اللقاء الاخير حكايات مني سيد
## الجزء الثالث والأخير
مشيت في الشارع وإيدي مشدودة على إيد يوسف. الشارع كان هادي، والريح الساقعة بتخبط في وشنا، بس جوايا كان في نار قايدة… نار مزيج من الفرحة إن الحقيقة ظهرت، والخوف من اللي جاي.
يوسف كان ماشي جنبي، بيبصلي كل شوية بعينيه الواسعة الذكية، لحد ما سألني بصوت واطي وهو بيعدل لياقة بدلته الكحلي:
— “ماما… هو الراجل ده كان بيعيط ليه؟ وليها الست الكبيرة دي كانت بتبصلنا بكراهية كده؟ هو إحنا عملنا حاجة غلط؟”
وقفت في نص الشارع، نزلت لمستواه وحطيت إيديا الاتنين على خدوده الدافية. بصيت في عينيه اللي شبه عينين أبوه بالضبط، بس فيها براءة ونقاء عمر أحمد ما عرف يملكهم.
— “مفيش حاجة غلط عملناها يا يوسف. أنت كنت أشطر وأجمل واحد في القاعة كلها، والناس كلها كانت بتصفقلك… الراجل ده كان متفاجئ بعزفك ومش مصدق إن في ولد شاطر زيك.”
— “بس هو كان بيبصلي كأنه يعرفني يا ماما…”
الجملة نزلت على قلبي زي الس\كين. الأطفال عندهم حاسة سادسة، بيحسوا بالدم اللي بيجري في عروقهم حتى لو محدش قالهم. مسكت إيده وكملنا مشي:
— “يلا يا حبيبي عشان الوقت تأخر، وبكرة عندك مدرسة.”
وقفت تاكسي وركبنا. وأنا ببتعد عن المطعم، بصيت في المراية الجانبية للتاكسي، شوفت عربية أحمد السوداء الضخمة بتتحرك من قدام المطعم وبتمشي ورانا ببطء. كان بيطاردنا زي الظل.
وصلنا البيت، عمارة بسيطة في حي هادي على قد إمكانياتنا. طلعت يوسف، غير هدومه، وعملتله كوباية لبن دافي. قعد على السرير يراجع دروسه وبعد نص ساعة كان رايح في النوم، ماسك لعبته الصغيرة في إيده.
قعدت جنبه في الضلمة، بصيت لملامحه الهادية، ودموعي نزلت من غير صوت. تسع سنين شقى… تسع سنين وأنا بشتغل في المستشفى بالساعات، إيديا تشققت من المطهرات، وضهري انحنى من الشيل والحط، وعيني اتعمت من السهر… كل ده عشان أطلع يوسف راجل نظيف، متعلم، ومش محتاج لحد. وجاي أحمد في ثانية فاكر إن فلوسه وعربياته هتمسح السنين دي كلها؟
فجأة، جرس الباب رن.
صوت الجرس في الوقت ده من الليل كان زي ضربة طبلة في أوضة فاضية. قلبي اتخلع. بصيت في الساعة… كانت واحدة بعد نص الليل.
قمت ببطء، مشيت على أطراف صوابعي ووصلت للباب. بصيت من العين السحرية.
كان واقف أحمد.
هدومه كانت متبهدلة، الكرافتة مربوطة بشرود، وشه أسود وكأنه كبر عشر سنين في ساعتين. كان واقف ساند على الحيطة وإيده بتترعش.
رن الجرس تاني بلهفة.
فتحت الباب بس سبت السلسلة الحديدية مقفولة، وظهرت من الفتحة الصغيرة.
— “عايز إيه يا أحمد؟ جاي هنا ليه في وقت زي ده؟”
أحمد أول ما شافني، اترمى على الباب، وصوته خرج مكسور، ملتحم بالدموع:
— “مريم… أرجوكي افتحي. افتحي يا مريم، مش قادر أتنفس… أرجوكي خليني أدخل أتكلم معاكي، مش هعمل حاجة، والله العظيم ما هعمل حاجة!”
— “اتكلم من عندك. مفيش مكان ليك جوه الشقة دي. ابني نايم ومش هسمحلك تصحيه ولا تعملنا شوشرة.”
أحمد حط جبهته على خشبة الباب الباردة، وبدأ يبكي بصوت مسموع، بكاء راجل أدرك إنه خسر كل حاجة في لحظة غباء:
— “أنا كرهت نفسي يا مريم… كرهت فلوسي ومطاعمي واسمي وكل حاجة بملكها. أنا عشت تسع سنين فاكر إن ربنا حرمني من الخلف، عشت وأنا حاسس إني ناقص، وأمي كانت كل يوم تأكدلي إنك خنتيني وإن ربنا نجاني منك… تسع سنين وأنا بتعذب بالشك، وفي الآخر أكتشف إن أمي هي اللي دمرت حياتي وحرمتني من ابني!”
رديت عليه ببرود وقسوة اتولدت من رحِم الوجع:
— “وأنت فين عقلك؟ فين حبك ليا؟ فين الأصول والرجولة؟ أنت صدقتها من أول كلمة، ورميتني في الشارع قدام الناس كلها وحطيت الفلوس تحت رجلي! أنت مكنتش محتاج أُمك تضحك عليك يا أحمد… أنت كنت مستعد تصدق أي كدبة عشان تتخلص مني ومن طفل كنت فاكره هيعطلك!”
— “لا والله العظيم لا!” أحمد صرخ بنبرة مكتومة: “أنا كنت خايف! كنت عيل غبي أعمى، مساق ورا كلامها! بس لما شفت يوسف النهاردة… لما شفت عينيه وطريقته وحركاته… كأني شفت نفسي في المراية! ده ابني يا مريم… قطعتين من قلبي! أرجوكي ما تحرمينامش من بعض!”
ابتسمت بسخرية مريرة:
— “يوسف مش ابنك يا أحمد. يوسف ابني أنا بس. أنا اللي حملت فيه وأنا بشتغل شيفتات ليلية. أنا اللي اتوحمت عليه وأنا مش لاقية أكل. أنا اللي ولدته في مستشفى حكومي وصوت صريخي مكنش يلاقيلك أثر. أنا اللي سهرت جنبه في السخونية، وأنا اللي اشتريتله أول كشكول وأول بيانو لعبة كرتون… أنت مالكش أي حق فيه!”
أحمد نزل على ركبته قدام باب الشقة، إيده الممدودة من الفتحة كانت بتمسك في أكرة الباب بلهفة:
— “هكتبله كل حاجة يا مريم! هسيبله الشركة والمطاعم والحسابات! هكتبلك أنت الشقة والعمارة والفلوس! مش عايز حاجة غير إنه يعرف إني أبوه، غير إنه يقولي ‘يا بابا’ مرة واحدة بس!”
بصيت لإيده المترعشة وقولتله بكلمات زي الرصاص:
— “الفلوس مش بتبني أب يا أحمد. الأب مش اللي بيمضي شيكات… الأب هو اللي بيمسك إيد ابنه وهو خايف، هو اللي بيضحي عشان يشوفه بيضحك. أنت بعت ابنه برزمة فلوس زمان، والنهاردة جايب نفس الفلوس فاكر إنك تقدر تشتريه بيها… يوسف مش للبيع.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة خفيفة من ورايا.
التفتت، لقيت يوسف واقف في الممر الصغير، لابس بيجامته البيضاء، ماسك لعبته وبيفرك في عينيه بنعاس.
— “ماما… مين اللي برة وبيصرخ كده؟”
أحمد أول ما سمع صوت يوسف، جسمه اتنفض بالكامل. وقفت عينه على الفتحة الصغيرة للباب، وبدأ ينادي بلهفة وصوت مخنوق بالدموع:
— “يوسف! يوسف يا حبيبي… تعال هنا! أنا… أنا أحمد… أنا…”
سكت أحمد، مكنش قادر يكمل الكلمة. كان خايف يقول “أنا أبوك” فيرفضه الولد.
يوسف قرب من الباب ببطء، بص لأحمد من فتحة الباب، وبص لدموعه اللي نازلة على خده، وبعدين بصلي بعينين مليانة حيرة.
أحمد مد صوابعه من فتحة السلسلة الحديدية، وقال بصوت يقطع القلب:
— “يوسف… بصلي يا حبيبي. أنت عارف البيانو اللي كنت بتعزف عليه النهاردة؟ أنا اللي عامله… وأنا بحب البيانو زيك بالضبط… تعال سلم عليا بس… أرجوك.”
يوسف فضّل ساكت لثواني طويلة، الصمت كان أثقل من الجبال. بص لإيد أحمد الممدودة، وبعدين بص لوشه المضروب بالدموع، وقدم خطوة صغيرة، وقال بصوت هادي وجاد أذهلني أنا وأحمد:
— “أنت الراجل اللي كان في المطعم… ماما حكتلي عنك قبل كده من غير ما تقول اسمك.”
أحمد اتوسعت عينيه بأمل مفاجئ:
— “حكتلك عني؟ قالتلك إيه يا يوسف؟ قالتلك إني أبوه؟”
يوسف هز رأسه بالرفض ببرود طفولي قاتل:
— “لا… قالتلي إن كان في راجل زمان، ماما كانت بتحبه وبتساعده، بس لما هي احتاجته، سابها ورمى الفلوس في وشها ومشيت تحت المطر وهي زعلانة… وقالتلي إن الراجل ده اختار الفلوس وسابنا، وعشان كده إحنا مش محتاجينه في حياتنا.”
الجملة نزل على أحمد زي الصاعقة. وش أحمد اتلون بصفار الموت، وإيده اللي كانت ممدودة وقعت جنب جسمه كأنها اتقطعت.
يوسف كمل كلامه وبص لأحمد بثبات:
— “ماما هي كل حاجة عندي. هي اللي بتشتريلي الأكل، وهي اللي بتعلمني عزف، وهي اللي بتسهر معايا لما أمرض… لو أنت زعلان عشان رميت الفلوس زمان، إحنا مش زعلانين منك… بس إحنا مش عايزين منك حاجة.”
يوسف مسك إيدي وشدها ببطء:
— “يلا يا ماما ندخل ننام… عندي مدرسة بكرة.”
أحمد فضّل على ركبه مش قادر ينطق ولا كلمة. كلام طفل عنده تسع سنين كان أشد وأقسى من أي حكم قضائي أو أي صرخة انتقام. الولد ما كرهوش… الولد simplement مكنش يعترف بوجوده من الأساس!
أنا بصيت لأحمد للمرة الأخيرة، وقولتله بنبرة هادية وأخيرة:
— “سمعت بنفسك يا أحمد؟ يوسف مش محتاج الانتقام منك، ولا أنا محتاجة انتقم منك. عقابك الحقيقي هو إنك هتفضل عايش في القصر بتاعك، معاك ملايينك ومطاعمك وأمك، بس هتصحى كل يوم وعارف إن ليك ابن بطل بيتبرى منك ومن وجودك… وده أكبر عقاب ممكن راجل يعيش بيه.”
قفلت الباب في وش، وركبت السلسلة.
سمعته برة بيخبط خبطات ضعيفة ومكسورة، وبيصرخ بكي ومناجاة، لحد ما صوته بدأ يبعد بالتدريج، وصوت خطواته النزلة على السلم كانت كأنها ج\ثة بتتسحب.
بعد ستة أشهر…
الحياة ما وقفتش، بس الاتجاهات تغيرت بالكامل.
أنا قدمت استقالتي من المستشفى الحكومي بعد ما جالي عرض عمل ممتاز في مركز طبي خاص بمرتب يحترمني ويخليني أعيش أنا وابني مرتاحين. نقلنا لشقة جديدة شمسها حلوة وفيها بلكونة واسعة بتطل على جنينة.
شريت ليوسف بيانو حقيقي… بيانو أسود صغير محطوط في الصالة، بيقعد عليه كل يوم بعد ما يخلص واجباته ويعزف نغمات هادية بتملى البيت دفء وأمل.
أما أحمد… فالخبر انتشر في الوسط التجاري زي النار في الهشيم.
الق\ضية اللي رفعتها عليه بطلب إثبات النسب والمطالبة بجميع حقوق يوسف القانونية (مش عشان الفلوس، بس عشان أحفظ حق ابني مستقبلاً وما حدش يقدر يتكلم في شرفه) هزت الرأي العام. التحاليل اللي اتعملت بطلب من المحكمة أثبتت بنسبة 100% إن يوسف ابنه.
الأوراق والتقارير الطبية القديمة اللي خبتها الحاجة سعاد اتسربت للإعلام، والصحافة ما رحمتهمش. اسم “مطاعم أحمد” اتلوث، والمستثمرين بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني.
سمعت من معارف قدامى إن أحمد طرد أمه من فيلته، ورفض يشوفها أو يتكلم معاها من يومها. أمه اللي ضحت بشرف ورضا ابنها عشان مستواها الاجتماعي، لقيت نفسها قاعدة في شقة لوحدها، معزولة عن الناس وعن ابنها الوحيد اللي بقى يكره رؤيتها.
أحمد مكنش بيحاول يحارب في المحكمة. بالعكس… تنازل عن نص ممتلكاته باسم يوسف من غير ما يطلب محاميه يدافع. كان بيحاول يشتري غفراني بكلمة أو إشارة، بس أنا كنت قاطعة كل خطوط التواصل معاه.
وفي يوم جمعة مشمس…
كنت قاعدة في النادي الكباني اللي اشتركت فيه عشان يوسف يلعب رياضته المفضلة. يوسف كان يلعب كورة مع أصحابه في الملعب، وأنا قاعدة بشرب قهوتي وبقرأ كتاب.
رفعت عيني بالصدفة… وشفته.
كان واقف برة سور الملعب، لابس نظارة شمسية سوداء وكاب محاول يداري وشه. كان خاسس جدًا، وشه شاحب وشعره فيه شيب كتير مكنش موجود من ست شهور.
كان واقف ورا السلك الحديدي للملعب، بيبص ليوسف وهو بيجري وبيضك وبيجيب جول.
أول ما يوسف جاب الجول، أصحابه شالوه وصحكوا جميعاً. أحمد رفع إيده ببطء وصفق بصوت خفيض جداً، والدموع نازلة من تحت النظارة الشمسية على خده.
يوسف اتلفت بالصدفة ناحية السور… شاف أحمد.
الولد وقف لثانية، بص للراجل اللي واقف ورا السلك بيبكي، وبعدين هز رأسه بهدوء شديد، ولف وشه ورجع يكمل لعب مع أصحابه، من غير ما يحس بأي حقد أو كراهية… فقط تجاهل تام.
أحمد فهم الرسالة. نزل رأسه، مشي ببطء وهو بيسحب رجليه، واختفى بين الزحمة.
في اللحظة دي، حسيت براحة غريبة سكنت صدري.
العدالة مكنتش في إن أحمد يدخل السجن، ولا إن أمها تتعاقب… العدالة كانت في إن ابني كبر بقلب نظيف، خالي من الغل والانتقام. العدالة كانت إن أحمد بقى عايش حُر في السجن اللي بناه بنفسه… سجن الندم والأبوه المفقودة.
يوسف جرى عليا وهو بيتنفس بسرعة وابتسامته مالية وشه:
— “ماما! شفتي الجول اللي جبته؟”
مسحت عرقه بمنديل، وبست رأسه بحب حقيقي:
— “شفت يا روح ماما… كنت بطل، وزي ما بتبطل دايماً.”
مسك إيدي ومشينا مع بعض تحت الشمس، شمس يوم جديد ونظيف… يوم مفيش فيه مكان للماضي ولا للكسرة. كسبت نفسي، وكسبت ابني، وده كان كل اللي محتاجة أطلع بيه من الدنيا.