بعد اسبوع حكايات رودي خالد

بتراقبني.
لفيت فجأة في شارع جانبي.
جريت.
العربية دخلت ورايا.
قلبي كان هيقف.
وفجأة…
باب العربية اتفتح.
نزل منه راجل كبير في السن، شعره كله أبيض.
رفع إيده بسرعة وقال
استني يا بنتي…
أنا مش جاي أأذيكي.
اتراجعت خطوة.
حضرتك مين؟
بص حواليه وكأنه خايف حد يسمعه.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي.
أنا المحامي اللي خلص إجراءات شراء الشقة.
واللي قدامك…
مش أول ضحية.
إنتِ رقم خمسة.
في أربع ستات قبلك…
اختفت بيوتهم بنفس الطريقة.
وولا واحدة منهم قدرت تثبت حقها…
لأن اللي بيعمل كده…
مش بيسرق البيوت بس.
هو بيسرق…
هويات أصحابها.
الجزء السادس
فضلت أبص للراجل الكبير وأنا مش مستوعبة اللي سمعته.
سألته بصوت مرتعش
يعني إيه… أنا رقم خمسة؟
بص حواليه مرة تانية، وكأنه خايف حد يكون بيراقبنا.
وبعدين قال
اركبي العربية… مينفعش نتكلم هنا.
في الأول ترددت.
بعد اللي حصل، بقيت أشك في أي حد.
لكن الراجل لاحظ خوفي، ففتح شنطة جلد قديمة، وطلع منها كارنيه نقابة المحامين وبطاقة الرقم القومي.
ناولهم لي.
اسمي المستشار فؤاد السيوفي… اشتغلت محامي عقارات أكتر من خمسة وثلاثين سنة.
راجعت البطاقة بسرعة.
كل بياناتها سليمة.
ركبت العربية، لكنه ما تحركش.
فضلنا واقفين في مكاننا.
قال بهدوء
أول نصيحة… متثقيش في أي شخص.
حتى لو كان أقرب الناس ليكي.
بصيت له وسألته
حضرتك تعرف كريم وندى؟
هز رأسه بالنفي.
معرفهمش.
بس أعرف الأسلوب ده.
دي مش أول مرة أشوفه.
فتحت عيني بدهشة.
احكيلي.
أخرج ملفًا أصفر من تحت المقعد.
كان قديم، وحوافه مهترئة.
فتح أول صفحة.
كانت صورة لسيدة في الأربعينيات.
مكتوب تحتها
منى عبدالسلام.
قال
دي أول ضحية أعرفها.
اشترت فيلا بالتجمع.
بعد شهرين…
بقت الفيلا باسم راجل تاني.
ولما راحت تثبت حقها…
كل الورق اختفى.
حتى البنك أنكر تحويل الفلوس.
قلب الصفحة.
ظهرت صورة بنت صغيرة في السن.
دي اسمها هبة.
حصل معاها نفس اللي حصل معاكي.
قلب صفحة تالتة…
ورابعة…
كل قصة كانت نسخة من قصتي.
نفس السيناريو.
شراء عقار.
اختفاء المستندات.
ظهور مالك جديد.
اتهام الضحية بالجنون أو النصب.
وفي النهاية…
القضية تتقفل.
حسيت إن نفسي مكتوم.
قلت
مين بيعمل كده؟
رد وهو بيقفل الملف
لحد النهارده… معرفش.
لكن في حاجة واحدة متأكد منها.
كل الضحايا كان بينهم قاسم مشترك.
سألته بسرعة
إيه هو؟
طلع ورقة صغيرة من الملف.
وقال
كلهم اشتروا عقارات من نفس شركة التسويق العقاري.
جسمي كله اتجمد.
قلت بسرعة
شركة الأفق للاستثمار العقاري؟
رفع رأسه وبصلي بدهشة.
إنتِ عرفتي منين؟
قلت
لأن دي الشركة اللي اشتريت منها شقتي.
ضرب بإيده على المقود وقال
يبقى إحنا بدأنا نوصل لأول طرف في الخيط.
رجعت البيت وأنا بفكر.
لو الشركة متورطة…
يبقى لازم أبدأ من هناك.
تاني يوم الصبح…
روحت مقر الشركة.
أول ما دخلت…
لقيت موظفة الاستقبال ابتسمت وقالت
تحت أمرك يا فندم.
قلت
أنا سارة محمود.
كنت عايزة أقابل مدير المبيعات.
أول ما نطقت اسمي…
ابتسامتها اختفت.
بصت على شاشة الكمبيوتر قدامها.
وبعدين رفعت السماعة وكلمت حد بصوت واطي.
بعد أقل من دقيقة…
جالي موظف وقال بابتسامة مصطنعة
اتفضلي معايا.
مشيت وراه.
لكنه معدانيش على مكتب مدير.
دخلني أوضة اجتماعات صغيرة.
وقال
المدير هيوصل حالًا.
خرج…
وقفل الباب.
بعد ثواني…
سمعت صوت تك.
حاولت أفتح الباب.
ماتفتحش.
الباب كان مقفول من برة.
في اللحظة دي…
حسيت إن قلبي وقع.
طلعت موبايلي بسرعة.
ملقتش شبكة.
ولا حتى إشارة واحدة.
لفيت بعيني في الأوضة.
كانت فاضية…
إلا من كاميرا صغيرة مركبة في الركن.
الكاميرا كانت موجهة ناحيتي مباشرة.
وقبل ما ألحق أعمل أي حاجة…
اشتغل سماعة مخفية في سقف الأوضة.
وجالي نفس الصوت اللي هددني قبل كده.
لكن المرة دي كان أوضح.
وقال وهو بيضحك
حذرناك مرة…
واضح إنك بتحبي تدوري.
يبقى استحملي اللي هيحصلك.
وفجأة…
بدأ مقبض الباب يتحرك ببطء من الخارج…
الجزء السابع
بدأ مقبض الباب يتحرك ببطء.
رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحيطة.
الباب اتفتح…
ودخل راجل لابس بدلة سودة شيك، في أوائل الخمسينات، وعلى وشه ابتسامة هادية بشكل يخوف.
قفل الباب وراه بهدوء.
وقعد على الكرسي اللي قدامي.
وقال وهو بيشبك صوابعه
أخيرًا اتقابلنا يا أستاذة سارة.
بصيت له بحذر.
إنت مين؟
ابتسم وقال
أنا مدير شركة الأفق.
بس تقدري تقولي…
الشخص اللي كان المفروض متجيش تدوري وراه.
قلت بعصبية
فين أوراق شقتي؟
وفين حقي؟
ضحك ضحكة قصيرة.
إنتِ لسه فاكرة إن الموضوع شقة؟
لو كان الموضوع شقة…
كنا اديناكي فلوسها وخلاص.
الكلمة دي خلتني أسكت.
يعني فعلًا فيه حاجة أكبر.
سألته
تقصد إيه؟
مال بجسمه ناحيتي وقال
قبل ما تسألي أنا…
اسألي نفسك سؤال.
إزاي قدرتِ توصلي لكل الخيوط دي؟
مين اللي كان بيسيبلك الأدلة؟
اتلخبطت.
أنا فعلًا كنت كل شوية بلاقي خيط جديد.
كاميرا…
دفتر…
شركة نقل…
محامي.
قال وهو ملاحظ ارتباكي
لأننا كنا بنراقبك.
وكنا عايزين نعرف هتوصلي لفين.
قلت بانفعال
كداب.
رد بهدوء
طب افتحي موبايلك.
مسكته بسرعة.
لقيت الشاشة نورت لوحدها.
وفجأة…
بدأت صور تتعرض قدامي.
صورة ليا وأنا داخلة الشركة من شوية.
صورة ليا وأنا بكلم عم حسن.
صورة ليا وأنا خارجة من القسم.
وصورة…
لأبويا.
شهقت.
الصورة كانت لأبويا وهو خارج من بيته الصبح.
الراجل قال وهو بيبصلي في عيني
إنتِ حرة تكملي.
بس كل خطوة هتخطّيها…
هيبقى ليها تمن.
قلت وأنا بحاول أخفي خوفي
لو كنتوا أقوياء للدرجة دي…
ليه محبستونيش من أول يوم؟
ابتسم.
وقال
لأننا لحد النهارده…
مش لاقيين الحاجة اللي بندور عليها.
عقدت حاجبي.
حاجة إيه؟
قام من مكانه، واتجه ناحية الباب.
وقبل ما يخرج، قال جملة واحدة قلبت كل حساباتي.
الشقة دي…
إحنا عمرنا ما كنا مهتمين بيها.
إحنا مهتمين…
بالحاجة اللي والدك خبّاها فيها قبل ما يموت.
وسابني واقفة في مكاني.
قلبي كان بيدق بعنف.
أبويا…
توفي من سنتين.
وعمره ما قالي إنه خبّى أي حاجة في الشقة.
لكن فجأة…
افتكرت.
قبل وفاته بأسبوع…
كان مُصر إنه يسلمني مفتاح صغير نحاسي، وقال لي وقتها
احتفظي بالمفتاح ده كويس يا سارة… هيجي يوم وهتعرفي قيمته.
وقتها افتكرته بيتكلم من تأثير المرض.
فحطيت المفتاح في علبة إكسسوارات قديمة…
ومنسيتش وجوده تمامًا.
خرجت أجري من الشركة.
كل اللي بفكر فيه دلوقتي…
أوصل البيت قبل أي حد.
لأن لو كلام الراجل صح…
فالمفتاح الصغير ده…
ممكن يكون السر اللي بسببه اتسرقت شقتي…
واتقلبت حياتي كلها رأسًا على عقب.
الجزء الثامن
ركبت أول تاكسي قابلني.
طول الطريق كنت ببص في الساعة كل دقيقة.
قلبي كان بيقول إنهم سابقيني.
وإنهم أول ما خرجت من الشركة…
بعتوا حد على بيتي.
أول ما وصلت العمارة…
اتفاجئت بباب الشقة مفتوح.
جريت وأنا بنهج.
دخلت الصالة.
كل حاجة كانت في مكانها.
لكن أوضة النوم…
كانت متبهدلة بالكامل.
الدولاب مفتوح.
الأدراج مرمية على الأرض.
والهدوم متقلبة.
حد كان بيدور على حاجة.
ونفس الحاجة اللي قال عليها مدير الشركة.
جريت على التسريحة.
فتحت علبة الإكسسوارات.
اتنهدت براحة…
المفتاح النحاسي كان لسه مكانه.
مسكته في إيدي، وقربته من وشي.
كان صغير جدًا.
لكن لأول مرة ركزت فيه.
كان محفور عليه رقم واحد بس.
317
وفوق الرقم…
كان فيه شعار غريب.
شكله أقرب لخزنة أو صندوق أمانات.
وأنا ببص للمفتاح…
رن جرس الباب.
خبّيته بسرعة في جيبي.
وسألت من ورا الباب
مين؟
جالي صوت هادي.
افتحي يا سارة…
أنا المستشار فؤاد.
فتحت بسرعة.
دخل وهو بيبص حواليه.
أول ما شاف الأوضة المقلوبة قال
كنت متوقع.
سألته بسرعة
حضرتك كنت عارف إنهم هييجوا؟
قال
أيوه.
لأنهم أول ما يعرفوا إنك عرفتي حكاية المفتاح…
هيفتشوا البيت كله.
اتسمرت مكاني.
يعني إنت كنت عارف موضوع المفتاح من الأول؟
تنهد وقال
لا.
لكن والدك كلمني قبل وفاته بثلاث أيام.
وقالي جملة واحدة.
لو حصل لبنتي أي حاجة…
اديها الملف اللي عندك.
مد إيده في شنطة جلد كان شايلها.
وطلع ظرف بني قديم.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
وقال
أبوكي طلب مني أسلمهولك…
بس بعد وفاته بأربع سنين.
استغربت.
ليه أربع سنين؟
رد
معرفش.
ده كان شرطه.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه جواب بخط إيد أبويا.
أول ما شفت خطه…
دموعي نزلت.
بدأت أقرأ.
بنتي سارة…
لو وصلتي للجواب ده، يبقى للأسف كل اللي كنت خايف منه حصل.
أوعي تثقي في أي حد… حتى أقرب الناس ليكي.
أنا كنت شريك في شركة الأفق من سنين.
واكتشفت بالصدفة إن الشركة مش شغالة في العقارات بس.
كانوا بيزوروا عقود ملكية، ويستولوا على أملاك ناس كتير، وبعدها يغسلوا ملايين الجنيهات

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *