استغلال عمياء حكايات صافي
رجعتلي عيني وأنا عندي أربعة وتلاتين سنة، وأول حاجة شافتها عيني كانت جوزي وهو بيـبوس صاحبتي في المطبخ بتاعي، وهي لابسة الروب بتاعي، وفوق الترابيزة اللي كنت لسه عاملة عليها تورطة عيد ميلادها من تلات أيام بس، وأنا واقفة على الباب ساكتة خالص، “العمية” اللي بتبص عليهم، بعد ما فضلت سنتين كاملين مصدقة مصطفى وهو بيحلفلي إن مروة سافرت تعيش في أسوان عشان شغل.
أنا اتعميت وأنا عندي سبعة وعشرين سنة.
اتزحلقت وأنا خارجة من الحمام. حاجة خايبة وتفاهة ملهاش لزمة.
لا بطولة ولا يحزنون. صابون، وأرض مبلولة، وخبطة في نفوخي من ورا.
مصطفى بقى هو عيني.
كان بيقولي: “أنا هوصفلك الدنيا يا حبيبتي”.
وكان بيوصفهالي فعلاً.
شكل السما الصبح عامل إزاي. دنيا بنتنا بتكبر إزاي. أنهي فستان لايق عليا أكتر، حتى وأنا مش شايفاه.
سبع سنين غمضت عيني وشفت الدنيا من كلامه هو.
دنيا كان عندها أربع سنين لما النور قطع عندي.
اتعلمت أسرحلها شعرها بالبركة ومن الذاكرة.
كانت بتاخدني من إيدي وتقولي: “حاسبي يا ماما من رجل الترابيزة”.
مروة كانت بتيجي تساعدنا.. في الأول.
بعد كده مصطفى قالي إنها جتلها فرصة شغل وسافرت أسوان.
زعلت، بس صدقته.
مصدقوش إزاي وهو الوحيد اللي كان شايلني ومخلي باله مني؟
ساعات البيت كان بيبقى ريحته فل وياسمين.
دي كانت ريحة مروة المفضلة.
مصطفى كان بيقولي: “تلاقيه معطر الجو الجديد اللي جبناه”.
وأنا أشم الهوا وأصدقه.
العملية عملتها بعد سبع سنين. غالية جداً، وحاجة تجريبية لسه.
مصطفى عيط وهو بيقولي إنه باع العربية الـ (SUV) عشانها.
وقال: “مش مهم أي حاجة في الدنيا، المهم ترجعي تشوفي تاني”.
عيطت أنا كمان وقتها.
النهارده بس بسأل نفسي: هو كان بيعيط على إيه بالظبط؟
الدكتور حذرني إن النور هيرجع عيني واحدة واحدة، ومجهدش نفسي، ومقولش لأي حد خالص دلوقتي.
سمعت كلامه في الحاجتين.
وبالذات في الحاجة التانية.
لمدة أسبوعين مَثّلت إن لسه الدنيا ضلمة كحل.
أسبوعين عيني نص مفتوحة وبوقي مقفول بالضبة والمفتاح.
شفت لبس مروة في الدولاب بتاعي. في الناحية بتاعتي أنا.
دي عمرها ما راحت أسوان أصلاً.
كانت بتنام في بيتي. كل ليلة.
وأنا اللي كنت بقول تصبحي على خير لصاحبة عمري اللي مفكراها على بعد قطار وسفر تسع ساعات من هنا.
في يوم العصر، دنيا ركبتها اتعورت وهي بتلعب.
جت بتعيط وتجري. بس مجريتش عليا أنا.
صرخت وقالت: “ماما مروة!”.
فضلت قاعدة إيدي فاضية مفيهاش بنتي.
طلعت كشوفات الحساب بتاعة البنك من الدرج. قربتها من عيني أوي عشان أقرا.
تحويلات. من حسابي أنا لحساب مروة.
كل أول شهر. من سنتين فاتوا.
كانوا بيسرقوني بفلوسي أنا.
بس في حاجة غريبة لفتت نظري.
في يوم الفجر، سمعت مروة بتكح في الأوضة اللي جنبي.
كحة وحشة أوي، كحة حد جواه تعبان وبيتصفى.
وسمعت مصطفى وهو بيقوم يديلها الدوا.
بحنان وحنية عمري ما شوفتها منه مؤخراً.
الليلة دي معرفتش أنام.
قمت براحة، بالهسس، وماسكة العصاية، وبتحسس الحيطة رغم إني شايفة كل لمبة في الشقة.
نور المطبخ كان قايد.
هما الاتنين، بيتكلموا وشوشة وبصوت واطي.
وقفت لزقت في الحيطة.
مروة قالت: “طب وإفرض حسيت؟”.
مصطفى رد: “مش شايفه حاجة، لسه عمية زي من سبع سنين”.
مروة قالت: “أنا مبقتش قادرة أكمل في اللعبة دي”.
قالها: “هانت، أول ما تمضي، هنمشي عل طول”.
سألته: “ودنيا؟”.
رد: “دنيا هتيجي معانا. مش هتحس بحاجة أصلاً”.
ريقي نشف.
اللقمة وقفت في زوري ومش عارفة أبلعها.
مصطفى قال: “على ما تفهم هي مضت على إيه، هنكون احنا بقينا في حتة تانية خالص.. وهي على البلاطة مفيش حيلتها مليم”.
حطيت إيدي على بوقي.
مصرختش.
مسكت العصاية جامد.
خبطت براحة خالص بالجلدة اللي تحت في رجل الترابيزة، كأني مش شايفة طريقي.
وقلت: “مصطفى؟ أنا عطشانة”.
تلات ثواني من السكوت التام.
لقيته بيقول: “أنا هنا يا حبيبتي، ثانية واجيبلك المية لحد عندك”.
مسك إيدي. قعدني. طبطب على شعري.
وأنا سبت نفسي ليه عادي.
قلتله: “تسلملي يا رب، تعباك معايا دايماً ومخلي بالك مني”.
رد: “دايماً يا روحي، إنتي عينيا”.
مروة، على الكرسي التاني، منطقتش بحرف.
تاني يوم، أول ما نزلوا يودوا دنيا الحضانة، رجعت للدرج تاني.
في القعر خالص، تحت كشوفات البنك, كان فيه ظرف.
مكتوب عليه اسمي.
فتحته وإيدي بتترعش.
جوه كان فيه بوليسة تأمين على الحياة.
بتاعتي أنا.
بإمضاء أنا اللي ممضياها من سبع سنين، وأنا عمية، ومصطفى بيوجه صباعي على الورقة ويمضيني.
المستفيد الوحيد: هو.
وآخر تعديل وتحديث في البوليسة: كان في نفس الشهر اللي مروة “سافرت فيه أسوان”.
وتحتها، ورقة تانية.
تقرير طبي قديم، من اليوم اللي وقعت فيه في الحمام.
أنا طول عمري بقول إني اتزحلقت لوحدي.
الورقة دي كانت بتقول إن الصبح ده، في الشقة، كان فيه حد تاني معايا.
قعدت على أرض المطبخ والورقتين في إيدي.
كان ممكن أخد دنيا في حضني وأجري برا البيت في ساعتها.
أو كان ممكن أفضل، لأسبوعين كمان، العمية اللي هما فاكرين إنهم لسه بيغفلوها.
قفلت الظرف. ورجعته زي ما كان، في القعر خالص.
بالليل ده، ابتسمت لمصطفى وقلتله إني بحبه أوي.
لأنهم لو كانوا مستنيين إمضتي عشان يخلصوا مني ويخفوني من الدنيا، فأنا كمان بقى عندي وقت.
الوقت اللي هما ميعرفوش إني بقيت بشوف فيه.
وبعيني الجديدة دي، أول حاجة هعرفها مش جوزي بيخوني مع مين، لأ.. أنا هعرف مين اللي زقني بجد الصبح ده في الحمام من سبع سنين فاتوا:
الورقتين في إيدي كانوا زي الجمر. طيف مروة ومصطفى وهما داخلين من باب الشقة خلاني أتحول لتمثال. رجّعت كل حاجة مكاها في الدرج بسرعة وبحرفية السبع سنين اللي فاتوا، وقفت ورا الباب وفردت العصاية البيبا في إيدي، ورجعت ملامحي لجمودها اللي حفظوه.
الأسبوعين عدوا وأنا برتب ليلتي الأخيرة في سجنهم. كنت بشوفهم بوضوح وهم بيتحركوا حواليا زي التعابين، مصطفى بيمضي شيكات بفلوسي ومروة بتنقل شنط لبسها براحة من ورايا، والاتنين مستنيين اللحظة اللي همضي فيها على “ورقة التنازل الكبيرة” اللي مصطفى مفهمني إنها لتوكيل بيع بيت أبويا الله يرحمه، وهي في الحقيقة تنازل عن كل مليم، وبوليسة التأمين مستنية برة.
يوم الخميس بالليل، البيت كان هادي هدوء مرعب. دنيا كانت نامت، ومصطفى دخل عليا الأوضة وهو ماسك ملف جلدي أسود، وفي إيده القلم.
قعد جنبي على السرير، أخد إيدي وباسها بحنيته المزيفة اللي بقت بتخليني عايزة أرجع، وقال بصوت واطي حنين:
— “يلا يا روحي، عشان نخلص موضوع أرض المحافظة وتتباع ونرتاح، ورقة واحدة بس وفاضل إمضاكِ، هحطلك صباعك على أول السطر زي كل مرة.”
هزيت دماغي بضعف ومثلت الخوف:
— “ماشي يا مصطفى.. بس هاتلي بق مية الأول ريقي ناشف أوي من الصيام.”
أول ما قام وخرج من الأوضة رايح المطبخ، قمت في ثانية. مديت إيدي تحت المرتبة، طلعت الورقة التانية.. “التقرير الطبي القديم” بتاع يوم حادثة الحمام. الورقة دي مكنتش مجرد تقرير، دي كانت شهادة ميلاد لـ إبليس اللي عايش معايا. التقرير كان فيه بند صغير مكتوب بخط يد الدكتور المسعف: “وُجدت خصلات شعر طويلة مصبوغة باللون الأشقر النحاسي عالقة في قبضة يد المصابة نتيجة المقاومة قبل السقوط.”
مروة.. صاحبة عمري، هي الوحيدة اللي صابغة شعرها باللون ده من سبع سنين لحد النهاردة. هي اللي زقتني عشان تاخد مكاني.
خدت الورقة في إيدي، ومشيت وراه المطبخ من غير العصاية، بخطوات ثابتة وواسعة، خطوات حد بيشوف وفاتح عينه على الآخر.
المطبخ كان ضلمة، بس النور الأصفر الخفيف اللي جاي من الصالة كان منور ضهر مصطفى وهو واقف بيصب المية في الكوباية ومروة واقفة جنبه ساندة راسها على كتفه وبتتكلم بالهمس: “خلص بقى وخليها تمضي، مش قادرة أستحمل الكحة دي هنا.”
وقفت على باب المطبخ. طقطقت رقبتي. وبصوت جهوري، حاد، وقوي، عمري ما اتكلمت بيه من سبع سنين، قلت:
— “بس مروة مبقتش تصبغ شعرها أشقر نحاسي يا مصطفى.. غيرت اللون الأسود من امتى؟”
الكوباية اتزحلقت من إيد مصطفى واتcustomت ميت حتة على الأرض.
مروة لفت وشها بسرعة وهي بتشهق، ومصطفى لف وجسمه كله بيتنفض، وبصوا عليا..
كنت واقفة، ضهر مفرود، عيني في عينيهم هما الاتنين بجمود وتحدي، والضوء ضارب في نني عيني اللي بيتحرك وبيركز عليهم بكل قوة..
مصطفى رجع خطوة لورا ورجله دتست على الإزاز المكسور، ووشه بقى أزرق من الصدمة، وهمس بصوت مرعوب ومش مصدق:
— “إنتي.. إنتي بتبصي علينا إزاي؟”
قربت منهم خطوة، ودست بكعب جزمتي على حتة إزاز رنت في المطبخ كله، ورفعت الورقة في وشهم وقلت بابتسامة مرعبة:
— “بقالي أسبوعين بشوفكم.. بشوف وساختكم، وبشوف الورقة دي اللي بتقول إن صاحبة عمري هي اللي عمتني.. ودلوقتي، أنا اللي هعمي عيونكم عن الشمس!”