كشف المستور حكايات اماني سيد
طلعت السلم خطوة خطوة، كل درجة بطلعها كانت حاساها كأنها جبل فوق صدري. وجع جسمي والجروح اللي فيا كانوا ولا حاجة جنب المنظر اللي شفته تحت والموقف اللي اتحطيت فيه. وصلت للشقة ولقيت باب الشقة مفتوح. دخلت ببطء، لقيتها قاعدة على الكنبة في الصالة، وهو يادوب لسه حاططها ومغطي رجليها بملاية بلهفة، وواقف قدامها بيمسح عرقه وبيبتسم لها ويقول لها: “كده تمام؟ حاسة بأي وجع دلوقتي؟ أنادي للدكتور ييجي هنا يطمن عليكِ؟”.
وهي بترد عليه بنبرة كلها دلع وانكسار ممثول: “تسلم لي يا خالد، تعبتك معايا.. من غيرك ما كنتش عارفة هعمل إيه”. أول ما حسوا بوجودي وقفت عند الباب وبصيت لهم. هو اتعدل بسرعة، ووشه اتقلب للجمود الجاف المعتاد معايا، وقال لي بنبرة آمرة من غير ما يسألني حتى قدرت أطلع السلم إزاي: “كويس إنك جيتي.. ادخلي المطبخ اعملي شوربة دافية ولا حاجة سخنة لندى عشان تأكلها وتاخد دواها، والبنت مش قادرة تتحرك فخدي بالك منها النهاردة”.
سكتّ ثواني، وبصيت له وبصيت لها. الضحكة الخفيفة اللي كانت على وشها اختفت أول ما عيني جت في عينها، بس كان باين في نظرتها نصر صغير مكتوم. قربت من الصالة بخطوات هادية، وقلت له بصوت واطي ومستقر يمتلئ بالمرارة: “اعمل لها الشوربة أنت يا خالد.. ما أنت ماشاء الله أصلك وفياض بالخدمة والحنية من الصبح، ولا الحنية دي بتظهر ناس وناس؟”.
برقت عينه بخبث وهجم عليا بالكلام عشان يداري موقفه: “أنتِ اتجننتِ رسمي! ده بدل ما تحمدي ربنا إن اختك قامت بالسلامة وراجعة معاكِ، جاية تتنططي وتعملي مشاكل في البيت؟ أنا نازل أستريح في الكافيه تحت، ولما تعقلي وتعرفي إنتِ بتقولي إيه أبقي اتكلمي”. ساب الشقة وخرج، وهبد الباب وراه بقوة هزت المكان. بقيت أنا وهيا في الصالة لوحدنا. السكوت كان أتقل من الجبال. هي كانت قاعدة على الكنبة، باصة للأرض وبتمثل البراءة والكسرة، بس أنا كنت شايف الوش التاني كويس أوي.
قربت منها بخطوات هادية ووقفت قصادها مباشرة، وبصيت في عينها بثبات وقلت لها: “مبروك يا ندى.. نجحتِ تخلي جوزي يشيلك بين إيديه قدام العمارة كلها، ونجحتِ تخليه ينسى إن مراته اللي كانت محبوسة في عربية بتتقلب هي اللي محتاجة نجدة. ارتحتِ دلوقتي؟”.
رفعت رأسها وبصت لي، والملامح المسكينة اللي كانت متفصلة عشان خالد تتغير في ثانية لابتسامة باردة فيها تحدي، وقالت لي بصوت واطي ومفيش فيه نقطة تعب: “أنا مأجبرتوش على حاجة يا هدى.. هو اللي اختار يسبك ويركض ورايا، هو اللي شاف إن أنا اللي أستاهل الحنية مش أنتِ.. تفتكري العيب فيا أنا، ولا فيكِ أنتِ اللي مش عارفة تملي عين راجلك؟”. الكلمة نزلت عليا أتقل من الحا.دثة نفسها، حسيت إن الأكسجين اتسحب من الأوضة، بس المرة دي ما عيطتش، ولا حطيت إيدي على وشي وأنا بصرخ زي زمان.. الثبات الغريب اللي نزل عليا جمد كل نقطة دم في عروقي.
بصيت لها من فوق لتحت، وبابتسامة أبرد من ابتسامتها، قربت منها خطوة ووطيت بوشي لوشها، وقلت لها بصوت واطي وثابت زي السكينة: “لا يا ندى.. العيب مش فيا، ولا حتى فيكِ.. العيب في الرخيص اللي بيسيب بيته وعزته ويجري ورا أي حاجة رميها الشارع عشان يحس إنه راجل. أنتِ فاكرة إنك كده أخدتِ حاجة غالية؟ أنتِ يادوب أخدتِ الفضلات اللي أنا أصلًا بقيت قرفانة ألمسها”. وشها اتغير، والضحكة الباردة اختفت تدريجياً وتحولت لملامح غضب وارتباك، خصوصاً لما شافتي هادية ومش بصرخ ولا بنهار زي ما كانت متوقعة.
وقفت بطولي، ومشيت ناحية أوضتي بخطوات منتظمة. فتحت الدولاب، وطلعت شنطة السفر الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وحاجتي الأساسية بمنتهى الهدوء والتكتكة. ندى كانت سامعة صوت السوستة وصوت حركة الكراكيب، فقامت من على الكنبة بتمثيل التعب المعتاد وجت وقفت عند باب الأوضة، وبصت للشنطة وهي مش مصدقة: “أنتِ بتعملي إيه يا هدى؟ أنتِ هتسيبي البيت؟”.
ما بصيتلهاش، وكملت لمّ حاجتي وأنا برد ببرود: “أنا بسيب لك المكان النظيف اللي تترمي فيه أنتِ وهو، لأن الشقة دي طاهر من إنه يجمعني مع اتنين خاينين تحت سقف واحد.. وافرحي بيه أوي يا ندى، لأن اللي يخون مراته مع أختها، بكره يرميكِ أنتِ كمان لما يلقى أخت تالتة!”.
وفجأة ووسط ما هي واقفة مصدومة ومجهزة كلام جديد تقوله، اتفتح باب الشقة بلهفة. دخل خالد وهو شايل أكياس دوا وأكل جديد جايبه، ورزع الباب وراه. أول ما شاف الشنطة المفتوحة على السرير وشاف ندى واقفة عند باب الأوضة ووشها مصفر، عينيه اتملت غضب وجري ناحيتها يسندها بإيده وكأنها هي الضحية. بص لي بعيون فيها شرارة وقال بصوت هز الشقة كلها: “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة أنتِ؟ إيه الشنطة دي وإيه الكلام اللي بتقوليه لندى؟ أنتِ خلاص العقل اتلحس منك خالص؟”.
ندى استغلت وجوده، وغمضت عينها بتمثيل وكأنها هتدوخ، ومسكت في دراعه بضعف وقالت: “شفته يا خالد؟ بتقولي إني أخدت فضلاتها، وبتتهمني أنا وأنت بحاجات تقطع اللسان.. أنا ماشية ومش قعدة هنا ثانية واحدة!”.
خالد عدل نومتها على الكرسي وبص لي بكل قسوة وجفاء، ووقف في صفها تماماً وقال بصوت عالي: “تمشي فين بس يا ندى! أنتِ تقعدي وتتكرمي، الشقة دي شقتك والبيت بيتك! إنما الهانم هي اللي شككها ومريضتها النفسية عمياها! أنتِ بجد واحدة غيرانة من أختك وعينك منها! طول عمرك ضيقة الرمز ومستخسرة فيها اللقمة أو الكلمة الحلوة، ولما شفتيني بتعامل معها بأصول وإنسانية وجدعنة، حقدك وغيرتك عموكي وبقيتِ تشوفي الشرف خيا.نة!”.
سكتّ تماماً.. الهدوء اللي كان جوايا أشرس بكثير من الزعيق بتاعه. سبت القميص اللي كان في إيدي وحطيته في الشنطة بمنتهى التأنّي، وقفت بطولي وبصيت في عينيه بثبات يخليه يقلق. قربت منه خطوتين، وعيني جوه عينيه، وسألته بصوت هادي وزي الموسى: “طب لما أنت شايفني حاقدة، وغيرانة، ومريضة، وماستاهلش الكلمة الحلوة ولا الحنية اللي بتغرق بيها أختي.. اتجوزتني أنا ليه يا خالد؟”.