اخو جوزي حكايات مني السيد

اخو جوزي ج 2 حكايات مني السيد
**الفصل الثالث**
الغمزة دي كانت بمثابة رصاصة دخلت قلبي وفجرت فيه كل طاقة الغضب اللي كانت مكبوة بقالها شهر. حسيت إن الدنيا بتلف بيا، والدم غلى في عروقي لدرجة إني مكنتش شايفة قدامي. الراجل ده مش بس قليل الأدب، ده ثعلب، ومخطط لكل خطوة بيعملها، وعارف نقطة ضعف أخوه كويس.. عارف إن أحمد نِمس في الأصول، وكلمة “شرفي وعرضي وبسبب كلام ستات” هتخليه يلف حوالين نفسه.
صرخت بأعلى صوتي ومكة في حضني عياطها زاد:
ـ أنت كداب! كداب وعينك زايغة وبني آدم مش محترم! أنت بتغمزلي؟ لسه غامزلي حالا وأخوك مدي لك ضهره! أنت إيه يا أخي؟ معندكش دم؟ معندكش دين؟
أحمد لف عليا وبصلي بزعيق وعصبية عميا:
ـ منى! جرى لك إيه؟ لمي نفسك واقعدي في أوضتك! أخويا مش كداب، وأنا واقف وشايف كل حاجة، محمود مستحيل يعمل كده، إنتي اللي أعصابك باظت من القعدة في البيت والقصص اللي بتقريها على الفيس بوك خلتك تشوفي كل الناس وحشة!
محمود قفل سستة الشنطة بعنف مصطنع، واتنهد تنهيدة كلها غُلب، وبص لأحمد وهو بيطبطب على كتفه:
ـ خلاص يا أحمد، متزعلش نفسك ولا تخرب بيتك بسبب.. أنا ماشي، والجميل اللي عملته معايا ووقفتك جنبي أول ما جيت البندر عمري ما هنساهالك، بس لحد هنا وكرامتي فوق كل شيء.. أنا مش هقعد في مكان صاحبة البيت شيفاني فيه خاين وعيني على حُرمة أخويا.
أحمد شد الشنطة من إيده ورماها في الأرض:
ـ مفيش خروج يا محمود! ورجلك فوق رقبتي، البيت بيتك، واليومين اللي هتقعدهم لحد ما تلاقي شقة هتقعدهم غصب عن عين أي حد!
الكلام نزل عليا زي مية نار.. “غصب عن عين أي حد”؟ يعني غصب عن عيني أنا؟ شريكة حياته وأم بنته اللي سهرانة وشايلة بيته؟
بصيت لأحمد بنظرة كسرة وعمري ما هنسهالهاله، وقلت بصوت حزين ومبحوح:
ـ ماشي يا أحمد.. ماشي.. طالما غصب عن عيني، يبدو إن ماليش مكان في البيت ده.
دخلت الأوضة، حطيت مكة على السرير وهي لسه بتشهق من العياط، وجبت شنطة هدوم صغيرة، وبدأت ألم فيها لبسي ولبس بنتي وأنا إيدي بترتعش ودموعي مغرقة وشي. مكنتش شايفة الألوان ولا الهدوم، كنت شايفة بس الغدر اللي جالي من أقرب الناس.. جوزي اللي كان المفروض يبقى ضهري وحمايتي، صدق الغريب وكسرني قدامه.
أحمد دخل الأوضة ورايا، قفل الباب وبصلي وهو بينهج، كان باين عليه إنه ندمان على الكلمة اللي قالها بس كبريائه منعه يتراجع:
ـ بتعملي إيه يا منى؟ إنتي هتهبلي؟ هتسيب بيتك في نص الليل وتروحي فين؟
قلتله وأنا بقفل الشنطة وعيني في عينه:
ـ هروح عند أبويا يا أحمد.. المكان اللي كرامتي فيه متصانة، المكان اللي لما أقول فيه أنا خايفة، يتقال لي “حقك علينا” مش “إنتي متهيألك ومجنونة”.
أحمد مسك الشنطة عشان يمنعني:
ـ قسماً بالله يا منى لو خرجتِ من الباب ده في وقت زي ده، لا هتبقى فيها جوازة ولا زِفت! إنتي بتلوي دراعي بأخويا؟ عايزاني أطرد لحمي ودمي في الشارع عشان أصل معاليكي مرعوبة من خيالك؟
بصيت له وقلت ببرود غريب جالي فجأة من كتر الوجع:
ـ طالما خيرتني بين الجوازة دي وبين كرامتي وأماني، يبقى الكرامة تكسب يا أحمد.. وسع من طريقي.
شلت مكة على كتفي، وفي إيدي التانية الشنطة، وفتحت باب الأوضة. محمود كان واقف في الصالة، مربع إيديه، ووشه خالي من أي تعبير، بس عينيه كانت فرحانة.. عينيه كانت بتقول لي “أنا اللي طردتك من مملكتك”. مديتوش فرصة يشمت أكتر، وخرجت من باب الشقة، وأحمد ورايا بيحلف ويوعّد، بس أنا مقفتش.. نزلت السلم جري وأنا برتعش لحد ما طلعت للشارع.
الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر.. الشارع كان هسس، ومفيش غير كلاب السكك ونور العواميد الضعيف. وقفت على أول الشارع وأنا بضم مكة لحضني وبغطيها من الهوا الساقع، وبدأت أدور على تاكسي. دموعي مكنتش راضية تقف، وكنت بسأل نفسي: هو أنا صح؟ ولا أنا فعلاً مكبرة الموضوع زي ما أحمد قال؟ بس افتكرت غمزته، ونظرته في الضلمة، فاستعذت بالله وعرفت إن خطوتي دي هي الصح، حتى لو تمنها بيتي.
أخيراً لقيت تاكسي، ركبت ووصلت بيت أبويا في منطقة الدقي. أول ما خبطت، أبويا فتح وهو مخضوض، وأمي قامت مفزوعة من السرير.
ـ في إيه يا منى؟ يا بنتي إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ أحمد جرى له حاجة؟ مكة عيانة؟
انهرت في حضن أمي، والشنطة وقعت من إيدي، وفضلت أعيط بحرقة لحد ما حست إن نفسي هينقطع. أبويا أخد مكة اللي كانت نامت من كتر التعب، وقعدني في الصالة وجاب لي مية بسكر وقاللي بحنان الأب:
ـ اهدى يا بنتي.. اهدى واحكي لي، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مفيش مخلوق يقدر يكسر بخاطرك.
حكيت لهم كل حاجة.. من أول يوم محمود دخل فيه الشقة، والخمار اللي بقيت لبساه طول اليوم، والتلات ساعات اللي بقعدهم مرعوبة في الأوضة، لحد حكاية العين السحرية، والوقفة في الضلمة، والغمزة اللي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.. وطبعاً، رد فعل أحمد وكسرته ليا.
أبويا وشه اسود من الغضب، وعروق جبهته برزت:
ـ ابن الـ… بيغمز لمراتي ابنك وأنت واقف يا أحمد؟ ومصدق أخوك الصايع ومكدب بنت الأصول اللي عمرها ما خرجت منها العايبة؟
أمي قعدت تخبط على صدرها وتقول:
ـ يا مصيبتي! “الحمو الموت” فعلاً.. ده كلام النبي ومينطقش عن الهوى، أهو أحمد بغباوته وحرجه من أخوه كان هيضيع مراته وبيته.. الحمد لله إنك خرجتِ يا بنتي، الحمد لله إنك جيتِ هنا.
أبويا قال بحسم:
ـ مفيش رجوع للبيت ده يا منى طول ما البني آدم ده فيه، وأحمد ده ليا قعدة معاه تانية خالص، هعرفه إزاي يبقى راجل ويصون بيته وعرضه.
عدى أول يوم في بيت أبويا، وتليفوني منقطعش رن من أحمد. مكنتش برد عليه خالص، كنت سايباه ياكل في نفسه. في اليوم التاني، لقيت جرس الباب بيرن.. فتحت أمي، وكان أحمد واقف برا، وشه كان باهت وتعبان وعينيه منمتش.
أبويا خرج له الصالة وقعد معاه، وأنا وقفت ورا ستارة الصالة اسمع الكلام.
أحمد بدأ كلامه باعتذار:
ـ يا عمي أنا جيت لبيتك وعارف إني غلطان، بس منى اندفعت وأخويا محمود ضيف عندي..
قاطعه أبويا بصوت زي الرعد:
ـ ضيف يقعد تلات أيام، أسبوع.. مش يقعد شهر ويدخل في التاني! وضيف يلزم حدوده، مش يقف لمرتك في الضلمة وراها وهي خارجة تجيب مية للبنت! وضيف يغض بصره، مش يغمز لمرتك وأنت مدي له ضهرك! أنت فين رجولتك يا أحمد؟ فين حمايتك لبيتك؟
أحمد وطى راسه وقال بصوت واطي:
ـ يا عمي والله أنا مكنتش متخيل إن محمود بالخبث ده، أنا لما منى مشيت، فضلت صاحي طول الليل بفكر، وتاني يوم راقبت تصرفات محمود من بعيد.. ولقيت..
سكت أحمد، وأنا قلبي دق.. لقيت إيه يا أحمد؟
أحمد كمل بغصة في حلقه:
ـ رجعت من الشغل بدري من غير ما أقوله، ووقفت تحت الباب، وسمعته بيتكلم في التليفون مع واحد صاحبه في بلدنا.. كان بيقوله “أنا قاعد هنا ومقرتع في الشقة، ومرات أخويا دي حتة قشطة بس تقيلة شوية، وأنا وراها لحد ما أطوعها، وأخويا ده مغفل مش فاهم حاجة وجايبه ورايا”..
أول ما أحمد قال الجملة دي، حسيت بنار ولعت فيا، وفي نفس الوقت حسيت بانتصار.. إحساسي مكانش غلط! أنا مكنتش مجنونة ولا ببالغ!
أحمد كمل وعينيه دمعت:
ـ أول ما سمعته بيقول كده، دخلت الشقة زي المجنون، نزلت فيه ضرب لحد ما وشه جاب دم، ورميت هدومه في الشارع وطردته طردة الكلاب، وقلت له لو شفت وشك في المدينة دي تاني هقتلك.. أنا أسف يا عمي، أنا جيت أخد مراتي وبنتي، والبيت فضي ومبقاش فيه غيري أنا وهي.
أبويا بصلي، وأنا خرجت من ورا الستارة. أحمد أول ما شافني قام وقف وجه ناحيتي وعينيه فيها رجاء:
ـ سامحيني يا منى.. أنا غبي، الحرج والأصول عموني، مكنتش فاهم إن “الحمو موت” بجد، ومكنتش فاهم إن خوفي على زعل أخويا ممكن يضيع مني شرفي وبيتي.. ارجعي معايا يا منى.
بصيت لأحمد، وكنت لسه هرد وأقوله إني موافقة أرجع عشان بيتي وبنتي وعشان هو عرف الحقيقة، بس فجأة تليفون أحمد رن بصوت عالي.. أحمد طلع التليفون وبص في الشاشة، وملامحه اتخطفت تماماً.. الوجع والخوف ظهروا على وشه في ثانية.
أبويا استغرب وقال:
ـ في إيه يا أحمد؟ مين بيرن؟
أحمد رد بصوت يترعش كأنه شاف شبح:
ـ ده.. ده أبويا.. أبويا بيرن من البلد وصوته في الرسالة اللي بعتها قبل المكالمة متبهدل.. بيقول إن محمود رجع البلد، وجمع العيلة كلها، وقال إن أنا اللي طردته عشان قفشته مع منى في أوضة النوم!!!
الشقة كلها اتجمدت.. المصيبة مخلصتش، محمود قرر يقلب التربيزة ويضيع شرفي في البلد كلها عشان ينتقم مننا.. وساعتها عرفت إن الحرب الحقيقية يادوب لسه بتبدأ.. ووو…!!!
**الفصل الرابع**
الكلمات وقعت على ودني زي القنبلة الموقوتة، حسيت إن البيت كله بيدور بيا. “خيانة؟ مع أخوه؟ في أوضة النوم؟” محمود مش بس كداب، ده شيطان بيسعى في الأرض فساد، قرر يغطي على خيبته بجري..مة في حقي، ويحرق سمعتي في البلد كلها عشان يداري على اللي عمله.
أحمد كان واقف مذهول، التليفون لسه في إيده، وأبويا قام وقف زي الأسد، صوته جه جهوري ومسيطر على المكان:
ـ يا ابن الـ… دا الحكاية طلعت أكبر بكتير مما كنا متخيلين! محمود مش بس عايز يطردك من بيتك، ده عايز يكسرك في أهلك، ويخلي “عيرتك” على كل لسان في البلد!
أنا مقدرتش أتمالك نفسي، قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، ومكة في حضني بدأت تعيط كأنها حاسة بنار أُمها. أحمد ساب التليفون على التربيزة، وجه ناحيتي وخدني في حضنه، كان بيحاول يهديني بس أنا كنت حاسة بإحساس المرارة في حلقي.
ـ يا منى، صدقيني، والله لأجيب حقك، ولو كلفني حياتي. والله ما حد يقدر يمس شعرة من كرامتك وأنا موجود.
بصيت له بدموع، وقلت بصوت بيترعش:
ـ أنت مش فاهم يا أحمد.. الناس في البلد هناك مش هيسمعوا لي، ولا هيسمعوا لك.. الخبر لو انتشر، هيتصدق فوراً.. لأن “الخبر الوحش بيطير”، وأنا بنت المدينة، غريبة عليهم، ومحمود ابنهم اللي بيحبوه.. هيصدقوه هما وهيكذبوني أنا!
أبويا قاطعنا وصوته حازم:
ـ لا، مش هيحصل. إحنا هنروح البلد. دلوقتي حالا! مش هسيب بنتي سمعتها تتداس في الوحل عشان شوية كدب. أحمد، جهز عربيتك، وخدنا وراك، هنواجه العيلة كلها، ومحمود ده لو ظهر قدامي، أنا اللي هحاسبه بنفسي.
اتحركنا في نفس الساعة، الطريق كان طويل وموحش، كأن الطريق نفسه بيحاول يحذرنا من اللي مستنينا. طول السكة، كنت بسأل نفسي، هل معقولة يجي يوم ألاقي نفسي في وسط معركة زي دي؟ هل معقولة بيتي اللي كنت فاكره مملكتي يتحول لساحة حرب؟
وصلنا البلد قبل المغرب، جو البلد كان مشحون، دخلنا بيت العيلة الكبير، لقيت “عيلة أحمد” كلها متجمعة في الصالة، الوجوه كانت متجهمة، ونظراتهم لينا كانت كلها ريبة وشك. محمود كان واقف في نصهم، لابس جلبابه، وشعره منكوش، وعامل نفسه “المظلوم المكسور”، ودموعه تماسيح على خده.
أول ما دخلنا، عم أحمد الكبير، راجل طاعن في السن بس كلمته مسموعة، قام وقف وقال بصوت أجش:
ـ يا أحمد.. إيه اللي جابك؟ وايه اللي سمعناه ده؟ مراتك.. دي؟
أحمد مكنش خايف، وقف في وشهم بكل شموخ، وبص لمحمود اللي كان بيبص للأرض بتمثيلية متقنة. أحمد اتكلم بصوت عالي:
ـ اللي سمعتوه ده كدب! محمود طردته من بيتي لأنه كان بيتحرش بمراتي، ولما طردته، قرر ينتقم منها بشرفها!
محمود قام وقف وهو بيصرخ وبيمثل الانهيار:
ـ بتكدب يا أخويا عشان تداري على فضيحتك؟ أنا اللي كنت بنصحك، أنا اللي كنت بقولك خلي بالك، بس أنت كنت مغيب.. والله العظيم يا عمي، والله يا رجالة، أنا دخلت أوضة النوم ولقيت…
قبل ما يكمل، أبويا هجم عليه زي القطر، مسكه من رقبته ووقعه في الأرض، الصالة اتقلبت لميدان معركة. الرجالة اتدخلت عشان تفكهم، والستات صرخوا، والجو بقى لا يطاق. أنا كنت واقفة في جنب، مكة في حضني بتعيط، وأنا ببص للمشهد ده بنظرة كلها قرف. ده جوزي؟ ده أهله؟ هي دي الأصول اللي كانوا بيحكوا عنها؟
بعد ما هدوا الأمور بالعافية، وقعدوا أبويا وأحمد قدام “مجلس العيلة”، محمود كان قاعد في ركن بيمسح دموعه، وبصلي بنظرة فيها شماتة وخزي.
العم الكبير قال:
ـ مفيش كلام يتقال غير بالبينة. يا محمود، عندك دليل على اللي بتقوله؟ يا أحمد، عندك إثبات إن الكلام ده كدب؟
محمود اتكلم بسرعة:
ـ الدليل؟ الدليل إنها هي اللي كانت بتتحايل عليا، وهي اللي كانت بتلبس لبس…
أنا هنا مقدرتش أسكت، طلعت لقدام، وقفت قدامهم كلهم، نظرتي كانت ثابتة زي الجبل، صوتي مكنش فيه خوف، بالعكس، كان فيه قوة:
ـ الدليل عندي أنا. يا عم، يا رجالة العيلة، أنا معايا تسجيلات.
الكل سكت، محمود وشه اتغير لونه وبقى أصفر، سأل بتلعثم:
ـ تسجيلات؟ تسجيلات إيه دي؟
طلعت موبايلي، وفتحت الملفات. أنا من يوم ما بدأت أشك في حركاته، وأنا مشغلة “تطبيق تسجيل مكالمات” و”تطبيق تسجيل صوتي” بيشتغل تلقائي في البيت، كنت بعمل كده عشان أثبت لنفسي إني مش متهيألة، ومكنتش أعرف إن ده هيبقى طوق نجاتي.
شغلت التسجيل.. صوت محمود وهو بيكلم صاحبه في التليفون: “مرات أخويا دي حتة قشطة.. أنا وراها لحد ما أطوعها.. وأخويا مغفل”.
الصوت ملى الصالة، الصمت كان مطبق لدرجة إننا كنا سامعين صوت النفس. محمود وشه اتخطف، وعينيه بدأت تترعش. العم الكبير قام وقف، وقرب من محمود، وبص للتليفون، وبعدين بص لمحمود بنظرة كلها قرف:
ـ ده صوتك يا واد؟ ده صوتك وأنت بتهتك عرض أخوك؟
محمود حاول يبرر، صوته كان بيترعش:
ـ ده.. ده تركيب! تكنولوجيا.. هما مركبين الصوت!
أحمد ضحك بسخرية، وقرب منه:
ـ تكنولوجيا؟ طب وده؟
شغل أحمد تسجيل تاني، صوت محمود وهو بيحاول يكلمني في الضلمة، وهو بيقولي “مش فاضي للحاجات الصغيرة دي؟”. الصوت كان واضح جداً.
الرجالة كلهم قاموا وقفوا، العم الكبير جيه ناحية محمود واداله قلم على وشه خلى وشه يلف الناحية التانية.
ـ يا خسارة تربيتك! يا خسارة اللي صرفناه عليك! بتهتك عرض أخوك وبتتبلى على مراته؟ اطلع برا.. برا بيتي، وبرا البلد دي كلها، ولو شفت وشك تاني، لا أنا عمك، ولا أعرفك!
محمود مكنش عارف يعمل إيه، حاول يبص لعيلته، بس الكل كان بيطرده بنظراتهم. خرج محمود مطرود، ذليل، مهزوم، زي الكلب المذعور.
الصالة هديت، بس أنا كنت لسه حاسة بجرح كبير. أحمد جه ناحيتي، مسك إيدي وباسها قدام الكل:
ـ أنا أسف يا منى.. أسف على كل لحظة خفتِ فيها، وأسف إني مكنتش درعك الحقيقي من الأول. أنا هعوضك، وهنبدأ صفحة جديدة، بعيد عن أي حد.
أبويا بص لأحمد وقاله:
ـ يا ابني، البنت دي جوهرة، لو فرطت فيها تاني، لا أنا أبوك، ولا أنت تعرفني. البيت اللي يدخله الشيطان بسبب “الحمو”، لازم يتطهر، مش بس بكلمة، بس بتغيير البيت والعيشة.
أحمد هز راسه بأسف:
ـ أنا بعت شقتي يا عمي، وهننقل في مدينة تانية، بعيد عن كل ذكريات الوجع دي.
خدت نفسي بعمق، لأول مرة من شهرين، حسيت إن “الخمار” اللي كنت لابساه جوه بيتي عشان أخوه، خلاص ملوش لزمة، إني أخيراً هقدر ألبس اللي يريحني في بيتي، إني هقدر أمشي من غير ما أبص يمين وشمال، إني هقدر أعيش..
بس وأنا خارجة من البيت مع أحمد، والبلد كلها بتبصلي بنظرة اعتذار واحترام، لمحت في ركن بعيد، عربية محمود وهي بتتحرك، وشفت نظرة في عينيه من ورا الإزاز.. نظرة وعيد، نظرة شيطان لسه ماخلصش انتقامه.
ركبنا العربية، أحمد سايق وساكت، وأنا ببص للشجر اللي بيجري ورا الإزاز، ومكة نايمة في حضني. سألت أحمد:
ـ أنت فاكر إن الموضوع خلص؟
أحمد بصلي وبص للطريق، وسكت شوية وبعدين قال:
ـ اللي يخلص من شيطان، بيطلعله ألف غيره يا منى. بس المهم إننا بقينا سوا، وإننا كشفنا المستور.
ـ وأنا خايفة يا أحمد.. خايفة من نظرة عينه الأخيرة.
أحمد مسك إيدي وضغط عليها:
ـ طول ما إحنا مع بعض، مفيش حاجة هتقدر تفرقنا.
سكتنا، الطريق كان لسه طويل، والسواد اللي ورا الجبال كان بيخبي أسرار تانية. محمود مكنش النوع اللي يستسلم، وأنا كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون مجرد مواجهة في بيت، اللي جاي هيكون معركة حقيقية على حياتنا..
وصلنا المدينة اللي هنعيش فيها، بيت جديد، حياة جديدة، بس إحساس القلق لسه موجود.. لسه بسمع صوت التخبيط على الباب في نص الليل، لسه بشوف خيال محمود في الضلمة..
وفي ليلة، وأنا نايمة في بيتنا الجديد، سمعت صوت حاجة بتقع في المطبخ.. قمت مرعوبة، مسكت تليفوني، وبصيت على الكاميرا اللي أحمد ركبها في كل ركن من أركان البيت..
اللي شفته على شاشة التليفون خلاني أتجمد في مكاني، مكنش محمود، كان حد تاني.. حد عرف مكاننا.. حد بعته محمود عشان يكمل المهمة اللي بدأها.. والمهمة المرة دي مكنتش “طوعني”، المهمة كانت الانتقام النهائي.. ووو…!!!