فكروني خدامه
الجزء الأول
الخدامة المفروض ما ترفعش عينها في عين أسيادها، قالتها ريناد الفولي وهي مش فارق معاها إن فيه ثلاثة من الويترية والشيف الرئيسي واقفين بيسمعوا.
فاطمة السيد مأنزلتش عينها. كملت ترص الكاسات الكريستال على سفرة الأكل بنفس الهدوء اللي اشتغلت بيه لمُدة 11 شهر في فيلا عائلة الألفي في حي الزمالك.
عندها 29 سنة، وفاطمة كانت عارفة كويس إن أخطر الناس مش دايماً هما اللي بيصرخوا. ساعات بيكونوا هما نفسهم اللي بيضحكوا وهما بيهينوا غيرهم، وهما متأكدين ومقتنعين إن محدش يقدر يوقفهم عند حدهم.
بالنسبة للعيلة، كانت هي البنت الهادية اللي بلبس الشغل النبيتي، اللي ببتجهز القهوة قبل الفجر، وبتمشي في الصالة المليانة ناس من غير ما تلفت الأنظار، ومحافظة على مواعيد دوا الحاج إسماعيل. محدش كان يعرف إنها قبل ما تنضف الفضة، اشتغلت 8 سنين كاملة في مجال الحراسات الخاصة وحماية الشخصيات الهامة. محدش كان يتخيل إنها تقدر تشل حركة أي معتدي في ثواني، أو إنها استقالت من شغلها ده بعد ليلة مرعبة لسة بتطاردها في كوابيسها لحد النهاردة.
هي قبلت الشغلانة دي لأنها كانت دور على روتين وحياة هادية بعيد عن سرينات الشرطة، والدم، وأوامر اللاسلكي. وكمان كانت محتاجة الفلوس عشان تدفع مصاريف علاج أمها في طنطا.
كانت عاوزة إيدها تخدم الناس، مش تؤذيهم.
تامر الألفي، عنده 34 سنة، ومسك إدارة مجموعة شركات العقارات اللي سابهاله أبوه. وعكس ريناد، كان شخص بيقدر النعمة وعارف اسم الجنايني، والسواق، وكل طباخ في البيت.
لما كان بيرجع متأخر من شغله في التجمع، كان كتير بيلاقي فاطمة بتجهز طلبات البيت لليوم اللي بعده. في الأول، كانت المقابلة بينهم مجرد كلمتين عابرين. بعد كده، بدأوا يتكلموا في مواضيع مبيحكوهاش لأي حد ذنب تامر وإحساسه بالتقصير إنه ملقاش وقت يقضيه مع أبوه قبل ما يموت، وخوف فاطمة إنها ترجع تاني للشخصية القاسية اللي كانت عليها زمان، والوحدة المستخبية جوة فيلا فيها 17 أوضة.
ريناد لاحظت ده كويس.
شافت إن تامر بيضحك من قلبه بجد وهو بيتكلم مع فاطمة، وبياخد برأيها وبيسمعها. ومن اللحظة دي، حولت كل يوم في حياة فاطمة لاختبار وتعذيب تطلب منها نفس المهام وتخليها تعيدها تاني، تدلق المكياج على الفوط النظيفة، وتتكلم عن الشغالين وكأنهم حتة العفش في البيت.
كان فاضل ثلاثة أسابيع على حفلة الخطوبة، حدث كبير فيه 300 معزوم في القصر القديم بتاع العيلة في المنصورية. كان هيكون فيه رجال أعمال، وسياسيين، وصحفيين مجتمع، وأقارب مبيظهروش غير لما يشموا ريحة ورث.
في بعد الضهر في يوم من الأيام، ريناد لقت في مكتب الحاج إسماعيل ملف التعيين بتاع فاطمة. كان فيه شهادات وتوصيات ممتازة، بس كان فيه كمان فجوة لعدة سنين مجهولة وسجل لشركة أمن مقفولة.
كنت عارفة إنك مخبية حاجة، قالتها ريناد بالليل وهي سادة طريقها. أنا هكشف حقيقتك قبل ما أتجوز تامر.
أنا مش بحاول أخد منك أي حاجة يا هانم.
في يوم الحفلة، هخليكي تفتكري حجمك ومكانك كويس قدام الكل.
افتكرت فاطمة كلمة مدربها القديم السيطرة الحقيقية بتظهر لما تكون عندك القوة إنك تدمر اللي قدامك وتختار إنك متعملش كده.
تاني يوم الصبح، شالت طقم هدوم خروج في دولابها. كانت خلاص اتخذت قرارها إنها هتمشي وتستقيل بعد حفلة الخطوبة على طول.
ماكنتش تعرف إن ريناد جهزت لها إهانة وتشهير قدام كل الناس.
ومحدش في البيت ده كله كان يقدر يتوقع ولا يصدق اللي كان على وشك إنه يحصل..
الجزء الثاني
ليلة الخطوبة، القصر في المنصورية كان شكله مبني مخصوص عشان يبهر أي حد. ورد الجاهلية الأبيض كان مغطي المداخل، وفرقة موسيقية بتعزف ألحان هادية جنة النافورة، ومئات اللمبات المنورة كانت مخلية الجنينة بتبرق.
نزلت ريناد من على السلم وهي لابسة فستان بلون زمردي ومرسومة على وشها ضحكة متدربة ومتجهزة. كان تامر مستنيها جنب الصالة الرئيسية، بس كان باين عليه التعب أكتر من الفرحة.
أما فاطمة، فكانت شغال مع باقي العمال والموظفين. كانت خلاص اتخذت قرارها إنها تخلص ورديتها، وتاخد باقي حسابها، وتمشي في هدوء من غير أي مشاكل ولا دراما. كانت لابسة الزي النبيتي، ولمة شعرها، وشايلة في إيدها صينية كاسات شربات.
الساعة تسعة وربع، تامر بدأ كلمة النخب والترحاب بالضيوف
جدي دايماً بيقول إن العيلة مش مجرد ألقاب وأسماء، العيلة بتبان في طريقة معاملتنا للناس اللي بيعتمدوا علينا.
الحاج إسماعيل، اللي عنده تسعين سنة، ابتسم وهو قاعد على أول ترابيزة.
فاطمة عدت بالقرب من ساحة الرقص، ف تامر شافها وهزلها رأسه بشكر وامتنان، لأنها كانت لسة مديّة جده الدوا في ميعاده. كانت لفتة بسيطة جداً، بس بالنسبة ل ريناد، كانت خيانة مش مسموح بيها.
قربت ريناد منها، وخطفت الصينية من إيدها ورمتها على الأرض.
صوت تكسير الكاسات العالي قطع المزيكا. ثلاثمائة شخص اتلفوا يبصوا على مصدر الصوت.
لحد هنا وكفاية، قالتها ريناد بصوت عالي. الكل لازم يشوف كيف استغليتي ثقة العيلة دي ولعبتي بيهم.
ممكن نتكلم على جنب يا هانم؟
لا! أنا عاوزة الكل يعرف أنتِ مين على حقيقتك.. مجرد شغالة فاكرة إن ليها الحق تقول رأيها، وتبص لخطيبتي، وتمشي في البيت ده وكأنها واحدة من أصحابه!
نزل تامر من على المنصة بسرعة
ريناد! اهدي واستني عندك!
طلعت ريناد من شنطتها
لمحة نيوز
صور أوراق مطبوعة من الملف، ورفعتها وهزتها قدام الضيوف
إحنا حتى مكنناش نعرف هي كانت بتعمل إيه في السنين اللي مسحتها من حياتها دي! إيه نوع الناس اللي يخبي ماضيه عشان يدخل بيت ناس ثانين؟
فلاشات كاميرات اثنين من الصحفيين اتوجهت فوراً ناحية فاطمة. هي بصت لزمايلها في الشغل اللي كانوا واقفين جنب الحيطة، وكانوا مكسوفين وموطين راسهم وكأن الهجوم ده موجه ليهم كلهم.
أنا مزورتش أي ورق يا هانم. وخبرتي القديمة ماكانتش شرط أساسي للشغلانة دي.
قربت ريناد لدرجة إن وشها بقى ملاصق لوش فاطمة
أنتِ واحدة انتهازية واستغلالية!.. وزقتها بإيديها الاتنين.
فاطمة رجعت رجل واحدة للوراء وامتصت الصدمة من غير ما تفقد توازنها نهائياً.
همهمات واستنكار مشي بين الحضور في القاعة. ريناد زقتها تاني بكل قوتها، بس فاطمة فضلت ثابته في مكانها زى الجبل. الإهانة اللي كانت متخططة عشان تكسر فاطمة، بدأت تتقلب ضد اللي خططتها.
ريناد، ووشها أحمر من كتر الغضب، رفعت إيدها ووجهت قلم شديد على وش فاطمة.
بس القلم عمره ما وصل!
فاطمة مسكت معصم إيدها في الهواء، ولفّت جسمها وغيرت اتجاه اندفاع ريناد. الحركة كانت سريعة ودقيقة جداً لدرجة إن ريناد فقدت توازنها وطارت ووقعت على السجادة، بعيد تماماً عن الرخام والأزاز المتكسر.
القاعة كلها بقت في حالة صمت رهيب.
سابت فاطمة إيدها ورجعت خطوتين للوراء.
أنتِ إيه بالضبط؟!، سألتها ريناد وهي مجهزة على الأرض ومصدومة.
تامر وقف في مكانه مبهول ومش قادر يتحرك. الحاج إسماعيل قام من مكانه وهو ساند على عصايته.
في اللحظة دي، اللواء المتقاعد عبد الرحمن زكي بَصّ على وقفة فاطمة وثباتها، ووشه اصفرّ وجمّد في مكانه. هو كان عارف الحركة دي كويس جداً.. وكان عارف كمان الاسم اللي كان مكتوب في ملف سري ومختوم من سنين طويلة.
مش معقول.. مش ممكن تكون هي!، همس اللواء لنفسه.
فاطمة بصتله وفهمت إن سرها خلاص انكشف.
تقدم اللواء خطوتين لقدام في الوقت اللي الصحفيين بدأوا يشغلوا فيه مسجلات الصوت والكاميرات.
وجه اللواء كلامه للحضور بصوت حازم
الست دي مش هي الشخص اللي أنتم فاكرينه خالص.. واللي عملته الليلة دي مش محصلش حتى نص الحقيقة!
الجزء الثالث
اللواء عبد الرحمن زكي كان قاد لسنوات طويلة برامج حماية لكبار المسؤولين، ورجال الأعمال المهددين، والشهود في القضايا الخطر. لما قرب من فاطمة، مبصلهاش خالص كأنها مجرد شغالة.
النقيب فاطمة، قالها بصوت واضح.
اللقب نزل على القاعة زي كاس تاني اتكسر على الأرض.
أنا مابقتش نقيب يا سيادة اللواء.
ريناد كانت لسة واقعة على السجادة، وتامر واقف يبص ل فاطمة ومذهول، بيحاول يربط بين شخصيتين مفيش بينهم أي شبه لنفس الإنسانة.
اتلف اللواء للضيوف ووجه كلامه للكل
فاطمة السيد اشتغلت تحت قيادتي في وحدة حماية وتأمين خاصة. دخلت الخدمة وهي صغيرة جداً، وكانت الأولى على دفعتها، وحمت شخصيات مهمة جداً عمرهم ما عرفوا اسمها الحقيقي. من أربع سنين، أنقذت عيلة كاملة أثناء هجوم مسلح على طريق سريع.
ضغطت فاطمة على إيدها بضيق
لو سمحت يا سيادة اللواء، بلاش تحكي القصة دي.
لازم تتحكي، لأنهم لسة متهمينك دلوقتي إنك مستخبية عشان تستغلي العيلة دي وتطمعي فيهم. الحقيقة عكس كده تماماً!
شرح اللواء إنه أثناء الهجوم ده، فاطمة سحبت طفلة صغيرة من عربية بتولع، ووقفت لوحدها تصد اثنين من المعتدين لحد ما الدعم وصل. زميلها جلال اتقتل وهو بيغطي انسحابهم. ورغم إن التحقيقات برّأت ساحتها تماماً، إلا إن فاطمة قدمت استقالتها بعد الواقعة بشهور.
هي ماكنتش مطرودة، ولا كانت هربانة من جريمة، هي سابت شغلها ومستقبلها الناجح لأنها ماكنتش مستحملة تشيل سلاح في إيدها تاني.
هي طلبت إن بياناتها تفضل سرية ومحفوظة، كمل اللواء كلامه. مش عشان خجلانة من حاجة، ولكن لأن فيه مجرمين اتسجنوا بسبب شغلها ولسة ليهم أعوان. ونشر الملف ده بالشكل ده يعتبر انتهاك وصريح لخصوصيتها وحمايتها.
العيون كلها اتوجهت ل ريناد.
أنا.. أنا كان قصدي أحمي خطيبي بس!، قالتها ريناد وهي بتحاول تدافع عن نفسها.
رد تامر بغضب أنتِ حولتي الموضوع لمسرحية وفضيحة قدام الناس، وبعد كده اعتديتي عليها!
دي رمتني على الأرض!
اتدخل اللواء بسرعة هي منعتك تقعي على الإزاز المتكسر! كان ممكن تتسببي في كسر ذراعك، بس هي اختارت تنزلك على السجادة بالراحة بحركة مدروسة.
قرب الحاج إسماعيل بعصايته وقال
أنا شفت كل حاجة. فاطمة طلبت تتكلم معاكي على جنب، لكن أنتِ أهنتيها، ونشرتي أوراقها الشخصية، وزقيتيها مرتين وحاولتي تضربيها بالقلم. فيه 300 شاهد وكاميرات سجّلت كل ده.
ريناد بصت لأهلها تدور على دعم، بس أمها بَصّت في الأرض، وأبوها اكتفى إنه يظبط جاكيت بدلته وهو شايل هم الصحافة والمانشيتات بتاعة بكرة.
تامر، أنت مش هتسمح لشغالة إنها تخرب خطوبتنا!
بصلها تامر بحزن شديد وقال
مش فاطمة هي اللي خربتها يا ريناد.
يعني أنت بتختارها هي عليّا؟
أنا بختار إني متجوزش واحدة مستعدة تهين وتكسر بني آدم عشان تحس بتميزها وسلطتها عليه.
ضحكت ريناد بسخرية ومرارة
أنت أصلًا بحبها وواقع فيها من شهور!
تامر سكت، وسكوته ده كان أوضح من أي كلام ممكن يقوله.
أنا عمر ما طلبت منه أي حاجة، قالتها فاطمة. لا شغل، ولا فلوس، ولا مشاعر. وأنا أصلاً كنت ماشية واستقيل بكرة الصبح.
قامت فاطمة قلعت المريلة النبيتي، طبقتها وحطتها
على الكرسي، وخدت شنطتها.
ممتاز جداً! خليها تمشي، قالت ريناد.
خبط الحاج إسماعيل بعصايته على الأرض بقوة
الشخص الوحيد اللي لازم يمشي ويطلع برة البيت ده دلوقتي هو أنتِ!
الراجل العجوز اتنفس بصعوبة وكمل كلامه
شهور وأحنا سايبينك تعاملي العمال وكأنهم مالهمش كرامة.. أنا افتكرت إن ده قلة خبرة ورعونة شباب، بس أنتِ الليلة دي كشفتي حقيقتك.
أفراد الأمن قربوا، بس فاطمة أشارت لهم بإيدها
تقدر تخرج لوحدها من غير زق.
حتى بعد كل اللي حصل، رفضت إنها تهينها زي ما عملت.
مشيت ريناد ناحية الباب، وقبل ما تخرج اتلفتت ل تامر
لما الخبر ده ينزل في الصحافة بكرة، هتندم أشد الندم.
أنا ندمان فعلاً.. ندمان إني مشفتش حقيقتك من بدري.
اتقفلت الأبواب. القاعة كانت في حالة صمت مش عارفين يعملوا إيه، والفرقة الموسيقية واقفه زي الصنم، والمعازيم بيبصوا لبعض في الذهول بعد ما اتلغت الجوازة.
رفع الحاج إسماعيل كاسه
مفيش خطوبة هنحتفل بيها الليلة دي، بس فيه درس مهم العيلة دي كانت محتاجة تتعلمه. أنا بنخب فاطمة السيد.. اللي كان عندها القوة إنها تدافع عن نفسها، والأهم إن عندها القوة إنها متنتقمش.
العمال والشغالين كانوا أول ناس يرفعوا كاساتهم ويصفقوا، وبعدهم القاعة كلها شاركت.
فاطمة كانت دموعها في عينها وقالت
أنا مش محتاجة نخب.. أنا بس محتاجة إنكم بكرة تعاملوا الشغالين والعمال بنفس الاحترام ده حتى لما محدش يكون بيبص عليكم.
هز الحاج إسماعيل رأسه بتفهم واحترام.
قرب تامر منها وقال
أنا آسف جداً.. أنا شفت تصرفات كتير من ريناد شهور وافترضت إنها مجرد اختلاف طباع. الراحة ساعات بتكون جبن.
يبقى اتعلم من اللي حصل الليلة دي.
أوعدك إني هتعلم.
ركبت فاطمة تاكسي وطلعت على طنطا عشان تكون جنب أمها في المستشفى. الموبايل مابطلش يرن، بس هي ما ردتش غير على مكالمة واحدة بس.
أنتِ كويسة يا بنتي؟، سألتها أمها.
بصت فاطمة على أضواء الطريق وهي تبعد
لأول مرة من زمان.. حاسة إني كويسة بجد يا أمي.
تاني يوم الصبح، المواقع الصحفية نشرت فيديوهات للموضوع، ناس حاولوا يخليوها خناقة على رجل أعمال غني، وناس تانية كتبوا عن الخدامة المقاتلة. بس فاطمة رفضت تعمل أي حوارات صحفية.. ماكانتش عاوزة تكون مادة للشو الإعلامي.
تامر أصدر بيان رسمي أعلن فيه إلغاء الخطوبة تماماً، واعترف باعتداء ريناد، وطلب من وسائل الإعلام احترام خصوصية فاطمة والعمال، وأعلن عن مراجعة شاملة للائحة العمالة في شركاته.
فاطمة مرجعتش للفيلا تاني.
وفي الأسابيع اللي بعد كده، تامر بعتلها ثلاث مرات في الأول يعتذر، وبعدها ليبلغها إنه رفع قضية على المكتب اللي سرب ملفها، وفي المرة الأخيرة قالها إن جده الحاج إسماعيل عاوز يشوفها عشان يشكرها.
اتقابلوا في كافيه في الزمالك، الحاج إسماعيل كان معاه ظرف بس محاولش يديهولها
فكرت أقدملك مبلغ مالك كبير، اعترف العجوز، بس رجعت وفهمت إن دي هتكون مجرد وسيلة لرشوة الضمير. أنا عاوز أمول مشروع أنتِ تختاريه بنفسك، من غير ما نحط اسم عيلتنا عليه ولا نتدخل في قراراتك.
عشان حاسس بالذنب؟
لا.. عشان حاسس بمسؤولية.
فاطمة اقترحت عمل برنامج مجاني لتعليم الدفاع عن النفس، وإدارة الأزمات، وبناء الثقة بالنفس للستات والبنات اللي بيشتغلوا في البيوت والمحلات والفنادق. ماكانتش عاوزة تعلمهم القتال عشان الفخر، لكن عشان يعرفوا المخاطر، ويحطوا حدود، ويعرفوا يطلبوا المساعدة في الوقت الصح.
بدأ البرنامج في مركز شباب في منطقة شعبية ب 15 متدربة. كان فيه ويتر بتتعرض لمضايقات من مديرها، وشغالة بتنام في المطبخ عند أصحاب البيت، وبنت صغيرة اسمها كامليا سابت المدرسة بسبب العنف.
في أول حصة، كتبت فاطمة على السبورة
كرامتك مش بتعتمد على الزي اللي أي حد بيجبرك تلبسيه.
وقالتلهم هنا مش هتعلموا تضربوا الناس.. هنا هتعلموا إزاي متتسمروش في مكانكم لما حد يحاول يقنعكم إنكم أقل منه.
أصعب اختبار كان مع أميمة، ست عندها 46 سنة شغال في البيوت، بقالها 7 سنين ماخدتش إجازة وأصحاب البيت حابسين أوراقها الرسمية بحجة الأمان. أثناء التدريب، أميمة معرفتش ترفع إيدها، وبدأت تعيط وتعتذر إنها بضيع وقتهم. وقفت فاطمة الحصة وقالت
هنا محدش بيعتذر إنه محتاج مساعدة.
بمساعدة البرنامج، أميمة استردت أوراقها، وأخدت مستحقاتها المتاخرة، واشتغلت في مكان تاني محترم. واليوم اللي رجعت فيه تحكيلهم، جابت معاها حلة حواوشي للمتدربين كلهم. وقتها فهمت فاطمة إن المشروع لازم ميكونش مجرد تدريب بدني، فجابت معاها محاميات متخصصات في قضايا العمل، وأخصائيات نفسيات، وشبكة لدعم المرأة.
الحاج إسماعيل تكفل بمصاريف المكان وفضل بعيد، وتامر ساعد في مراجعة العقود القانونية، بس عمره ما استغل المشروع عشان يقرب من فاطمة.
الاحترام والمسافة دي غيروا فكرة فاطمة عنه.
بعد أربعة أشهر، وافقت تشرب معاه قهوة في بلدي قريبة. تامر جه من غير سواق وقعد يستناها لأن الحصة طولت.
مش لازم تثبتلي إنك تقدر تعيش من غير رفاهية، هزرت معاه فاطمة.
أنا بس بحاول أتعلم أجي في ميعادي.
حكالها تامر إنه عمل لجنة للعمال في شركاته فيها ممثلين عن العمال، وفصل مدير كان بيسرق التبس، وفتح خط مباشر للشكاوى.
أنا معملتش ده عشان أبهرك.. عملته عشان أنتِ قلتيلي إن لازم أتعلم.
يبقى أنت بتسمع الكلام أهو.
ما وقعوش في الحب بسرعة، القرب كبر بينهم بالتدريج. تامر وقف مع فاطمة لما أمها عملت عملية في طنطا،
وهي وقفت جنبه في ذكرى وفاة أبوه. اتخانقوا، وبعدوا أيام، ورجعوا لبعض من غير تجميل ولا تصنع.
أم فاطمة أخدت وقت أطول عشان تثق في تامر. كل مرة كان بيجي فيها طنطا، كانت تصبله الشاي وتسأله أسئلة دقيقة عن الماهيات والساعات والعقود وكأنها بتعمله انترفيو شغل! وكان تامر بيرد بكل طول بال. وفي يوم أحد، ساعد في تصليح سباكة المطبخ واتبل مية تحت الحوض، بصتله أم فاطمة وقالت
الفلوس بتشتري أي حد يعمل ده.
عارف يا أمي.
يبقى أنت هنا عشان بنتي بجد.
ابتسم تامر من زمان أوي.
وكانت دي أول مرة تصبله كباية شاي تانية من غير ما تستجوبه!
ريناد هي كمان واجهت عواقب تصرفاتها. تسريب الملف فتح تحقيق ضد مكتب المحاماة اللي جابلها الأوراق. ونشرت اعتذار رسمي كتبه محامين بيتكلم عن سوء فهم من غير ما تذكر اعتداءها بالضرب.
بعد شهور، ظهرت ريناد في مركز الشباب من غير كاميرات ولا صحافة
أنا مش جاية أطلب منك تسامحيني، قالت ل فاطمة. أنا جاية أتحمل مسؤولية اللي عملته. أنا كرهتك لأن تامر كان بيشوفك إنسانة، وكان بيشوفني أنا مجرد صفقة. وبدل ما أواجه خوفي، حاولت أصغرك وأكسرك.
ده يفسر سلوكك، بس مبررهوش.
عارفة.
سابت ريناد جواب ورجعت.
ردت فاطمة التغيير مش إنك تقولي الكلمة الصح.. التغيير إنك تتوقفي عن أذية الناس لما محدش يكون بيبص عليكِ.
ريناد هزت رأسها ومشيت.
بعد سنة، بقى للبرنامج أربعة فروع في القاهرة وفرع في طنطا، وأكتر من 300 ست وبنت اتدربوا فيه. وكامليا رجعت مدرستها وبقت هي اللي بتستقبل البنات الجداد.
في حفل السنوية، طلع الحاج إسماعيل على المسرح وقال
طول 90 سنة، كنت فاكر إن السلطة هي إنك تبني شركات وتخلي اسم عيلتك يفتح الأبواب. فاطمة علمتني إن القوة الحقيقية هي إنك تفتح باب لغيرك من غير ما تطلب منه يركع عشان يشكرك.
بعد الحفلة، تامر أخد فاطمة للقصر القديم في المنصورية. القاعة مابقتش مخصصة للحفلات الخاصة بس، بقت بتستضيف دورات تدريبية ومنح.
النجف كان لسة متعلق، وساحة الرقص اللي وقعت فيها ريناد لسة زي ما هي.
افتكرت إنك عمرك ما هتصممي ترجعي هنا تاني، قال تامر.
أنا كمان كنت فاكرة كده. بس الليلة دي ماكانتش مجرد إهانة، دي كانت الليلة اللي بطلت أستخبى فيها.
طلع تامر علبة صغيرة من جيبه من غير ما يركع على ركبتيه
مش عاوز أعمل دراما، ومش لازم تردي دلوقتي خالص.
كان جوة العلبة خاتم بسيط جداً.
أنت متأكد إنك اتعلمت الدرس؟ مش قلت مش هتعمل دراما؟
ابتسم تامر ممكن أشيله عادي.
ابتسمت فاطمة شيله لحد ما أمي تبطل تشك فيك الأول!
ده ممكن ياخد سنين!
يبقى اتعلم الصبر بقى.
اتجوزوا بعد 10 شهور في جنينة مركز الشباب. حضرت عيلتهم، وعمال الفيلا، والمتدربات، والحاج إسماعيل اللي يعيط من الفرحة طول الفرح. وكامليا هي اللي شالت الخواتم.
في كلمة النخب، اتكلمت فاطمة عن الناس المخفيين الناس اللي بتنضف المكاتب قبل ما المدير يوصل، اللي بيخدموا على السفرة من غير ما يقدروا يقعدوا، واللي بيراعوا بيوت غيرهم وهي سايبة عيالها.
إحنا مش محتاجين نعرف قصة كل واحد عشان نعامله باحترام. الكرامة مش بتشترى بفلوس ولا اسم عيلة ولا نفوذ.. الكرامة حق لكل بني آدم.
تحت أضواء الجنينة، فهمت فاطمة إن السلام مش معناه إنك تتجنب المشاكل طول حياتك، السلام هو إنك متمسحش لخوفك إنه يحدد أنت مين. هي كانت بدلت السلاح بالمساحة وهي فاكرة إنها محتاجة تختفي عشان تهرب من العنف، بس في الآخر اكتشفت إن ممكن الناس تشوفها وتحترمها من غير ما تضطر تبقي سلاح تاني.
ومن يومها، وفي كل حصة تدريب، كانت بتكرر نفس الدرس
أعظم قوة مش إنك تقع اللي يحاول يهينك.. القوة الحقيقية هي إنك تقوم وتقف من غير ما تتحول لشخص شبهه.