مبخلفش حصري رويات رولا
— واحدة مابتخلفش ملهاش أي حق تدمر مستقبل ابني.
قالتها كريمة قدام العيلة كلها وهي بترمى ورق الطلاق قدام ياسمين.
مصطفى ساعتها منطقش ولا دافع عنها.
السكوت ده كان آخر حاجة محتاجاها ياسمين عشان تفهم إن جوازهم انتهى من قبل حتى ما هو يمسك القلم ويمضي. من سنين فاتوا، وصلوا القاهرة ومعاهم موتوسيكل قديم وشنطتين هدمتين. عاشوا في حتة بسيطة في شبرا، كانوا بيتقاسموا سندوتشات الفول والطعمية ويضحكوا كل ما الموتوسيكل يعطل بيهم تحت المطر. بعدها، مصطفى كبر شركة مقاولات صغيرة لحد ما بقت إمبراطورية، ونقلوا للعيش في فيلا في التجمع الخامس، وساب الفلوس تاخد مكان مراته.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كريمة، اللي كانت مهووسة بالخلفة ومكسوفة من أصل ياسمين البسيط، كانت بتهينها في كل عزومة. ورغم إن التحاليل مكنتش بتقول سبب قاطع، كانت دايماً تكرر إن ياسمين “أرض بور”. ومصطفى كان بيفضل السكوت.
مشيت ياسمين من غير ما تقبل الفيلا ولا الأسهم ولا الحساب البنكي اللي كتبه باسمها. مشيت بشنطة هدوم واحدة وكرامة مجروحة.
بعد خمس سنين، بقا عند مصطفى أبراج وفنادق، بس كان بينام أقل بكتير من أيام ما كان فقير. وهو واقف بعربيته وسط زحمة الدائري في ليلة مطر شديدة، شاف أسرة ماشية بموتوسيكل: الأب سايق والأم مغطية ابنها بجاكيتها من المطر. المنظر ده نغز قلبه أوي.
في نفس الليلة، ألغى عشا مع مستثمرين وطلع على الفيوم. شركته كانت بتدرس تشتري شوية أراضي عليها ديون قريبة من بحيرة قارون عشان يعملوا منتجع سياحي. مصطفى قال إنه عايز يعاين المنطقة بنفسه، بس في الحقيقة كان بيهرب من الحياة اللي بناها.
مع الفجر وصل قرية قريبة من البحيرة. ركن عربيتة بعيد عن السوق، وهو بيشرب شاي كشري في قهوة صغيرة، سمع اتنين فلاحين بيتكلموا عليه:
— بيقولوا مصطفى السلاب رجع عشان يشتري أرض الفلاحين الغلابة برخص التراب بعد ما الديون خنقتهم.
— فلوس كتير بس ملوش عزوة.. ساب الست اللي وقفت معاه لما مكنش معاه تمن بنزين الموتوسيكل.
ساب مصطفى الشاي وخرج وهو مخنوق.
بعدها بدقايق، عربية ربع نقل خبطت فرشة خضار في السوق. الطماطم والفلفل والبطاطا اترموا في الطين. وست وطت بسرعة وهي ملهوفة تلم حاجتها:
— حرام كدا.. ده كان كل اللي هبيعه النهاردة وشقا يومي.
مصطفى عرف الصوت ده قبل ما يشوف وشها.
كانت ياسمين.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كانت خاسة عن الأول، وشها مسمر من الشمس، وإيديها خشنة من التعب. كانت شايلة طفل نايم في شال لفاه على كتفها، وتحت ترابيزة الفرشة طفل تاني قاعد بياكل لقمة عيش فينو.
لما الطفل ده رفع راسه وبص لمصطفى، حس إن السوق كله اختفى. الولد كان ليه نفس عينيه الواسعة الغامقة، نفس المناخير الحادة، والدويرتين اللي في شعره من ورا اللي بيتوارثوها رجالة عيلته من صغرهم.
الطفل التاني صحي وبان وشه.. كان شبهه بالظبط.
كانوا توأم.
ياسمين رفعت راسها، عرفته ووشها صِفر.
— ماما، أنا جعان — قال واحد منهم وهو بيشد عبايتها.
مصطفى مكنش قادر ياخد نفسه:
— ياسمين.. مين العيال دي؟
عضت على شفايفها، وشالت شوال الخضار المبهدل ومسكت إيد الصغير:
— أنت مشبه يا فندم، أنا مش اللي في بالك.
مشيت ومبصتلوش وراها، ومصطفى فضل واقف مكانه في الطين وهو ماسك حبة بطاطا متبهدلة ومش مصدق عينيه.
مكنش حد يتخيل إيه اللي هيكتشفه عن الطفلين دول…
الجزء الثانيجميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
قضى مصطفى الساعات اللي بعدها محبوس في أوضته في الفندق. طلب من طارق، مساعده، يتحرى عن الموضوع بمنتهى الهدوء من غير ما يقرب من ياسمين أو يخوفها. وقبل ما الليل يليل، استلم دوسيه طير النوم من عينه.
”يوسف وياسين.. عندهم أربع سنين. مولودين في مستشفى الفيوم العام في ليلة شتا. خانة الأب: غير مقيد. الأم: ياسمين عبد الرحمن.”
أول سونار ليهم كان تاريخه بعد الطلاق باتنين وتلاتين يوم بالظبط.
ياسمين رجعت لوالدها التعبان اللي مات قبل ما تولد. ولدت لوحدها، اشتغلت في نضافة مطعم شعبي، وغسلت هدوم للناس، وبعدها بقت تبيع خضار بتزرعه في أرض مستأجرة. ملمستش قرش واحد من الحساب اللي سابهولها.
لكن فيه معلومة في الورق غيرت كل حاجة: ياسمين كانت بعتت للفيلا في التجمع الخامس ظرف فيه السونار، وجواب كاتباه بخط إيدها، والتحاليل بتاعتها. ووصل الاستلام الحكومي عليه إمضاء: كريمة هانم.
كلم مصطفى أمه فوراً:
— ياسمين بعتتلك ظرف لما اطلقنا؟
الناحية التانية كان فيه سكوت طويل ومرير.
— متبدأش كلام فاضي.. البنت دي طول عمرها بتعرف تلف وتدور عليك.
— سألتك سؤال يا أمي، استلمتيه؟
— أنا كنت بحمي مستقبلك وحياتك! — قالتها وقفت السكة في وشه.
تاني يوم، مصطفى راح السوق. ياسمين رفضت تبيعله أي حاجة، بس سابت يوسف يقبل علبة اللبن اللي جابها معاه.
قالتله بنبرة حاسمة:
— متخلطش بين حاجة العيال، وبين إنك تفتكر ليك مكان في حياتنا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وقبل ما يرد، وصل المعلم رفاعي، وهو راجل جشع بيفضل يلم إتاوات من البياعين، وكان معاه رجالتين. طالب ياسمين تاخد نص تمن الخضار وتديله الباقي إتاوة، ورفس قفص الطماطم على الأرض:
— بكرة هطردك من السوق والفرشة دي مش هتشوفيها تاني.
واحد من رجالته زق ياسمين، مصطفى لحقها وسندها قبل ما تقع وهي شايلة ياسين.
مصطفى مضربش حد. طلع تليفونه وكلم المستشار القانوني بتاعه والنيابة العامة. المعلم رفاعي لما سمع اسم “عائلة السلاب” رجع لورا وخاف، بس ياسمين مظهرتش أي امتنان لمصطفى.
بصتله وقالت:
— متأخر خمس سنين يا مصطفى.. جاي دلوقتي تلعب دور المنقذ؟
مشيت وهو مشي وراها لحد مطعم شعبي صغير. وحط فيزا بنكية على الترابيزة قدام العيال وهما بياكلوا بنهم:
— الحساب ده فيه اللي يخليكم متجوعوش تاني أبداً.
زقت الفيزا ناحيته تاني:
— ولادك مش محتاجين مكنة فكة.. كانوا محتاجين أب لما سخنوا بالليل وملقتش تمن التاكسي عشان أوديهم المستشفى.
— ليه م دورتيش عليا؟
ضحكت ياسمين بمرارة وطلعت من شنطتها ورقة قديمة ومطبقة، كانت وصل استلام الجواب:
— دورت عليك.. والدتك استلمت الجواب وجاتلي لحد هنا بعدها بيومين. قالتلي إنك شوفت السونار وعرفت بالحمل بس مش عايز فضايح وجع دماغ، وقالتلي لو فكرت تظهر في حياته تانى، بمحامينه وفلوسه هيثبت إني غير مؤهلة وهيحرمك من عيالك.
مصطفى جسمه تشنج:
— الكدب ده محصلش!
— أنا عارفة ده دلوقتي.. بس وقتها كنت بنت لوحدها، حامل في توأم ومرعوبة من الدنيا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في اللحظة دي تليفونه رن، كان طارق مساعده:
— يا فندم، لقينا حاجة تانية.. المعمل اللي طلع شهادة إن ياسمين مابتخلفش، غير التقرير الأصلي بطلب ورشوة. الدكتور اللي مضى كان شغال مستشار في الجمعية الخيرية اللي والدتك رئيستها.
رفع مصطفى عينه بالراحة..
وعند باب المطعم، كانت كريمة هانم واصلة ومعاها المحامي بتاعها.
بصت للتوأم بقرف وقالت لمصطفى:
— قبل ما تفكر تكتب العيال دي باسمك يا مصطفى، لازم تعرف أمهم عملت إيه عشان تتدبس فيها زمان.
وقفت ياسمين، ولمت عيالها في حضنها وقالت برود وثقة هزت المكان:
— طب قوليلها بالمرة يا كريمة هانم.. كان فيه إيه جوة الظرف اللي خبيتيه عن ابنك خمس سنين؟
وساعتها، كريمة هانم، ولأول مرة.. وشها جاب ميت لون وضاعت منها الحروف.
الجزء الثالث
المطعم كله سكت، حتى الست اللي كانت بتعمل العيش ورا الفرن سابت المطرحة وبصت عليهم.
وقف مصطفى وبص لأمه بهدوء يخوف:
— اتكلمي يا أمي.. قولي.
بصت كريمة للمحامي بتاعها اللي وطى راسه في الأرض، وياسمين كانت واخدة العيال ورا ضهرها.
— مش هقف أتكلم في أسرار بيتنا في مكان زي ده — قالت كريمة ببرود متعالي — ووسط ناس متفهمش مقامنا.
— الناس دول هما ناسي وحياتي — رد مصطفى وهو بيشير لعياله — وإنتي بإيدك ضيعتي الفرصة الوحيدة اللي كانت هتخليني أعرف إن ليا سند في الدنيا.
كريمة حاولت تمشي وتخرج، بس طارق مساعد مصطفى دخل ومعاه محامية تانية وفي إيدهم ملف كامل: فيه وصل الاستلام، وصورة جواب ياسمين، والتقرير الأصلي بتاع المعمل.
الجواب مكنش فيه طلب مليم واحد؛ ياسمين كانت كاتبة إنها حامل في الأسبوع السابع وعايزة بس تتكلم معاه كزوجين. والتقرير الأصلي مكنش بيقول إن ياسمين مابتخلفش؛ الاتنين كانوا طبيعيين جداً، بس التقرير اتزور بـ “فشل مبيضي تام” بطلب مباشر ودفع من مكتب كريمة هانم للدكتور اللي اعترف بكل حاجة رسمي.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— ليه؟ — سألها مصطفى وصوته مخنوق بالدموع — ليه عملتي كدا في ياسمين وفيا؟
كريمة مبقتش تداري وقالت بنبرة حادة:
— عشان كنت هتمضي شراكة العمر مع عيلة المنشاوي، وبنتهم كانت موافقة تتجوزك.. الشراكة دي هي اللي فتحتلك سوق الخليج وعملت اسم السلاب. ياسمين مكنتش من توبنا، بنت بسيطة شغالة في شركة تأمين صغيرة، ملهاش عيلة ترفع راسنا ولا برستيج ولا نفع.
— بس كانت هتديني عيال! — زعق مصطفى.
— مكنتش أعرف!
— لأ كنتي عارفة.. السونار كان في إيدك وجالك لحد بيتك!
جزت كريمة على سنانها:
— وقتها ورقة الطلاق كانت اتكتبت، ومكنتش هسيب بنت فقر ترجع تهدم كل اللي خططتله وبنيته عشان عيلين!
خطت ياسمين خطوة لقدام وقالت:
— أنا مكنتش عايزة أهدم حاجة.. أنا كنت مرعوبة. وإنتي جيتي لحد عندي وهددتيني بفلوس ابنك ونفوذه إنكم هتاخدوا مني العيال وترموني في السجن لو نطقت.
— أنا عرضت عليكي قرشين تسلكي بيهم حالك!
— عرضتي عليا تمن كرامتي وتمن ولادي عشان أختفي!
افتكر مصطفى كل عزومة وأمه بتهين فيها ياسمين وهو كان بيكبر دماغه ويغير الموضوع. أمه ارتكبت جري\\مة وجع مالهاش مغفرة، بس هو اللي مهدلها الطريق بجبنه وسكوته زمان.
بص لأمه وقال بنبرة ميتة:
— ملمحكيش بتقربي من ياسمين ولا العيال تاني.. ومن النهاردة إنتي برة مجلس إدارة المجموعة وبرة الجمعية، والمحامين هيراجعوا كل مليم وكل إمضاء عملتيها باسمي.. ولو فيه تزوير أو جناية، القانون هياخد مجراه.
بصتله كريمة بذهول وصدمة:
— هتدمر أمك وتبيعني عشان دي؟
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— لأ.. إنتي اللي دمرتي عيلتي عشان تحمي الفلوس والشكل الاجتماعي، وأنا مش هغطي عليكي تاني.
خرجت كريمة وهي بتبرطم والمحامي وراها من غير ما يبص لحد.
التفت مصطفى لياسمين وعايز يقرب، بس هي رفعت إيدها ووقفته:
— إنك عرفت الحقيقة ده مش معناه إن اللي عملته اتمسح.
— أنا عارف.
— والدتك خدعتني.. بس أنت اللي سبتني ورميتني للدنيا.. دول وجعين مختلفين يا مصطفى.
طأطأ راسه ومردش.
وافق على طول على تحليل الـ DNA وعملوه في سرية تامة وبإشراف محامية من الشؤون الاجتماعية عشان يثبت نسب يوسف وياسين رسمياً، والنتيجة طلعت 99.99%.
بكى مصطفى لوحده في أوضته.. بكى على أربع سنين تاهوا منه، على أول كلمة نطقوها وأول خطوة مشيوها، وعلى ليالي تعبهم وسخونيتهم اللي فلوس الدنيا كلها مش هترجعهم ليه.
أول حاجة فكر فيها إنه يشتري فيلا كبيرة باسم ياسمين في الفيوم، بس هي رفضت:
— مش هتقدر تستخدم فلوسك عشان تشتري طريق لقلوبنا.
ساب مصطفى الفندق، وأجر بيت بسيط قريب من بيت ياسمين، وطلب من المحامي يرتب نظام رؤية هادي وبشكل تدريجي من خلال الشؤون الاجتماعية. بقا يشوفهم مرتين في الأسبوع؛ وعرف تفاصيلهم الصغير: يوسف بيكره الطماطم في الأكل، وياسين مبيعرفش ينام من غير بطانيته الزرقاء، والاتنين بيخافوا من صوت الرعد.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
مطلبش منهم يقولوا “بابا”.. كانوا بيقولوا “عمو مصطفى” وكان بيقبل الوجع ده من غير ما يصحح لهم.
المعلم رفاعي حاول ينتقم، وخلّى مفتش من مجلس المدينة يقفل فرشة الخضار بتاعة ياسمين بحجة النضافة ومخالفة الطريق. مصطفى كان يقدر يحلها بمكالمة واحدة للمحافظ، بس ياسمين حذرته:
— لو هتحلها.. حلها كأنك راجل ملوش ضهر ولا نفوذ، زينا.
وبالفعل، قعد مع محامين عاديين، وقدم تظلمات رسمية، ووقف مع البياعين التانيين اللي رفاعي كان بياكل حقهم وقدموا شهادات جماعية وشكاوى في النيابة الإدارية ضد المفتش المرتشي. المفتش اتوقف عن العمل، ورفاعي ارفعت عليه قضايا تهديد وبلطجة وسقطت هيبته في السوق.
مصطفى م رشا حد ولا استخدم علاقاته؛ لأول مرة استخدم القانون عشان يحمي الغلابة مش عشان يلويه لمصلحته.
فرشة ياسمين رجعت تفتح، بس كانت لسه بتقف في الشمس عشر ساعات.
كان فيه فلاح كبير محترم اسمه عم عماد، ماسك جمعية زراعية صغيرة قريبة من الإفلاس. عرض مصطفى إنه يستثمر فيها ويدفع ديونها، بس كتب في العقد شرط واضح: الفلاحين هما اللي ليهم الإدارة والأغلبية، ومفيش شبر أرض يتباع للاستثمار السياحي غير بموافقة المجلس المحلي والجمعية، واقترح ياسمين تمسك مسؤولة الجودة والتسويق عشان خبرتها.
لما ياسمين عرفت، قالتله:
— أنا مباخدش حسنة من حد.
— دي مش حسنة.. ده عقد شغل بمرتب وتأمين ونسبة من الأرباح عشان إنتي شاطرة، ولو قصرتي عم عماد يقدر يرفدك، أنا ماليش كلمة عليكي.
قعدت ياسمين تدرس العقد مع محاميتها أسبوع، ووافقت لأنه كان حق وعدل، مش شفقة من مصطفى.
الجمعية بدأت بـ عشرين عيلة.. وبقوا يبيعوا فلفل وبطاطا ومانجو ومحاصيل تانية لأكبر الفنادق والمطاعم في الجونة والغردقة والقاهرة. مصطفى فتح لهم الأبواب بعلاقاته، بس ساب ياسمين وعم عماد هما اللي يخلصوا الاتفاقات بنفسهم. وكان هو بيجي يشيل الصناديق مع العمال، ويصلح طلمبات المية، وينظم خطوط سير العربيات.
الفلاحين لما شافوا إيديه اتبهدلت من الشغل اتراهنوا إنه مش هيكمل أسبوعين.. بس كمل شهور.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كان بيصحى الساعة خمسة الصبح، ويحضر مواعيده مع العيال بدقة، وعمره ما دخل بيت ياسمين من غير إذنها. فوض إدارة شركاته في القاهرة وبدأ يروح لدكتور نفسي عشان يفهم إزاي كان فاكر إن دوره في الحياة هو دفع الفلوس وبس.
ياسمين كانت بتراقب تصرفاته من غير ما توعده بأي حاجة.
وفي يوم، ياسين وقع من على زحلقة في الحضانة وحاجبه اتمزق. مصطفى ساب اجتماع مجلس إدارة مهم في القاهرة وطار بالدفع الرباعي ووصل الفيوم قبل ما الدكتور يخلص خياطة الجرح. قعد في الأرض جنب السرير، ومسك إيد ياسين الصغير وجلس يحكيله حكاية عن أسد شجاع بيخاف من الإبرة.
— هتفضل معايا لحد ما أنام؟ — سأله ياسين بصوت واطي.
— هفضل جنبك لحد ما تزهق مني.
الليلة دي كانت أول مرة ياسين يقوله فيها: “بابا”.
خرج مصطفى الطرقة وبكى في الصمت وهو ساند راسه على الحيطة.
ياسمين مخدتوش في حضنها، بس مسحت دموعه ومطلبتش منه يمشي.
بعدها بأسابيع، المطر كان شديد والمواصلات وقفت في البلد. مصطفى روح ياسمين والعيال على موتوسيكل قديم استلفه من الجمعية، والهوا والمطر في وشهم وهي مغطية التوأم ورا ضهره.. نفس المنظر اللي رجّعه زمان.
لما وصلوا البيت، لقى شباك في الصالة مكسور وبيدخل مية. قعد يصلحه وينشف الأرض معاها. والعيال وهما بيلعبوا طلعوا محفظته ولقوا فيها صورة قديمة متبهدلة: صورتهم يوم كتب كتابهم في شبرا لما كانوا لسه على باب الله.
بصت ياسمين للصورة وقالتله:
— لسه شايلها؟
— عشان كنت جبان ومجيتش أدور عليكي.. بس عمري ما عرفت أكدب على نفسي وأقول إنك مش حب عمري الوحيد.
مسكت ياسمين الصورة بإيدين بتترعش:
— الحب مش صورة بتتشال في محفظة يا مصطفى.. الحب كان كلمة تقف بيها قدام أمه وهي بتمسح بيا الأرض وتطردني.
— عندك حق.
— الحب كان إنك ترجع البيت بالليل وتلاقيني.
— عندك حق.
— والحب دلوقتي.. إنك تقبل إننا ممكن منرجعش لبعض أبداً وتكمل عشان العيال وبس.
بلع مصطفى ريقه وقال بصعوبة:
— وعندك حق في دي كمان.. أنا مش هنا عشان أجبرك على حاجة، أنا هنا عشان أشيل مسؤوليتي وتمني اللي عملته، حتى لو عمرك ما سامحتيني كحبيب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الكلام ده هد جدار عالي جوة ياسمين.. كانت مستنياه يزهق، أو يعرض فلوس أكتر عشان يشتري رضاها، أو يمن عليها بوقفته معاهم. لكنه كان واقف قدامها غرقان مية وتعبان، ومستعد يفضل يخدمهم من غير أي ضمانات لرجوعهم.
مرجعوش لبعض الليلة دي.. ياسمين حطت تلات شروط واضحة: جلسات علاج نفسي عائلي، حسابات مالية منفصلة تماماً، ومفيش أي قرار يخص العيال يتاخد من وراها. ومصطفى وافق على طول. ووافق كمان إن كريمة هانم ملهاش أي تواصل مع التوأم إلا لما تعترف بذنوبها وتاخد عقابها القانوني.
التحقيقات في قض\\ية التزوير والتلاعب بأموال الجمعية خدت شهور. كريمة هانم خسرت منصبها، ورجعت أموال كتير كانت متلاعبة فيها، وأخدت حكم مع إيقاف التنفيذ ورد شرف مالي. وياسمين مسامحتهاش غير لما كريمة جات لحد عندها وقدمت اعتذار واضح وصريح من غير تبرير.
وقالت ياسمين لمصطفى وقتها:
— المسامحة مش معناها إن الباب يرجع يتفتح للكل.. المسامحة عشان قلبي أنا يصفى ويرتاح.
بعد سنة.. الجمعية الزراعية بقت بتشغل أكتر من ميت عيلة في الفيوم. وياسمين بقت مديرة الجودة وخلصت دبلومة في الإرشاد الزراعي. ومصطفى رجع يتابع شغله بس مخصص كل عصر للعيال وكل يوم حد عشان يطبخ ليهم بنفسه.
الرجوع مكنش بشبكة دهب ولا حفلة كبيرة.. حصل في صبحية عادية لما ياسمين دخلت تلاقيه نايم على الكرسي الخشبي في المستشفى، وياسين نايم على صدره ويوسف نايم على دراعه بعد نزلة معوية صعبة للعيال. مصطفى كان لابس نفس القميص من اليوم اللي قبله، وكان قافل تليفونه ورافض مكالمات بيزنس بملايين عشان يفضل جنبهم.
صّحته ياسمين بالراحة وقالتله:
— ممكن نجرب نرجع عيلة تاني.. بس خطوة خطوة بالراحة.
مسك إيديها وقالها:
— بالسرعة اللي تعجبك وتحدديها إنتي.
بعدها بشهور، عملوا لِمة عائلية دافية قريبة من البحيرة، على طبلية كبيرة وأكل بسيط وفرحة مالية المكان. العيال كانوا بيجروا وسط الزرع بجزمهم البلاستيك الصفراء وهما بيضحكوا.
مكنتش حفلة فارهة.. كانت احتفال بإن فيه ست حافظت على كرامتها ووقفت على رجليها، وإن فيه طفلين بقا ليهم أب حقيقي وجنبهم، وإن فيه راجل فهم — حتى لو متأخر — إن الأسف الحقيقي هو إنك تغير حياتك وتصلح الغلط بالعمل مش بالقول.
وعند الغروب، شال مصطفى قفص خضار ومشي جنب ياسمين ناحية البيت، والعيال قدامهم بيتخانقوا مين اللي يشيل حزمة الكزبرة.
بصتله ياسمين وقالت:
— ندمان إنك سبت التجمع والشركات في القاهرة؟
بص لإيديها الخشنة من الشغل، وبعدين لضحكة ولاده، وللدخان اللي طالع من طيبة بيتهم الجديد وقال:
— أنا ندمان على كل يوم عدا من عمري قبل ما أعرف بيتي الحقيقي فين.
مردتش ياسمين.. بس شبكت صوابعها في صوابعه وهما ماشيين للبيت.
لأن العدل مش دايماً بيبقا في هدم اللي ظلمنا.. أحياناً العدل بيبقا في إنك تلاقي صوتك تاني، وتحط حدودك، وتجبر اللي غلط إنه يتعلم الدرس ويصلح نفسه بنفسه. الفلوس جابت شركات وعربيات، بس عمرها ما جابت غفران ياسمين.. الغفران ده اتولد في تفاصيل تعب الأيام، والواجبات المدرسية، والوعود الصادقة اللي اتنفذت على أرض الواقع.
تمت