كل ما تعبك. يزيد
كل ما تعبك يزيد… باباكي هيحتاجني أكتر
الساعة كانت 213 بعد نص الليل لما رجعت مستشفى دار الشفا التخصصي في القاهرة. كنت راجع من غير ما أبلغ حد عشان أفاجئ بنتي ليلى اللي عندها تمن سنين وتقعد تفرح أول ما تشوفني.
لكن اللي شوفته خلّى الدنيا اسودّت في وشي.
لقيت ريم… الست اللي كنت محدد معاد فرحنا بعد شهرين… واقفة حافية فوق سرير ليلى، وبتلف خرطوم المحلول بإيديها وهي بتهمس لها بصوت بارد
كل ما تعبك يزيد… باباكي هيحتاجني أكتر.
الصوت اللي وقفني قدام أوضة 1204 ماكانش صريخ…
كان نفس مكتوم… نفس طفل بيتوجع، لكن اتعلم إنه يكتم وجعه عشان محدش يزعل أو يعاقبه.
أنا أصلاً كان المفروض أكون دلوقتي في إسكندرية في اجتماع مهم مع مستثمرين، لكن الشبورة خلت الطريق يتقفل، واضطريت أرجع القاهرة.
وسط مكالمات رجال الأعمال والمحامين اللي كانت موبايلاتي بتغرق بيها…
كل اللي كان في دماغي رسمة ورقة مكعبرة ليلى كانت ادتهالي قبل ما أمشي.
كانت رسمة لبنت صغيرة من غير ملامح… واقفة
جنب ست طويلة، صوابعها طالعة زي المخالب.
ريم ضحكت وقتها وقالت وهي بترشف قهوتها
يا سلام… هي بدأت ترسم كوابيسها تاني.
وأنا… للأسف… طويت الورقة، ، وجريت ورا صفقة بالملايين، وسيبت بنتي لوحدها.
وأنا واقف برا الأوضة…
سمعت صوت غريب.
لف…
شد…
لف…
شد…
وبعدين سمعت ريم بتقول
شايفة؟ كل ما تتحركي… هيوجعك أكتر.
بصيت من فتحة الباب.
ولحظتها…
جسمي كله تلج.
كانت ماسكة كيس المحلول وبتلفه في الهوا براحة، وكل لفة كانت بتخلي الخرطوم يبرم على نفسه ويشد الإبرة المغروزة في دراع ليلى اللي كله كدمات.
ليلى كانت نايمة على جنب، حاطة إيديها الاتنين على بقها عشان ما تعيطش بصوت.
دموعها كانت بتنزل على شعرها…
وريم قربت منها أكتر وقالت بابتسامة مرعبة
يا عيني عليكي يا ليلى…
كل ما حالتك تسوء… باباكي هيفضل متمسك بيا.
الشنطة اللي في إيدي وقعت على الأرض بصوت دوّى في الأوضة.
ريم اتجمدت.
ولثانية واحدة…
وشها الحقيقي ظهر.
ماكانش فيه ولا ذرة حنان.
كان كله كره…
وحقد. ..
وحسابات.
لكن بعدها في أقل من ثانية رجعت لبست القناع.
صرخت بأعلى صوتها
يا كريم! إلحق! المحلول وقع من إيدها!
فتحت الباب بعنف وأنا بزعق
ابعدي عن بنتي!
رجعت لورا وهي لسه عاملة نفسها بتحاول تثبت المحلول.
أنا جريت ناحية السرير، زقيتها بعيد، ومسكت الخرطوم قبل ما الإبرة تتخلع من دراع ليلى.
بنتي وقلت
أنا جيت يا حبيبتي… شفت كل حاجة… مش هتقدر تؤذيكي تاني.
لكن…
ليلى خافت مني.
رجعت بجسمها لآخر السرير وهي بترتعش.
اللحظة دي كسرتني.
قلت لها بهدوء
يا قلب بابا… أنا.
بصتلي بعيون كلها خوف وهمست
متزعلهاش…
اتجمدت مكاني.
ليه يا ليلى؟
قالت وهي بتستخبى تحت البطانية
عشان… لما بتغضب… بتوجعني.
قبل ما أستوعب كلامها…
باب الأوضة اتفتح فجأة.
دخل دكتور النبطشي، واتنين أمن، ورئيسة التمريض الممرضة أستاذة سعاد.
بصوا…
لقوا ريم قاعدة على الكنبة بتعيط.
والمحلول واقع.
وأنا واقف جنب السرير وإيدي مقبوضة من الغضب.
ريم شهقت وهي بتعيط
كريم ضربني!
أنا كنت بحاول أساعد ليلى، لكنه زقني!
هو مضغوط في الشغل بقاله فترة… ومبقاش طبيعي.
بصيت للدكتور وقلت بغضب
دي كذابة!
راجعوا كاميرات الأوضة.
وفجأة…
المكان كله سكت.
الدكتور بصلي بأسف وقال
للأسف… مفيش كاميرات شغالة هنا.
حضرتك بنفسك وقعت الأسبوع اللي فات على طلب إيقافها.
قلبي وقع.
افتكرت.
ريم كانت باعتالي رسالة وأنا في اجتماع وقالت إن لمبة الكاميرا بتخوف ليلى ومش بتعرف تنام.
وأنا…
من غير حتى ما أقرأ الورق كويس…
مضيت.
في أقل من عشر ثواني.
بصيت على ريم وقلت
إنتي رتبتي لكل ده.
أحد أفراد الأمن قرب مني.
وأنا شورت عليها وقلت
كانت بتلف كيس المحلول عشان تشد الإبرة.
وسمعتها وهي بتقول إن تعب بنتي بيخليني أفضل محتاجها.
ريم غطت وشها بإيديها وفضلت تعيط
شايفين؟
هو بقى بيتهيأله كلام عمره ما حصل.
وفي اللحظة دي…
الممرضة سعاد قربت من ليلى، ورفعت البطانية تبص عليها…
وفجأة…
وشها اتغير تمامًا.
واتجمدت مكانها…
الممرضة أستاذة سعاد جمدت مكانها، وعيونها اتسعت وهي باصة على دراع ليلى. الكدمات الزرقاء المتداخلة حوالين مكان الإبرة ما كانتش مجرد أثر لتركيب غلط، دي كانت طبعات أصابع واضحة وعميقة،
لمحة نيوز
والخرطوم كان فعلاً لافف بطريقة مستحيلة تحصل صدفة!
سعاد بصت لدكتور النبطشي وقالت بصوت مرتعش بس مسموع
يا دكتور… الدراع ده فيه علامات خنق أصابع، مش مجرد تلف محلول. الطفلة دي كانت بتتعرض لضغط نفسي وبدني واضح، ودي مش أول مرة أشوف كدمات غريبة في النبطشيّات اللي فاتت!
الكلمات نزلت زي الصاعقة على الأوضة.
ريم اتغير لون وشها، وانهارت دموع التمثيل بتاعتها، وقالت بصوت حاد وهي بتحاول تدارك الموقف
إنتِ بتقولي إيه يا سعاد؟ إنتِ عايزة تلبسيني تهمة عشان صحبك ولا إيه؟ كريم هو اللي اعتدى عليا!
لكن كريم ما مبقاش مهتم بدفاعها الهستيري. عيونه كانت متعلقة بليلى، اللي بصت لسعاد بهدوء طفولي بريء، وقالت بصوت ضعيف هز قلب كل الموجودين
Tanta Reem… قالت لي لو كلمت بابا، هتاخد عروسة المولد بتاعتي وتحرقها… وقالت لي إن بابا مبقاش يحبني وبقى يحبها هي وبس.
الكل سكت تمامًا في الأوضة. الحقيقة بقت أوضح من الشمس، ومبقاش فيه مجال للكذب أو التمثيل. دكتور النبطشي التفت لأفراد الأمن وقال بحزم
امسكوا الست دي كويس، وممنوع تتحرك خطوة برا الأوضة لحد ما الشرطة توصل، وأنا بنفسي هاخد تقرير الحالة الطبية وأرجعه لإدارة المستشفى.
ريم حاولت تنهض وتجري، وصوت صراخها وتهديداتها ملا الأوضة
أنتو مش عارفين أنا أبقى مين! أنا هأذيكم كلكم وهخليكم تندموا! بس أفراد الأمن كانوا أقوى منها، وكتفوها وخرجوا بيها برا الأوضة وسط نظرات الاستحكار والدهشة من الكل.
كريم قرب من السرير ببطء، وكأن خايف كسر بنته يزيد. نزل على كواكبه قدام السرير، ومسك إيد ليلى الصغيرة اللي كانت بتترعش، وباسها بحرارة وهو بيبللها بدموعه اللي نزلوا غصب عنه
سامحيني يا ليلى… سامحي أبوكي اللي كان اعمى ورا الشغل والفلوس ونسى روحه هنا. أنا عمري ما هسيبك، ومش هسمح لكائن على وجه الأرض يقرب منك تاني.
ليلى بصتله بعيون مليانة دمع، بس ولأول مرة من شهور طويلة، ظهرت ابتسامة خفيفة وصادقة على شفايفها، ومدت إيدها السليمة مسحت دموع أبوها وقالت بصوت دافئ
أنا بحبك يا بابا… ومش زعلانة منك مادام جيت.
في اللحظة دي، كريم حس إن روحه رجعت لجسمه. صح، هو خسر علاقة كان باين إنها هتبني له حياة جديدة، بس الأهم إنه استرد بنته، واسترد نفسه، وعرف إن ثروة الدنيا كلها ما تساويش لحظة أمان واحدة في عيون طفلته.
برا الأوضة، كانت الشرطة وصلت وخدت ريم وهي بتجرجر أذيال الخيبة والفضيحة، بينما كريم فضل قاعد جنب ليلى لحد ما طلعت شمس يوم جديد، يوم مختلف، نضيف، وخالي من أي أكاذيب أو أقنعة مزيفة.