتلكات اشترتوها بفلوس البطل طارق عبد الرحمن، متحفظ عليها رسمياً لحد ما النيابة العسكرية تباشر التحقيق في قضية النصب واستغلال أموال شهيد.”

كريم رجع خطوتين لورا وصوته طلع مخنوق: “يا فندم أنا ماليش دعوة! هما اللي قالوا لي الحسابات دي…”
نهى زعقت فيه وهي بتعيط: “أنت هتباعنا يا كريم؟ مش أنت اللي كنت بتقول البت دي ملهاش ظهر وناخد حقنا منها؟”

الشارع كله كان واقف بيتفرج. الجيران اللي كانوا بيشوفوهم وهما بيعاملوني كأني خدامة أو حمل تقيل، واقفين دلوقتي وشايفين رجالة القوات الخاصة وهما بيحاوطوا البيت، والكلبشات بتلمع في إيد العساكر وجاهزة لـ كريم وأبويا.

الخروج لبر الأمان
اللواء نبيل فتح لي باب العربية الجيب السودة بنفسه.
قبل ما أركب، لفيت وبصيت لبيت طارق.. البيت اللي اندفع تمنه دم وشقى، واليوم رجع لأصحابه الحقيقيين.

بصيت لأبويا اللي كان باصص للأرض ودموعه نازلة من العجز والخوف، ولأمي اللي بتندب حظها يوم العيد في وسط الشارع. مفيش في قلبي أي ندم، ولا أي حزن عليهم. الندالة لما بتيجي من الأهل، بتقطع حبل الود ومابتسيبش وراها غير رماد.

ركبت العربية، والتكييف السخن اشتغل ودفى جسمي. حطيت إيدي على بطني، والبنت رَفست رفسة خفيفة، كأنها بطمنّي وبتقول لي إن الكابوس انتهى.

العربيات دارت، وتحركنا في طابور عسكري مهيب. ومن ورا الزجاج الفاميه الساقع، شفتهم وهما بيترسوا ورا بعض عشان يركبوا عربية الترحيلات. طارق مسبنيش لوحدي.. طارق ساب لي اسمه، وساب لي بنته، وساب لي بلد بحالها تقف لي تعظيم سلام وتجيب لي حقي في تلت ثانية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *