حكايات محمد عبده

أمي كانت عايزة الشقة تبقى باسمها، وزوجتي رفضت… وبعد الولادة، القرار ده حوّل أول أسبوع في حياة ابني لكابوس انتهى قدام المحكمة.
الجزء الأول
“لو مراتك ماتت… على الأقل مش هتفضل تبعدك عن أهلك الحقيقيين.”
الجملة دي قالتها أمي قدام دكتورة، وأنا شايل ابني اللي لسه مكملش أسبوع، وسخونته مولعة
اسمي مازن. عايش في القاهرة، في شقة إيجار في منطقة شعبية، وبشتغل أمين مخزن في شركة مقاولات. مراتي سامية كانت دايمًا من النوع اللي يعتذر حتى لو مش غلطان. هادية، طيبة، وعمرها ما ترفع صوتها حتى لو حد وجعها.
من أسبوع واحد بس، كانت لسه والدة أول طفل لينا.
سميناه يوسف.
عمري ما هنسى نظرتها ليه في المستشفى… وشها شاحب، وعرقانة، وشعرها لازق في جبينها، لكن مبتسمة كأن ربنا حاطط الدنيا كلها على صدرها.
قالتلي:
“وعدني إن محدش هيأذيه.”
ووعدتها.
كنت ساذج جدًا.
بعد 4 أيام، مديري كلمني بشكل مفاجئ وقال لازم أسافر إسكندرية عشان مشكلة في المخزن. ماكنتش عايز أسيب البيت. سامية كانت بالعافية بتتحرك، الجرح بيوجعها، والطفل بيعيط كل شوية.
لكن أمي مسكت إيدي عند الباب وقالت:
“اطلع يا ابني واطمن… دي حفيدي. هو أنا هسيب دمي يتأذى؟”
وأختي كمان ابتسمت:
“يلا يا مازن، إحنا هنأكل سامية ونحمّي البيبي ونظبط الدنيا.”
سامية كانت واقفة مسنودة على الحيطة، بتحاول تبتسم عشان ما تحسسنيش بالذنب.
قالتلي

بهدوء:
“ارجع بسرعة.”
بستها من جبينها… وبست رجلي ابني… ومشيت.
خلال الأربع أيام، كنت بتصل كتير. دايمًا أمي هي اللي ترد. سامية تظهر ثواني في الفيديو، وشها ناشف وعينيها بتقفل.
سألت:
“هي شكلها تعبان كده ليه؟”
أمي ردت بحدة:
“دي لسه والدة يا مازن… كنت عايزها تقوم ترقص يعني؟”
وأختي ضحكت من وراها:
“مراتك درامية أوي… كل الستات بتخلف.”
كان في حاجة جوايا مش مريحة.
بس صدقتهم.
في اليوم الرابع خلصت بدري، وماقولتش لحد. ركبت أول عربية راجعة، وجبت سوار صغير ليوسف، وعلبة حلويات سامية بتحبها.
وصلت قبل الفجر.
باب الشقة كان موارب.
دخلت…
لقيت الصالة ساقعة جدًا، التكييف شغال على آخره. أمي وأختي نايمين على الكنبة، متغطين ببطاطين تقيلة. في علب أكل وازايز ومخلفات مرمية في كل حتة.
مفيش أكل صحي…
مفيش مية سخنة…
مفيش هدوم نظيفة للطفل…
وفجأة سمعت صوت عياط.
ضعيف…
مقطوع…
كأن ابني فضل يعيط لحد ما صوته راح.
جريت على الأوضة.
لقيت سامية مرمية على السرير، فاقدة الوعي، هدومها متبهدلة، وشعرها متلخبط.
ويوسف جنبها… ملفوف في بطانية وسخة، جسمه مولع من السخونية، وبيعيط من غير دموع.
صرخت:
“سامية!”
هزيتها… مفيش رد.
لمست ابني… واتجمدت من الرعب. جسمه نار، شفايفه ناشفة، الحفاض متوسخ، ورقبته ملتهبة.
صرخت بكل قوتي.
أمي دخلت كأنها متفاجئة:
“في إيه؟!”
بصيت لها وأنا منهار:
“في إيه؟! أنا اللي بسألك!”
أختي دخلت بضيق:
“ما تكبرش الموضوع يا مازن… العيال بتعيط، واللي بتولد بتنام. إنت داخل تعمل فيلم.”
بصيت حواليّ…
بطاطينهم…
الأكل اللي أكلوه…
إهمال مراتي…
وجسم ابني اللي بيغلي في إيدي…
شلت سامية بالعافية، وحضنت يوسف في صدري، وصرخت للجار يودينا المستشفى.
في الطوارئ، أول ما الممرضة شافت الطفل جريت. واحدة تانية حطت سامية على سرير. دكتورة شابة بدأت تكشف عليهم… الأول بسرعة، بعدين وشها اتغير وخلى قلبي يقع.
رفعت كم سامية…
كان في كدمات في إيديها.
بصتلي… وبصت للطفل…
وقالت بصوت واطي:
“يا أستاذ مازن… كلم الشرطة. اللي حصل ده مش تعب طبيعي بعد الولادة.”
ماكنتش مصدق إن حياتي كلها هتتقلب بالشكل ده…
شرطة؟!”
كررتها وأنا مش مصدق.
الكلمة كانت غريبة… كأنها حاجة في الأخبار، مش في حياتي أنا.
الدكتورة عرّفت نفسها:
دكتورة مريم… وماجملتش الكلام.
قالت بوضوح:
“مراتك عندها جفاف شديد، وسخونية عالية، وفيه التهاب في الجرح… وكمان آثار تقييد في إيديها. الطفل كمان عنده جفاف وسخونية، وفيه إصابات من الضغط. في حد منع عنهم الرعاية.”
حسيت رجلي بتتهز.
أنا كنت عارف…
من اللحظة اللي شفت فيها أمي نايمة مرتاحة، ومراتي مرمية كأنها ولا حاجة.
لكن حاجة تحس بيها…
وحاجة تسمعها من دكتورة… فرق كبير.
اتصلت بالشرطة وإيدي بتترعش.
لما الظباط وصلوا، أمي وأختي كانوا سبقونا المستشفى.
أمي داخلة بشعر متظبط، ودموع “مضبوطة”، وصوتها مليان تمثيل:
“يا حرام مرات ابني… يا حرام حفيدي… إحنا كنا بنخدمهم ليل نهار!”
وأختي واقفة بتاكل لبان عادي.
أول مرة أشوفهم… كأنهم ناس غريبة.
ظابطة اسمها أستاذة نجلاء قعدتنا في أوضة صغيرة، والدكتورة دخلت بالملف.
أمي بدأت تتكلم:
“ابني متوتر… سامية ضعيفة من الأول. بنات اليومين دول ما يستحملوش حاجة.”
الظابطة بصتلها بثبات:
“طيب تفسري إزاي إن الطفل ماكانش بيعمل حمام كويس من ساعات؟”
أمي اتلخبطت:
“يمكن هي ما كانتش بترضعه!”
أنا قبضت إيدي.
الدكتورة تدخلت:
“الطفل عنده التهابات شديدة… وفيه آثار ضغط على جسمه.”
أختي ضحكت بسخرية:
“ده بيبي… طبيعي جلده يتعلم عليه!”
الظابطة سألت:
“وكدمات
الأم؟”
أختي سكتت.
أمي حطت إيدها على صدرها:
“يمكن اتحركت كتير وهي سخنة… مسكت في السرير!”
كانت بتكدب… بهدوء يخوّف.
جالي الدور أحكي.
حكيت كل حاجة:
الباب المفتوح…
البيت الساقع…
الأكل المترمي…
الأوضة الخانقة…
وصوت عياط ابني…
أمي بدأت تعيط أكتر:
“من ساعة ما اتجوز، ابني اتغير… بقى يسيب اللي ربته!”
زمان… الكلام ده كان هيكسرني.
لكن اليوم ده… لأ.
قولت لها:
“اسكتي.”
بصتلي كأني ضربتها.
“يا ابني…”
“ما تقوليش كده.”
وشها اتغير للحظة…
الغضب ظهر… وبعدين رجعت تمثل.
الظابطة لاحظت ده.
في اللحظة دي، الدكتورة دخلت وقالت:
“مراتك فاقت.”
جريت عليها.
سامية كانت

على السرير، محاليل في إيدها، وشفايفها مشققة… ضعيفة بشكل كسرني من جوا.
مسكت إيدها:
“سامية…”
بصتلي ودموعها نزلت:
“يوسف؟”

لمحة نيوز

“عايش… بيتعالج.”
ضغطت على إيدي بالعافية:
“أنا حاولت… والله حاولت.”
“أنا عارف.”
قالت بخوف:
“لا… اسمع… ماكنوش بيسيبوني أكلمك.”
الظابطة قربت:
“تقدري تحكي اللي حصل؟”
سامية بصت ناحية الباب:
“هما بره؟”
“لا… مش هيدخلوا.”
بدأت تحكي…
اليوم الأول:
كانوا بيدّوها أكل قليل، وقالوا إن الأكل الكتير يبوظ الجرح.
وقالوا لبنها بيأذي الطفل.
اليوم التاني:
جالها سخونية وطلبت دكتور.
أمي قالت: “كل الستات كده.”
وأختي سخرت منها.
سامية بلعت ريقها بصعوبة:
“لما حاولت أكلمك… أمك خدت مني الموبايل… وقالت إني عايزة أبعدك عن أهلك.”
الظابطة كانت بتكتب

بسرعة.
“يوسف كان بيعيط… وأنا عايزة أرضعه… قالوا لبني وحش. إدّوه مية بمعلقة… قلت لهم البيبي ماينفعش يشرب مية… أمك ضربتني بالقلم.”
قومت فجأة من الغضب… الكرسي وقع.
الدكتورة مسكتني… مش عشان تهديني…
عشان

ما أضيعش حقي.
سامية كملت:
“امبارح حاولت أخرج… أختك مسكت إيدي… وأمك ربطتهم بإشاربي… وقالت لو عملت صوت هتقول للناس إني اتجننت بعد الولادة.”
حسيت بطعم الدم في بقي.
“ادّوني حبوب… مش عارفة إيه… كنت أفوق وأغيب… أسمع عياط يوسف ومش قادرة أتحرك.”
انحنيت على إيدها:
“أنا سيبتك لوحدك…”
قالت وهي بتعيط:
“لا… إنت وثقت فيهم… مش نفس الحاجة.”
بس بالنسبة لي… كانت نفس الحاجة.
الظابطة سألت:
“ليه يعملوا كده؟”
سامية قفلت عينيها:
“عشان الشقة.”
اتصدمت.
أمي كانت عايزة أحط فلوسي في شقة باسمها… سامية رفضت. قالت إن ابننا أولى بالأمان.
وأنا… كنت فاكرها بتبالغ.
الذنب حرقني.
سامية همست:
“أمك قالت… لو أنا مت، هترجع لأهلك… ولو الطفل كمان مات… مش هيبقى في حد بينكم.”
بره، كانوا بيصرخوا.
“دي كدابة!” أختي كانت بتزعق.
وأمي:
“ابني هيبلغ عني عشان واحدة غريبة!”
الشرطة خدتهم.
وأمي وهي ماشية بصتلي وقالت:
“الدم بينادي يا مازن.”
بصيت على ابني في الحضانة…
وقلت:
“علشان كده… أنا باختار ابني.”
لكن لسه في الأسوأ…
الجزء الثالث
الحقيقة الكاملة ظهرت… من موبايل قديم.
قبل ما يوسف يتولد، كنت حاطط موبايل قديم جنب سريره كـ”مراقبة”
، بيسجل لما يسمع عياط.
أختي قفلته تاني يوم…
لكن كان سجل 6 تسجيلات.
لما الظابطة شغلتهم…
في تسجيل:
يوسف بيعيط… وأمي بتقول:
“سيبيه… أمه لازم تتعلم.”
تسجيل تاني:
سامية بتترجى:
“مياه… بالله عليكِ.”
وأختي:
“خلي جوزك يجيبلك شقة الأول.”
آخر تسجيل…
صوت أمي… بارد جدًا:
“لو ضعفت قوي… نقول ماتت من السخونية… مين هيسأل؟ دي لسه والدة.”
رجعت أرجع من المنظر.
العدالة ما كانتش سريعة…
لكن حصلت.
اتقبض عليهم… حاولوا يعتذروا… بعدين يلوموا سامية… وبعدين يلوموني… وفي الآخر يلوموا بعض.
لكن عمرهم ما رجعوا

بيتي.
يوسف خف بعد 3 أيام…
وسامية اتحسنت واحدة واحدة.
في يوم، قالتلي 3 وعود:
“ما ترجعنيش أعيش معاهم.”
“حاضر.”
“ما تجبرنيش أثبتلك إني تعبانة عشان تصدقني.”
“حاضر.”
“ما تربيش ابنك على إن القسوة حب عشان جاية من الأهل.”
وطيت راسي:
“أوعدك.”
نقلنا شقة صغيرة… بسيطة…
بس كانت أأمن مكان في حياتي.
المحكمة بدأت ويوسف عنده 11 شهر.
سامية قررت تشهد.
حكت كل حاجة… بهدوء… من غير صراخ.
ولما التسجيلات اتشغلت…
القاضي نفسه سكت.
الحكم طلع:
إهمال جنائي… عنف أسري… وتعريض حياة طفل للخطر.
مش كفاية لغضبي…
لكن كفاية للحق.
أمي وهي ماشية نادتني…
ما بصتش.
في عيد ميلاد يوسف الأول…
احتفلنا ببساطة.
ضحك… وشمعة… وحياة رجعت.
سامية قالتلي:
“ما تكرههمش وتخليهم عايشين جواك.”
حضنتها.
قلت:
“هعوضك طول عمري.”
قالت بحزم:
“لا… عش حياتك
بشكل مختلف.”
واتعلمت…
اتعلمت إن الأب

مش بالكلام…
بـ الاختيار.
وإني مرة اتأخرت في الاختيار…
لكن من يومها…
كل يوم باختار:
مراتي…
ابني…
والحق.
تمت القصة ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *