منذ رحيل زوجي

منذ رحيل زوجي، وحماتي تصر بحلفان قاطع أن هناك رجلاً يتردد على بيتي يومياً أثناء تواجدي في العمل. لأجل ذلك، تظاهرت بالخروج كعادتي واختبأت داخل خزانة ملابس غرفة نومي.
لم تكن الفاجعة في سماع صوت القفل يفتح تلقائياً، بل كانت المصېبة الأكبر أن حدسها كان صادقاً، وأن شخصاً غريباً يطأ بيتي بالفعل كل يوم في غيابي.
أنا ليلى، بلغ سني ثمانية وثلاثين عاماً، وحتى ذلك اليوم العصيب، كنت أظن أن للأحزان أفقاً تنتهي عنده.
رحل زوجي أسر قبل عامين في حاډث أليم على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي. هذا ما تم إبلاغي به حينها عبر اتصال وردني في الثالثة والربع فجراً، يتحدث عن سيارة احټرقت بالكامل ورجل غابت ملامحه تماماً، لتعقب ذلك جنازة عاجلة وصورة مؤطرة بالشريط الأسود، وجمع يواسونني بدعوات الصبر بينما تهاوت حياتي برمتها أمامي.
أضحت أيامي بعد ذلك رتيبة وشاحبة؛ أعمل محللة مالية في شركة تأمين بمنطقة المعادي، أغادر داري قبل الثامنة صباحاً وأعود بعد أن يسود الظلام، أتناول ما يسد رمقي، ثم أغفو على صوت المذياع كي أطرد الۏحشة التي تحيط ببيت الأرملة. أو هكذا كنت يتملكني الظن… أنني أبيت بمفردي.
تبدل كل شيء عندما بدأت والدة زوجي الراحل، الحاجة كريمة، بمراقبتي. كانت تقطن في شارع مجاور بنفس الحي، ولم تتقبل فكرة امتناعي عن الانتقال للعيش معها بعد الفقد.
كانت تباغتني بالزيارات دون إخطار، تارة تحمل طعاماً، وتارة أخرى تجلب البخور، وأحياناً لا تحمل سوى القسۏة. كانت تعيد على مسامعي دائماً أن الأرملة الشابة لا ينبغي أن ترتفع ضحكاتها، وأن المرأة المطلقة أو الأرملة العزباء تحيط بها أنظار الطامعين.
كنت أتجاهل حديثها حتى ذلك المساء.
أثناء ركني لسيارتي، وجدتها بانتظاري عند المدخل، واقفة بملامح حادة ونظرة تحمل معاني التشفي، وقالت لي بثقة إنها تعرف ما أفعله. وعندما أبديت استغرابي، ابتسمت بسخرية وأكدت أن أحداً يدخل شقتي يومياً وقت الظهيرة أثناء غيابي.
سقط قلبي خوفاً، وظننت أنها تتوهم، لكنها أضافت أن جيران البناية وسائق التوصيل وحارس العقار لاحظوا شخصاً يحمل مفتاحاً ويدخل الدار ليمكث فيها ساعات.
تطلعت إلى باب شقتي المغلق كما تركته، وحاولت استبعاد الأمر، غير أنها باغتتني بسؤالها عن سر الأصوات التي يسمعها الجيران لرجل بالداخل، فسرت القشعريرة في جسدي وتعثر لساني عن الرد أمام قسۏة نظراتها.
دُخلت بيتي وأنا أحاول إقناع نفسي بأنها مجرد أقاويل وشائعات، لكنني بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة مريبة؛ فوطة المطبخ وضعت بأسلوب مغاير، والكأس المعدنية بقرب الصنبور تعبق برائحة عصير خفيف، وهو ما كان يفضله أسر تماماً كونه يحفظ البرودة.
تفقدت المكان، الأغراض كما هي والأدراج لم تمس. لكن في غرفة النوم، وجدْتُ سترة أسر القديمة، التي كنت أحتفظ بها داخل غلاف بلاستيكي لأحافظ على رائحته، أضحت ملقاة خارج مكانها وكأن أحداً أخرجها وعاد ليرميها بإهمال.
لم يغمض لي جفن طوال الليل. وفي الصباح التالي، قمت بروتيني المعتاد، ارتديت ملابسي وحملت حقيبتي، وأغلقت الباب بصوت مسموع، ثم حركت سيارتي وشاورت للحارس.
ركنت السيارة في شارع جانبي خلف إحدى الصيدليات، وعدت ترجلاً وأنا أغطي رأسي بوشاح واسع كي لا يفطن لي أحد. كانت يداي ترتجفان حتى سقط المفتاح من قبصتي.
فتحت الشقة بهدوء وسرت على أطراف أقدامي، متفقدة الأركان التي كانت خاوية، ثم دخلت غرفة النوم وانحشرت داخل خزانة الملابس الخشبية القديمة.
وفقاً للساعة، وعند منتصف النهار ودقائق قليلة، سُمِعت خطوات وثيقة بالخارج، خطوات شخص يعلم تضاريس البيت جيدا.
أُدخل المفتاح في القفل بكل هدوء، وانفتح الباب دون تردد،

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *